ماذا لو عاد الشهيد عصام براهمة بعد 33 سنة من ارتقائه شهيدا على طريق القدس؟

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 08:11 م
12 ديسمبر 2020
الشهيد عصام براهمة

كتب: إبراهيم أبوصفية

ماذا لو أنني قلت لكم: الشهداء يعودون هذا الأسبوع، فلا بد أنكم ستتهمونني بالجنون أو على الأقل ستدهشون مما أقول، وربما تتساءلون بقدر لا بأس به من التهكم والسخرية، فكيف يمكن أن يعود هؤلاء الشهداء بعد أن انتقلوا للدار الآخرة؟ ولكن إن فكرتم قليلا، سيتأكد حدسكم ويكذب الخبر؛ لأن لا رجعة بعد الموت، إلا أن هذه الجملة، هي عنوان مجموعة قصصية للكاتب الجزائري الطاهر وطار.

كلما تمر ذكرى شهيد كان من اسمه وفعله نصيب، لأن الأجيال المتلاحقة تتذكره، فأصبح لا بد من إسقاط هذا التساؤل فعلا، والتّفكر قليلا، عن ماهية الإجابات، فالإجابات إما أن تكون محكمة للواقع وإما استحضارا لصور مشابهة من الحاضر، لأننا علينا أن نخرج من عقدة الذنب التي نمر بها جراء ما حصل من تراجع ثوري وفكري أسس له الشهيد، مقابل الكارثة التي تحل بنا وهي سير المشروع الصهيوني دون فعل حقيقي رادع.

إن العودة والتمعن في قراءة هذه المجموعة القصصية كي نرى جميعا كيف تنعكس صورة محددة من صور الماضي على مرآة الحاضر، أو مشاهدة صدمة الناس من سؤال العابد بن مسعود أي الشخصية التي وضعها الطاهر وطار بطلا لهذه المجموعة، وكيف كانت إجاباتهم وردة فعلهم، هنا تكمن صورة المحكمة فعلا، فعندما سأل العابد بن مسعود ماذا لو عاد الشهداء للحياة من جديد؟ قال أحد الموظفين الروتينيين: على هؤلاء الشهداء أن يقدموا شهادات تفيد بأنهم أحياء، لأننا قد استخرجنا لهم من قبل شهادات وفاة، بينما قال واحد من المنتفعين الجدد: لن يلبثوا أسبوعا حتى يتزيفوا، إنهم سيؤولون إلى ما آل إليه غيرهم، أما زوجات الشهداء فإن منهن من أصبحن يشعرن بالحرج، فهناك من تنفق ببذخ على ملذاتها بفضل ما تلقته من تعويضات، أما الأصدقاء فمنهم من حصل على عمل الشهيد واستحوذ عليه، ومنهم من كان هو سببا في استشهاده أي أنه جاسوس، وأصبح يفكر كيف لو عاد هذا الشهيد، ربما لكتشف بأني كنت سببا في موته!.

استحضرتني هذه المجموعة القصصية، عندما أردت أن أكتب عن الشهيد عصام براهمة القائد الفلسطيني الرباني الرسولي، الذي انتهج طريق ذات الشوكة، لمواجهة المشروع الصهيوني ودحره من فلسطين، الذي وإن تمعنا في سيرة حياته، نشاهد فيها المفكر والمعلم والاجتماعي من الناس إلى الناس، سار في مركب الشهداء طوعا وحبا وعشقا، هدفه أن ينجي فلسطين من توغل المشروع الصهيوني، ويخرج الفلسطينيين من نفق الظلام الاحتلالي إلى نور التحرير والنصر والعودة، هدفه خط نهج رباني ذو رؤية إسلامية جامعة؛ وقومية شاملة ووطنية متحدة على أنها "كانت تسمى فلسطين وصارت تسمى فلسطين".

فماذا لو عاد شهيدنا عصام براهمة؟ ونحن مكتوفي الأيدي أمام الإبحار "الإسرائيلي" في مسارات التطبيع شرقا وغربا، وقد توغل بنا المال والمنصب وأفسد ثورته، وأصبحنا مخيرين بين أن نختار وطنا أكثر أو مالا أكثر، إلا أننا فعلا لم نحصل على الخيارين ولا على واحد منهما.

ماذا لو عاد براهمة؟ ونحن نتقمص دور الضحية، وأن الثورة والمقاومة أصبحت أن نصدر للعالم الوحشي إنسانيتنا، وأننا مقاتلون لطفاء، لا نؤذي أحدا، ندين العمل المسلح المشرع لنا دوليا في مواجهة الاحتلال، وأن أكبر عملية هي إدانة واستنكار في بيان متوج تحت عنوان "دولة فلسطين"، لا ندري يا عصام أي دولة، بدون القدس ويافا وحيفا وعكا وصفد.

ماذا لو عاد؟ وهم الشباب قد أصبح محصورا في المأكل والمشرب، وأن لا يكون مطارداً، بل حراً، وأقصد بالحرية هنا أنه غير مطارد ومطلوب للأمن العام "الشاباك الإسرائيلي" الذي اغتالك، ربما ستسأل أهذه الحرية التي تطلبونها، لا بل وتصريح مختوم من "الشباك والشاباك".

ماذا لو عاد؟ وأصبحت تحكمنا السلطات من جنسنا، سلطات! نعم فالانقسام أوغل فينا وجزء الوطن أجزاء، انقسام ووطن؟ لا بعض من وطن، منحونا إياه بتوقيع هزيل اسمه "أوسلو"، وتقاتلنا على من يحكمه وانقسمنا.

ماذا لو عاد براهمة والشهداء العظام، وفينا المنتفعون والمتساقطون، وطريق المقاومة يتيمة ووحيدة، أصبحت تعلق على الحائط، ونطرب على أغانيها في المناسبات إن تمكنا فعلا من وضعها وسماعها.

لكن إن عاد براهمة، فوعدا، لن نتركه يرى إلا صور الشهداء، صور من ساروا على طريقه، صورا لمهند الحلبي وباسل الأعرج وبهاء عليان وأحمد طه وأحمد جرار وصالح البرغوثي ومعاذ العجوري؛ وبهاء أبو العطا ودانيال منصور وعرفات مرشود وأحمد الجعبري، وكل صور الشهداء الذين لا زالوا يرتقون سعيا لتحقيق هدفهم وهو فلسطين والقدس.

ولن نسمعه إلا ما كان يردده، ونقتبس من كلماته: "يا شهادة في سبيل الله أبحث عنك في الأزقة وفي الشوارع وفي ساحات المساجد، أريد أن أقبلك قبل أن يفرضوا الضرائب على القُبلات، وأريد أن أضمكِ لأضلعي قبل أن يقطعوها"، وكذلك كلمات من ساروا على دربه بأن نسمعه مثلا ماذا قال الباسل عن المثقف المشتبك: "إنّ المثقّف الوطنيّ يجب ألّا ينفصل عن واقع الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وهمومِها، ولو أصابها الكلسُ والصدأ؛ وأنّ هذا المثقّف، من خلال الجهد اليوميّ والتثقيف الذاتيّ والمشاركة في النشاط النقابيّ والجماهيريّ، سيظلّ يراكم الدروسَ ويصقل تجربتَه ويمتحن إرادتَه وأفكارَه في الميدان، وفي المحاولات المتكرّرة والمتعثّرة، علّها تكون شرارةً تخلق حالةً من الوعي والنهوض الشعبيّ الفلسطينيّ في الأرض المحتلّة، ولكنْ سرعان ما كان صدرُه يضيق، فيطلب المزيدَ من الفعل، ومن توسيع مساحات الاشتباك.

فإن كلمات الشهداء، تدل على علم ومعرفتهم بواقع الصراع الذي يخوضونه، وأنه لم يقتصر على معرفة ميدانية أو قطرية إنما كانت رؤيتهم شاملة، ومؤمنين بصوابية وحقانية هذه الرؤية التي أثبت الواقع أنها عين الحقيقة، وهذا ما تظهره وصية الشهيد عصام "يا أبناء شعب فلسطين أن تتركوا الخلافات جانبا وأن تسيروا على خط واحد وأن تسيروا على طريق الله، فلا تنازعوا ولا تنافروا ولا تتناحروا، وقفوا صفا واحدا في وجه اليهود، فقفوا صفا واحدا أمام أعداء الله".