شريط الأخبار

شاهد من آل عزام يتحدث عن مأساة الأسرة الفلسطينية التي مزقتها القذائف

02:42 - 06 تشرين أول / مارس 2009

صقر عزام ورحلة البحث عن أشلاء والده وشقيقه الصغيرين

قذائف شطرت الأجساد وأحالت الصغار إلى أشلاء وبقع دم متناثرة

شاهد من آل عزام يتحدث عن مأساة الأسرة الفلسطينية التي مزقتها القذائف

 

فلسطين اليوم-غزة

"لا تذهبوا بعيداً فلا زال العرض مستمراً". الآن وحصرياً في أسرة عطا عزام، تحوّل اللحم الطري فوق الحصان الخشبي إلى أشلاء متفحمة، أما قدح الشاي فأصبح كأساً من الدم.

 

ليس هذا من أفلام الرعب أو من حكايات العصور الوسطى، أو روايات من نسج الخيال، بل هي واقعة حقيقية يتسيّدها جنود الاحتلال. 

 

يروي الفلسطيني صقر عطا عزام، البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً لـ"قدس برس"، ما حلّ بعائلته أثناء الحرب على غزة. هو يستجمع قسطاً من رجولته الصاعدة ويقول "نقطن مقابل محررة "نتساريم" (مستعمرة إسرائيلية مخلاة) جنوب مدينة غزة، وبفعل إطلاق النار على الأسطح فقدنا الماء من الخزانات، حيث قال لي والدي: اذهب وأحضر الماء لنصنع الشاي". كان ذلك قبيل السابعة صباحا، بينما يتعالى في الخارج هدير الدبابات الإسرائيلية التي تعيد تمركزها. أما عائلة عطا وجيرانها فألفوا إطلاق النار وانهمار القذائف مع تواصل العدوان البري.

 

يدور حديث عادي بين الأب وابنه، في حين يسلِّي الطفل حسن الذي يبلغ من العمر عاماً وعشرة شهور نفسه باللعب على حصان خشبي وبجانبه محمد ذو الأعوام الثلاثة عشر. يبتعد صقر عنهما بضعة أمتار لإحضار الماء، فيدوِّي في الأرجاء صوت انفجار هائل. يشرح صقر "فجأة سمعت صوت انفجار فهربت، وعلى بعد مترين سقط نصف والدي السفلي".

 

هزّ الانفجار أرجاء المكان، دفع الجيران رؤوسهم بدافع الفضول للاستكشاف. كان عصام عزام ابن عم الأب، واحداً من هؤلاء، وعن ما جرى يقول لـ"قدس برس"، "سمعت صوت القذيفة، فنظرت من نافذة منزلي المجاور إليهم، ثم انطلق صراخ زوجته وزوجة عمي، وهي أم عطا، لاحظت حينها أنّ نصفه السفلي طار بعيداً عن منزله. حاولت تهدئتهم وقلت: لا تخافوا".

 

لحظات مضت على عطا وولديه، اختصرتها قذيفة وافدة من دبابة غرب منزلهم. تسمّر صقر في مكانه مراقباً المشهد. دار صراع بين عصام ونفسه؛ فهل بإمكانه الوصول إلى ما تبقى من ذويه، في حين تواصل صراخ سكان المنزل المستهدف.

 

استفاق صقر من غيبوبته القسرية، فرأى سحابة من الغبار تتصاعد من موقع القصف. أسقط من رأسه أشلاء والده حين اخترقت عالمه استغاثة شقيقه محمد، فأضاف "صرت أصرخ: أبي أبي، فسمعت أخي محمد يستغيث ويقول: أنا مصاب في أرجلي. كان محمد مصاباً بجوار أحد الأعمدة، وبعدها حدث إطلاق نار، تلاه قذيفة، ثم صمت محمد، واستشهد الجميع".

 

حسمت القذيفة الثانية الحكاية. فقد ابتلع الصمت أرواح حسن ومحمد ووالدهم المشطور نصفين. ترجّل صقر للأمام، فشاهد نصف والده العلوي. أما حسن ذي العام وعشرة شهور، فقد بحثوا عنه مليّاً فلم يجدوا سوى قليل من أشلائه وأصابعه الناعمة المغموسة بدمه. أما محمد فكانت رأسه علبة عظمية فارغة، تعربد فيها الريح.

 

استمر عصام عزام ينادي على الأحياء من أسرة ابن عمه، وجاءه الرد سريعا بالإجابة. خفق قلبه بعنف وهو يحثّ الخطى. كانت المسافة صغيرة، لكنها شاقة. أخيراً وصل إلى الأشلاء، حيث أضاف "لملمت أشلاء الشهداء، فقد كان ابن عمي مشطوراً، وابنه محمد مصاباً برأسه، أمّا حسن فلم نجد منه سوى شيء يسير. أسدلت عليهم غطاء ثم انسحبت بسرعة".

 

عاشت أسرة عطا ساعات طويلة حتى عصر ذلك اليوم. تزاحمت في مخيلتهم مئات الأفكار الموحشة، عن رب الأسرة الشهيد، والصغار الضحايا الذين لم يفصلهم عنهم سوى بعض الأمتار. ومع ذلك لم يجرؤوا على الاقتراب، خشية قذيفة ثالثة وقد أصبح لكل منهم عالمه الخاص.

 

تسلّل عصام إلى بيت عطا منتشلاً ما تبقى منهم حياً. اقتادهم إلى منزله خوفا على حياتهم. أرخى الليل عباءته على المكان فزاده وحشة. ومن بعيد نبحت الكلاب بعنف فقفزت لذهن عصام مخاوف متوقعة على الجثامين، كما قال.

 

حاول عصام وصقر الاتصال بعربات الإسعاف، فصبّوا جام غضبهم على خطوط الجوال وشبكة الاتصال المعطلة مئات المرات. فتشوا عن حيلة لنقل الشهداء فلم يفلحوا. كانت مركبات الإسعاف ترقد على بعد نصف كيلومتر، فهويتها وشارتها الطبية لم تشفعا لها في الوصول إلى الموقع المنكوب، فأصبح انتظار الصباح حتمياً.

 

مرّت ليلة طويلة كانت نكهتها مرّة. داعبت برودة كانون أشلاء حسن الناعمة، ولعبته التي رقدت جواره حزينة، في حين صفرت الريح في رأس محمد، حتى سطعت الشمس على نصف الأب الراحل.

 

تقدّم عصام وصقر إلى الجثامين. وقفا لإنشاد قصيدة الوداع أمام الأشلاء، ثم شرعا بالعمل فبحثا عن اللحم المتفحم والمتناثر. عن ذلك يقول صقر "جمعت أشلاء حسن ووضعتها قرب نصف والدي، قبل أن نأتي بالنصف الآخر. أما محمد فتأكدت أنه نزف حتى الموت".

 

حمل عصام وصقر الأشلاء على عربة يجرّها حمار، ثم أسرعا بها إلى أقرب مركبة إسعاف كانت تبعد عن البيت خمسمائة متر، وأضاف صقر "كانت الدبابة (الإسرائيلية) أمامنا، وبدأ إطلاق النار، فأخذنا العربة مسرعين وهربنا تجاه سيارة الإسعاف التي نقلتهم للمشفى".

 

وفي مكان القصف لازالت آثار دماء طازجة متناثرة على الجدران، في حين توزع فراش الأسرة وبقايا خرق ممزقة على جنبات الحجرة. يقف عصام عزام وسط كومة الذكريات هذه مشيراً بيديه "هذه دماؤهم على الجدران، وهنا وجدت أشلاء حسن الصغير، وهناك وجدت محمد شهيداً. أما عطا فقد كان هنا فقط نصفه العلوي (يشير بيده)، وهناك على بعد ثمانية أمتار طار نصفه الآخر. كان الوضع صعباً، واليهود ليست لديهم رحمة".

 

واصل الجيش الإسرائيلي قصفه للمنطقة، فسقطت عشرات القذائف على المنازل، ما اضطر السكان للهرب. أصاب القصف بقايا منزل عطا ومنزل عصام وأقاربهما، في حين تقدمت الجرافات أواخر أيام الحرب على غزة وهدمت منازل المنطقة بكاملها.

 

اضطرت أسرة عطا لاستئجار بيت في مدينة غزة، بينما تناثرت باقي الأسر في أرجاء القطاع. واليوم يحضر صقر وعصام لزيارة منازلهما المدمرة وأرضهما التي جرفها الاحتلال.

 

على الطريق العام مقابل منزله المدمر يقف صقر ليؤكد أنّ أسرته البالغ عددها تسعة أفراد فقدت والده وإخوته. هو الآن يسحب من معاناته ابتسامة باهتة، مستطردا "علمت قبل أيام أنّ أمي تحمل في بطنها توأماً".

 

وعلى الطريق ذاته؛ اجتهدت بعض العجائز في لملمة متاع ممزّق لعله يصلح للمستقبل، بينما صمدت سنابل القمح بقوة. وهناك تحت سقيفة خشبية حديثة الصنع، يداعب بعض الرجال من أقارب صقر النار تحت إبريق شاي على وشك أن ينضج. هو نفس الشاي الذي اختطف المجيء به حياة عطا وأطفاله، فتحوّلوا إلى أشلاء مبعثرة قبل أن يشربوه. 

 

 

انشر عبر