شريط الأخبار

الدكتور / أيوب عثمان يكتب : شيء عن منظمة التحرير التي نريد

08:36 - 03 تموز / مارس 2009

كاتب وأكاديمي فلسطيني - جامعة الأزهر بغزة

 

لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية، في الأصل، ثمرة التفاعل الوجداني بين شعبنا وأرضه، ثم تطورت، فيما بعد، عبر الفعل المقاوم لشعبنا، لتصبح نبضاً لصموده على أرضه، وتحد لمغتصبيها، ورمزاً لتجذره فيها وبقائه فوق ترابها، ودلالة قوية على إصراره على العودة إليها بعد أن هجر بالقوة والبطش عنها، ثم سرعان ما تحولت بدماء شعبنا وتضحياته وطناً معنوياً له يعيش في حضنها، ويستظل بظلها، ويتلفع بعباءتها التي كانت – في مدينة القدس ومنذ خمسة وأربعين عاماً – قد استلت خيوطها وحيكت من الميثاق الوطني الفلسطيني الذي ينص في المادة (25) منه على أنه "تحقيقاً لأهداف الميثاق الوطني الفلسطيني ومبادئه، تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بدورها الكامل في تحرير فلسطين".

لقد واصلت منظمة التحرير الفلسطينية ولايتها على شعبها، وظلت تستمد شرعيتها في ذلك بمقدار إيمانها وانتمائها وصادق ترجمتها لبنود الميثاق الوطني الفلسطيني الذي خرجت هي من رحمه، وظل هو الملجأ لها، والمقيل لعثراتها، والمسعف لنوائبها وأزماتها. فالميثاق الوطني الفلسطيني هو الأب الذي جاءت منظمة التحرير الفلسطينية من صلبه، لاسيما وإن المادة (32) منه تنص على أنه "يلحق بهذا الميثاق نظام يعرف بالنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية" الذي ينص في المادة (2) منه على أن "منظمة التحرير الفلسطينية تباشر مسؤولياتها وفق مبادئ الميثاق الوطني الفلسطيني..."، الأمر الذي يعني أن الثمرة ليست إلا نتاج البذرة، وأن الفرع ليس له أن يخرج على الأصل، وهو ما ينبغي أن يحيلنا إلى الميثاق الوطني الفلسطيني في مادته (الثامنة) التي تقول: "المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين..."، وفي مادته (التاسعة) التي تقول: "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكاً، ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه..."، وفي مادته (الحادية عشرة) التي رصد فيها شعارات ثلاثة هي الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير"، وفي مادته (التاسعة عشرة) التي تقضي بأن "تقسيم فلسطين عام 1947 وقيام إسرائيل عليها باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن..."، وفي مادته (العشرون) التي تقضي أيضاً ببطلان تصريح بلفور وصك الانتداب على فلسطين، وأن شعبنا يعبر عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة ويرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين..."، وفي مادته (السادسة والعشرون) التي جاء فيها أن "منظمة  التحرير الفلسطينية الممثلة لقوى الثورة الفلسطينية مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني في نضاله من أجل استرداد وطنه وتحريره والعودة إليه وممارسة حق تقرير مصيره، في جميع الميادين العسكرية والسياسية والمالية وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين على الصعيدين العربي والدولي".

لقد صدر عن غير قليل من القيادات الفلسطينية أن المنظمة تحتاج إلى إصلاح وإعادة صياغة وبناء وتفعيل: فأبو مازن، على سبيل المثال، قال في أنقرة قبل أيام معدودات "إن المنظمة تحتاج إلى إصلاح وأن فيها فجوات لابد من سدها"، أما أبو علاء فقد قال "إن الدفاع عن المنظمة يعني الشروع الفوري في إصلاحها، فيما قال نبيل شعث: "إن الجمود قد أصاب المنظمة فابتعدت عن الواقع السياسي". فإذا كان كل ذلك كذلك وهوما قاله هؤلاء القادة الفتحاويون وغيرهم كثيرون كثيرون، قبل اليوم، وغير مرة، دون أن يهز أي قائد غيور على المنظمة كتفه للقيام بإصلاحها، فلماذا تقوم الدنيا ولا تقعد على قول مشعل الذي كان حجراً أسقط على ماء راكد، دونما أدنى تَفَكُّرٍ أو تَدَبُّرٍ في قول الإمام الشافعي:

                 إني رأيتُ سكونَ الماء يفسده      إن سالَ طابَ وإن لم يَجْر لم يَطِبِ

إنني – كمواطن فلسطيني يحسب نفسه غيوراً على وطنه وأرضه وقضيته ومنظمته – أرى خطأ مشعل أكثر من صوابه، ذلك أنه كان ينبغي له أن يقول ما قال قبل اليوم. فلو كان قبل اليوم قد فعل، لكانت الدنيا قد قامت وربما قعدت، ولربما كان قد حدث في مطلب إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لإصلاحها شيء دفع الأمور إلى الأمام. هذا، ولو كان أبو مازن قد التزم بما تم الاتفاق عليه في اتفاق الفصائل بالقاهرة في مارس 2005 لما كان لمشعل أو غيره أن يدعو إلى ما دعا إليه في شأن مرجعية المقاومة التي حلا للبعض أن يسقطها على منظمة التحرير الفلسطينية في سياق الاستبدال أو الإلغاء أو الاستيلاء من منطلق الحق الذي يراد به، في بعض الأحيان، باطل!

هذا، واستناداً على تصريح الدكتور/ نبيل شعث الذي قال فيه إن حركة فتح – منذ حوار الفصائل المنعقد في مارس 2005 بالقاهرة – قامت بوضع رؤية جديدة لإعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بما يضمن ضم كل الفصائل إليها بما فيها حماس والجهاد، فإن للمرء أن يتساءل باستهجان وحرقة:     1) هل كان لازماً أن تتأخر حركة فتح أربع سنوات كي تعلن عن رؤيتها الجديدة لتشكيل المنظمة؟!  2) ولماذا لم تحاول فتح إصلاح نفسها قبل أن تضع رؤيتها الجديدة لإصلاح المنظمة، لاسيما وإن فاقد الشيء لا يعطيه؟!  3) ولماذا قامت فتح بوضع رؤيتها الأحادية لتشكيل المنظمة، ولماذا لم تطرح رؤيتها الجديدة هذه على الجميع لمناقشتها بغية التوافق عليها أو تعديلها بالإضافة إليها أو الحذف منها؟!

الذي كان يسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية – وما يزال – هو حركة فتح، أو رئاستها، وهذا ربما كان نصيبها في الماضي، أما الآن فقد بات الأمر مختلفاً. فحركة فتح منقسمة على نفسها، وهي ما تزال أعجز من أن تحسم مسألة مؤتمرها الحركي السادس، ولا تستطيع تحديد أجندتها السياسية: مفاوضة أم مقاومة؟! حل الدولة الواحدة أم الدولتين؟! أزمة حركة فتح أزمة كبيرة ومركبة: أزمة في القيادة وأزمة في السياسة، أزمة في الرؤية وأزمة في الصراع بين الحرس القديم والجيل الجديد، بل إن هناك أزمة صراع بين الحرس القديم نفسه والذي لم يفعل حيال أزمة حركته شيئاً ولم يتفق أو يتوافق على شيء حيالها. فأبو الأديب – رئيس المجلس الوطني الفلسطيني – يهجم على أبي مازن هجوماً ساحقاً وهو يختلف معه على المادة (14) من النظام الأساسي في شأن عقد المجلس الوطني ثم نراه إلى جواره متلفزاً يمتدحه ويروج له ويطبطب عليه، ناهيك عما يصدر عن ياسر عبد ربه باسم اللجنة التنفييذية للمنظمة دون علم أعضائها كما قال غير مرة كل من أسعد عبد الرحمن، عضو اللجنة التنفيذية المستقل، وكما قال عزام الأحمد، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، ورئيس كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي. أما صائب عريقات، رئيس دائرة المفاوضات في منظمةالتحرير الفلسطينية، فيرى أن الحياة مفاوضات والمفاوضات حياة ليختلف معه فتحاويون كثيرون إلى حد لا يقف عند التعاكس والتضاد.

أما فيما يتعلق بحركة فتح والسلطة والمنظمة، فإن أبسط ما يمكن قوله هو أن حركة فتح هي التي قادت المنظمة طوال الزمن، منذ إنشائها، لتصبح هذه المنظمة جيباً من جيوب السلطة التي تسيطر عليها حركة فتح. فمنظمة التحرير الفلسطينية إذا كان المجلس الوطني هو أساسها، ومرجعيتها العليا، فما الذي يحول دون عقد هذا المجلس الوطني الذي ينعقد المجلس المركزي بدلاً منه وعوضاً عنه؟! فهل المجلس المركزي بديل عن المجلس الوطني؟! وأليس المجلس المركزي هو المنفذ لإرادة المجلس الوطني والمتابع لقراراته دون أن يلغيه أو أن ينوب عنه؟!

الذي بات اليوم مطلوباً في شأن منظمة التحرير الفلسطينية ليس تفعيلها، بل إعادة بنائها لأنها قائمة على "الكوتا" وعلى التعيين، في حين أن الأصل هو الانتخاب. يضاف إلى ذلك أن هناك فصائل – ما نزال نراها على الرغم من ذهاب ريحها واندثارها أو تضاؤلها وهشاشتها وانحسارها – متصدرة لمواقع القيادة والسطوة والريادة، بينما الواجب الوطني يوجب تنحيتها عن القيادة ليؤتى بدلاً منها بقوى فلسطينية جديدة وفاعلة.

إن منظمة التحرير الفلسطينية التي أنجزها شعبنا لتحرير وطنه واسترداد أرضه وترسيخ كرامته لا يجوز أن تُستدعى وقت الرغبة في الهروب من مواجهة الأزمات، وإنما بغية إيجاد الحلول لها. لقد اعتادوا على رفع لواء منظمة التحرير لقناعتهم أنه لن يستطيع أي أحد أن يقف ضد منظمة التحرير الفلسطينية أو أن يقول "لا" في وجهها، على اعتبار أنها تمثل الشرعية الفلسطينية. صحيح أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الشرعية... صحيح أنها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا العربي الفلسطيني، غير أن الأصح هو أن يظل العمل مستمراً ومتصلاً ومتنامياً ومتصاعداً من أجل إبقائها ممثلاً شرعياً ووحيداً لشعبنا، دون أن تُستخدم هذه الشرعية تبعاً لمصالح البعض وغاياته: فإن لم يعجبني طرحك أعاديك وأستعديك وأقاتلك وأرفع السكين في وجهك قائلاً لك: قف! هذه هي منظمة التحرير! قف!  فتخاف وتتراجع! إن منظمة التحرير هي الشرعية، لكنها الشرعية التي توجد الحلول للمشاكل وتخلق الصيغ لصالح الشعب والقضية الوطنية ولا تُفَصَّل على مقاس القادة استجابة لأهوائهم وإشباع رغباتهم. وعليه، فإنه لا يجوز لأبي مازن – على سبيل المثال – أن يستدعي منظمة التحرير كي يصبح رئيساً لدولة فلسطين فيما تبقى المنظمة يحتويها الغبار السميك منذ مارس 2005 وحتى يومنا هذا، ثم نتداعى وننفض الغبار عنها لنطلب اجتماع مجلسها المركزي بدلاً من مجلسها الوطني بغية تنصيب أبي مازن رئيساً لدولة فلسطين، فيما ظل هذا الموقع شاغراً لأربع سنوات منذ رحيل ياسر عرفات! فمثل هذا الاستدعاء لمنظمة التحرير الفلسطينية ليس إلا تلاعباً على الذات والوطنية الفلسطينية وعلى القضية وعلى المؤسسية وعلى المستقبل الفلسطيني برمته.

وبعد، فإننا لا نريد منظمة تخدم الأفراد... لا نريد منظمة مهمتها تنصيب رئيس ثم تختفي... لا نريد منظمة تُستحضر روحُها ثم تُقْتل ثم تُستحضر عند اللزوم من جديد... لا نريد منظمة تطلب رئاستها عقد اجتماع مركزيتها بغية الهروب من التزامات أساسية، أو من مواجهة أزمات داخلية وسياسية... لا نريد منظمة تُستخدم سيفاً لقطع الرؤوس، بل نريد منظمة تكون وسيلة لدعم قضيتنا وحماية شعبنا... لا نريد منظمة ذات هياكل جوفاء لا وجود لها ولا شرعية فيها فيصدر أمين سرها من القرارات والبيانات ما شاء من وراء ظهر لجنتها التنفيذية ودون علم أعضائها... لا نريد منظمة مشلولة مؤسساتها ولا تمثيل لجميع قوى الشعب الفلسطيني فيها... لا نريد منظمة تقوم على "الكوتا" وعلى التعيين ولا تقوم على الديمقراطية والانتخاب... لا نريد منظمة ذات وجود ورقي ومكتبي دون حضور شعبي وتمثيل جماهيري... لا نريد منظمة يعتبرها شعبنا مرجعية يتعلق بها فيما تصر هي على تغييب نفسها... لا نريد منظمة ينسى أربابها أو يتناسون أنها أقيمت من أجل التحرير لا من أجل التفاوض والتبرير والتمرير... لا نريد منظمة يؤمن رئيس دائرة المفاوضات فيها أن الحياة مفاوضات وأن المفاوضات حياة! لا نريد منظمة تتنازل عن حق العودة ولا تؤمن بالمقاومة... لا نريد منظمة نذرت نفسها للمفاوضات وآمنت بأن التفاهم مع المحتل يأتي بالقبلات وتكثيف اللقاءات... لا نريد منظمة فقدت سلطتها العليا شرعيتها حين لم تعقد جلساتها منذ 12 عاماً... لا نريد منظمة فقدت لجنتها التنفيذية نصابها القانوني... لا نريد منظمة يحتمي البعض بشرعيتها في مواجهة خصومه... لا نريد منظمة تتدخل رئاستها في عضويتها بطريقة تضمن لها استمرار الأغلبية فيها... لا نريد منظمة يحرص رئيسها على أن يكون أغلب أعضائها من مؤيديه الذين لا يعارضون تجاوزاته، بل يبررونها... لا نريد منظمة يكون مجلساها الوطني والمركزي ولجنتها التنفيذية مجرد أدوات في يد رئاستها... لا نريد منظمة تواجه التغول الاستيطاني فوق أرضنا باللقاءات والابتسامات والعناق والقبل... لا نريد... و... لا نريد... و... لا نريد.... إلخ.

أما آخر الكلام، فهل نشرع منذ الآن – متعاونين متحدين – في إصلاح وإعادة بناء منظمة تقضي الماد ة (2) من نظامها الأساسي بأن "تباشر مسؤولياتها وفق مبادئ الميثاق الوطني وأحكام هذا النظام الأساسي، وما يصدر استناداً إليها من لوائح وأحكام وقرارات"؟! وهل نتعاون لإصلاح منظمة تقضي المادة (7) من نظامها الأساسي بأن مجلسها الوطني "هو السلطة العليا لمنظمة التحرير، وهو الذي يضع سياستها ومخططاتها وبرامجها"؟! وهل نتعاون لإعادة صياغة منظمة تقضي المادتان (22 و 23) من نظامها الأساسي بأن "تنشيء جيشاً من أبناء فلسطين يعرف بجيش التحرير الفلسطيني تكون له قيادة مستقلة تعمل تحت إشراف اللجنة التنفيذية وتنفذ تعليماتها وقراراتها الخاصة والعامة وواجبه القومي أن يكون الطليعة في خوض معركة تحرير فلسطين، وأن تعمل اللجنة التنفيذية على إلحاق الفلسطينيين بالكليات والمعاهد الحربية العربية للتدريب العسكري وتعبئة جميع طاقات التحرير؟! وهل نتعاون لإصلاح وإعادة تفعيل منظمة "يحق لمجلسها الوطني" طبقاً للمادة (32) من نظامها الأساسي – وليس لمجلسها المركزي أو سواه "ضم أعضاء جدد إليه من حين لآخر حسبما يرى ذلك ملائماً، وبحسب ما تمليه متطلبات معركة التحرير ومقتضيات تعميق الوحدة الوطنية، في ضوء أحكام الميثاق الوطني......؟!

انشر عبر