شريط الأخبار

قناص إسرائيلي سابق يكشف عن أسرار فرق الاغتيالات الخاصة

06:43 - 01 تشرين أول / مارس 2009

فلسطين اليوم : بيت لحم

حصلت صحيفة "ذي اندبندنت اون صنداي" البريطانية الصادرة اليوم الاحد على معلومات تكشف لاول مرة عن احدى عمليات وحدة الاغتيال في الجيش الاسرائيلي خلال فترة المواجهات التي شهدتها الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

فقد كشف مجند سابق للصحيفة عن دوره في كمين اتسم بالفوضى اثناء احدى التكليفات، حيث قتل صدفة اثنين من رفاقه اضافة الى اثنين من النشطاء الفلسطينيين المستهدفين اسرائيليا. ويقول الجندي السابق، الذي تم تدريبه على اعمال القنص، انه اطلق 11 رصاصة على رأس احد النشطاء الفلسطينيين بعد ان صدرت له اوامر من رؤسائه بقتله.

وكانت فرقة الاغتيال السيئة الصيت تلقت اوامر بالتحرك في مهمة لالقاء القبض على اشخاص، لكنها ما لبثت ان استلمت اوامر في اللحظة الاخيرة باطلاق النار من اجل القتل عمدا.

وتقول الصحيفة إن هذه هي المرة الاولى التي يكشف فيها احد افراد الفرقة عن سياسة القتل المستهدف التي يتبعها الجيش الاسرائيلي. وتركت العملية، التي وقعت قبل أكثر قليلا من ثماني سنوات وجرت في بداية الانتفاضة ندوبا نفسية لدى القناص السابق. وحتى هذا اليوم، فانه لم يصارح والديه بدوره في ما سمي بـ"أول عملية اغتيال وجها لوجه خلال الانتفاضة".

 

ومع انتشار الانتفاضة، اصبحت الاغتيالات المستهدفة سلاحا يستخدم بشكل منتظم في ترسانة الجيش الاسرائيلي، خاصة في غزة، التي أصبحت الاعتقالات فيها أسهل مما هي عليه في الضفة الغربية.

وتبدو العملية التي وصفها الجندي السابق تافهة تقريبا بالمقارنة مع الكثير مما حدث منذ ذلك الحين في عدوان غزة، والذي بلغ الذروة بسقوط ما يزيد عن 1330 ضحية من الفلسطينيين في عملية "الرصاص المسكوب" في كانون الثاني (يناير) من هذا العام. وكادت العملية تدخل في عالم الغيب بالنسبة للجميع باستثناء اولئك المتأثرين بشكل مباشر، لولا الرواية غير العادية التي رواها لمجموعة "كسر الصمت"، التي قامت بجمع شهادات من مئات من الجنود السابقين الذين يعانون من القلق بشأن ما شاهدوه وما فعلوه – بما في ذلك الانتهاكات بحق فلسطينيين- اثناء خدمتهم العسكرية في الأراضي المحتلة.

 

وتتعارض الرواية - التي كشف عنها الجندي بتوسع في مقابلة مع الصحيفة البريطانية وأثبتتها شهادة جندي آخر لمجموعة "كسر الصمت"- بشكل مباشر مع عناصر في الرواية الرسمية للجيش الاسرائيلي في ذلك الحين، وتلقي ضوءا جديدا على اسلوب الاغتيالات المستهدفة الذي ينتهجه الجيش الاسرائيلي. وكذلك هو الحال بالنسبة لتعليقات والد أحد الفلسطينيين القتلى، وأحد الناجين، والتي تابعتها "ذي اندبندنت اون صنداي" التي قالت: "لا يمكن الكشف عن اسم مصدرنا، لأسباب ليس أقلها أنه من الناحية النظرية يمكن ان توجه اليه اتهامات في الخارج عن دوره المباشر في عملية اغتيال من النوع الذي تعتبره معظم الدول الغربية انتهاكا صارخا للقانون الدولي، بعد ان قرر ازالة الستار عما حدث. والجندي السابق، وعمره الآن 30 عاما، يقيم في منزل جيد ومندمج الآن في الحياة المدنية في منطقة تل ابيب. وقد أبدى الجندي الذي يتمتع بالذكاء والقدرة على التعبير ولديه ذاكرة تستوعب التفصيلات حول الكثير من الجوانب، حرصه على الاشارة الى أن ذكرياته قد تكون منقوصة في بعض النواحي.

 

وقال الجندي السابق ان وحدته الخاصة تدربت على عملية اغتيال، ولكنها ابلغت بأنها ستكون عملية اعتقال. وأنهم سيطلقون النار فقط اذا كان بحوزة الرجل المستهدف اسلحة في سيارته. وقال الجندي: "شعرنا بصدمة المفاجأة لأنها ستكون عملية اعتقال. لقد اردنا ان نقتل". ثم توجهت الوحدة الى غزة وتمركزت هناك. وكان ذلك في الثاني والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2000.

 

كان المستهدف الرئيسي للفرقة ناشط فلسطيني اسمه جمال عبد الرازق. وكان يجلس في المقعد الأمامي لسيارة "هيونداي" سوداء اللون يقودها زميله عوني ضهير تتجه شمالا نحو خان يونس. وكان الرجلان لا يدركان ابدا الفخ الذي ينتظرهما قرب مفترق موراج. ويمتد هذا المقطع من طريق صلاح الدين الذي يربط شمال غزة بجنوبها بالقرب من مستوطنة يهودية. وكان عبد الرازق معتادا على رؤية ناقلة جند مدرعة بجانب الطريق، ولكن لم تكن لديه ادنى فكرة عن انه تم استبدال طاقمها المعتاد بعناصر من الوحدة الخاصة المختارة التابعة لسلاح الجو، ومن بينهم ما لا يقل عن اثنين من القناصة المدربين جيدا.

 

وحتى قبل ان يغادر منزله في رفح ذلك الصباح، كان جهاز الأمن العام الاسرائيلي "شين بيت" يراقب كل خطوة يقوم بها عبد الرازق بدقة متناهية، بفضل معلومات مستمرة من هواتف خلوية لعميلين فلسطينيين، من بينهما أحد أعمامه. ويقول الرجل الذي كان يوشك على تصفيته انه شعر "بالدهشة" من التفاصيل التي كان "شين بيت" ينقلها الى قائد الوحدة. ويضيف: "كمية القهوة التي كانت في كأسه اثناء مغادرته. عرفوا انه كان لديه سائق، وقالوا انه كان معهما اسلحة في الصندوق الخلفي وليس داخل السيارة. لمدة 20 دقيقة كنا نعتقد انها ستكون عملية اعتقال بسيطة لأنه لم يكن لديهم اسلحة في السيارة".

 

وقال الجندي ان الأوامر تغيرت فجأة بعد ذلك. واضاف: "قالوا ان أمامه دقيقة واحدة حتى الوصول، ثم تلقينا أمرا بأنها ستكون عملية اغتيال". ويعتقد الجندي ان ذلك الأمر جاء من غرفة عمليات اقيمت لهذا الغرض، وكان انطباعه ان "جميع كبار القادة كانوا هناك"، ومن بينهم ضابط برتبة بريغادير جنرال.

 

ولم يكن الناشطان قد اشتبها بأي شيء لدى اقترابهما من المفترق، حتى عندما تحركت شاحنة نقل تابعة للجيش الاسرائيلي من طريق جانبية لتقطع الطريق أمامهما. ولم تتوفر لديهما اية امكانية لمعرفة ان الشاحنة كانت مليئة بالجنود المسلحين، الذين كانوا ينتظرون تلك اللحظة. وانتشرت سيارة دفع رباعية بالقرب من الطريق، تحسبا فقط لحدوث "خطأ كبير".

 

ولكن شيئا خاطئا وقع فعلا: فقد تحركت الشاحنة بشكل مبكرا كثيرا، لتغلق الطريق ليس فقط امام الناشطين في سيارتهما من نوع "هيونداي"، وانما ايضا في وجه سيارة اجرة بيضاء من نوع "مرسيدس" امامهما. وكانت سيارة الاجرة تقل سامي ابو لبن (29 عاما)، وهو خباز، ونائل اللداوي (22 عاما)، وهو طالب. وكانا في طريقهما من رفح الى خان يونس لشراء بعض الوقود النادر لاشعال أفران المخبزة.

 

وقال القناص انه شعر لدى اقتراب اللحظة الحاسمة بأن الجزء السفلي من جسمه بدأ يرتجف. واضاف: "ما يحدث الآن هو انني انتظر قدوم سيارة وأفقد السيطرة على قدمي. كانت لدي بندقية "ام 16" مزودة بمنظار قنص خاص. وكان هذا من أغرب الأشياء التي حدثت لي على الاطلاق. شعرت أنني في غاية التركيز. ثم بدأ عد الثواني، وبدأنا نشاهد السيارات. ورأينا سيارتين قادمتين وليست واحدة. وكانت هناك سيارة أولى قريبة جدا من السيارة التالية عندما انعطفت الشاحنة التي تحركت مبكرا قليلا، وتوقفت السيارتان. كل شيء توقف. امهلونا ثانيتين وقالوا لنا (اطلقوا النار). من الذي أعطى الأمر ولمن؟ انه قائد الوحدة والى الجميع. والجميع سمعوا: اطلقوا النار".

 

وكان عبد الرازق المستهدف يحتل المقعد الأمامي الأقرب الى ناقلة الجنود. وقال الجندي: "لم يكن لدي شك في انني رأيته عبر المنظار. بدأت باطلاق النار. والجميع بدأوا يطلقون النار، وفقدت السيطرة. اطلقت النار لثانية او ثانيتين. وقمت بالعد لاحقا ، 11 رصاصة في رأسه. كان من الممكن ان اطلق رصاصة واحدة وانتهى الأمر. لقد كانت تلك خمس ثوان من اطلاق النار". وبقدر ما استطاع ان يتذكر فان امر اطلاق النار كان واضحا . لكن الجندي السابق قال انه لم يكن متأكدا ما اذا كانت القوات المجوقلة داخل الشاحنة اعتقدت خطأ ان هناك اطلاق نار ضدها من السيارة المدنية. لكنه شدد على ان بعد ان توقف هو شخصيا من اطلاق نيران بندقيته "بدأ اطلاق النار يتحول الى الاسوأ. واعتقد ان الذين كانوا في الشاحنة انتابهم الفزع فاخذوا يطلقون النار. وبدأت احدى السيارتين في التحرك الا ان قائد الفرقة صاح قائلا "توقف.. توقف". لم يستغرق الامر اكثر من ثوان قليلة حتى توقفت السيارة تماما، وما شاهدته فيما بعد ان اثار الرصاصات كانت تغطي السيارتين كليهما. حتى السيارة الاولى التي كانت هناك بمحض الصدفة".

 

قتل عبد الرازق وضهير وكذلك ابولبن واللداوي. وباعجوبة نجا من دون اي خدش سائق سيارة التاكسي ناهد فوجو. ولا يذكر القناص اكثر من وجود اربع جثث على الارض "اصبت بالذهول لدى رؤية الجثث. بدت وقد غطاها الذباب. وتردد السؤال: من اطلق النار على السيارة الاولى (المرسيدس)، فلم يحر احد جوابا. اعتقد ان الشعور بالذهول انتاب الجميع. كان واضحا ان العملية اتسمت بالفوضى، لكن احدا لم يعترف بذلك". ولم يقم القائد باي استفسار رسمي الا بعد عودة الوحدة الى قاعدتها الرئيسة.

 

ويضيف الجندي السابق قائلا "ثم جاء القائد وقال: اهنئكم. استلمت مكالمات هاتفية من رئيس الوزراء ومن وزير "الدفاع" ورئيس الاركان. كلهم كانوا يمتدحون عملنا. لقد نجحنا تماما في مهمتنا. شكرا لكم. وبعد ذلك شعرت اننا كنا جميعا سعداء". وقال ان الحوار دار حول المخاطر الحقيقية فيما يتعلق بإمكان اصابة جنود بنيران صديقة حيث ان سيارة واحدة من سيارات الجيش الاسرائيلي اصيبت بالرصاص اثناء تبادل اطلاق النار، وفي النهاية قام جندي او اكثر باطلاق النار على الجثث الملقاة على الارض.

 

وعن انطباعاته قال انهم "كانوا يريدون ان تعرف الصحافة او الفلسطينيون اننا نرفع من مستوى المواجهة. وكان الشعورجماعي بتحقيق النجاح الباهر. وقد انتظرت الساعة التي سيتم فيها التحقيق كي تظهر منه مشاعر الاستياء من بعض الفشل، الا ان ذلك لم يحدث. اما ما شعرت به فهو ان القادة كانوا يعرفون ان العملية سجلت نجاحا سياسيا عظيما بالنسبة لهم".

 

لم تلبث العملية ان اثارت الانتباه.  حيث وصفها الجنرال يائير نافيه وهو المسؤول عن القوات الاسرائيلية في غزة، فقال ان الهدف منها كان القاء القبض على الاشخاص، الا ان عبد الرازق بدأ باطلاق النار من بندقية كلاشينكوف على القوات الاسرائيلية مما دفع بتلك القوات الى اطلاق النار على سيارته. وفيما قيل ان الهدف الرئيس كان عبد الرازق، فان الضحيتين في سيارة التاكسي كانا من نشطاء فتح "وكانا على علاقة بعبد الرازق".

 

وفي الاسبوع الماضي قال اللداوي ان توقيت وجود ابنه هناك كان كارثيا، وان العائلة لا تعرف شيئا عن الشخصين الاخرين. وقال "كان الامر مجرد صدفة، وليست لعائلتنا اي علاقة بالمقاومة". اما سائق التاكسي فوجو فانه بالاضافة الى قوله انه لم يستلم "حتى شيكلا واحدا" كتعويض، فانه لم يرغب في الحديث الينا الاسبوع الماضي في رفح. "هل تريدون اجراء مقابلة معي حتى يقوم الاسرائيليون بقصف منزلي؟".

 

وقال الجيش الاسرائيلي ردا على التساؤلات التفصيلية حول الحادث والمفارقات بين روايتهم للحادث في ذلك الوقت وما رواه الفلسطينيون، وما كشف عنه الجندي السابق، انهم "ينظرون بعين الاهتمام الى انتهاكات حقوق الانسان"، الا انهم "يأسفون لان كسر حاجز الصمت لا يوفر لهم التفاصيل او البيانات فيما يتعلق بتلك الاحداث حتى يمكنه اجراء تحقيق شامل". واضاف "لم يتصل هؤلاء الجنود والقادة بكبار القادة ولم يقدموا شكواهم خلال فترة قيامهم بالخدمة العسكرية".

 

انشر عبر