شريط الأخبار

موقف عرب المدينة* ..بقلم: البروفيسور هيلل بريش**

12:59 - 01 حزيران / مارس 2009

        يبدو لاكثرنا ان وجود العرب في القدس مشكلة. اريد أن أكون الطبيب المناوب وان اخفف الالام بالاقتباس من كتاب هيلل كوهين الممتاز "ميدان السوق الفارغة: صعود وسقوط القدس العربية 1967 – 2007": "لمدة اربعة عقود من السيطرة نجحت اسرائيل في تعزيز سلطتها في القدس الشرقية على نحو شبه تام، بل ان جهودها لتحطيم المؤسسات الفلسطينية في المدينة آتت أُكلها. فقد تركت مؤسسات فلسطينية كثيرة القدس راغبة او لضغط اسرائيلي".

        زاد الشقاق والمنافسة اللذان يميزان النظام السياسي الفلسطيني، وبمقابلة ذلك قلت قدرته على اداء عمله في القدس. زادت سيطرة المؤسسات المقدسية "العربية" ومؤسسات السلطة الفلسطينية، لكن الاداء المختل لهذه الاخيرة اضر ايضا باداء المؤسسات المقدسية. يصعب على الحركات الفلسطينية الاتفاق على جدول عمل سياسي، ولا تستطيع دفع الجماهير الى العمل. والجمهور العريض مترجح بين علاقته الوطنية بالسلطة الفلسطينية وبين واقع حياته تحت سلطة اسرائيل، مع كل ما يصحب ذلك من افضال، وهذه حقيقة تسهم في الشلل السياسي.

        اعتقد من وجهة النظر الاسرائيلية أنه لا استنتاج اكثر بركة من هذا الاستنتاج. يثار سؤال كيف تستطيع دولة اسرائيل الاحتفاظ بالانجازات وزيادة العلاقة الايجابية بالمؤسسة الاسرائيلية.

        اجابتي مركبة من ثلاثة اجزاء. يتناول الجزء الاول المبدأ الذي يجب ان تحلل بحسبه مسارات الحياة العربية في العاصمة. ويبين الجزء الثاني البون بين الموالاة والعقيدة وبين السلوك السياسي واسباب ذلك. وفي الجزء الثالث مقترحات للاحتفاظ بالانجاز.

        المبدأ الذي يجب بحسبه تحليل المسارات يتبدى على افضل وجه من خلال معطيات استطلاع مثير اجراه ج.أم.سي.سي ، وهي جهة فلسطينية بحثية في القدس. مما يثير دهشتنا انه تبين أن اكثر العرب في يهودا والسامرة وغزة (53 في المائة)، يزعمون ان العاصمة القدس يجب أن تكون عاصمة المسلمين. ويعتقد 37 في المائة فقط ان العاصمة يجب أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية. ويريد 10 في المائة التدويل، ويقبل 2 في المائة فقط كون القدس عاصمة دولة اسرائيل.

        المعطى الاول مدهش. في واقع الامر يفاوض عباس اولمرت في موقف ليس موقف اكثر سكان يهودا والسامرة وغزة. هذا موقف يجسد مبلغ كون الصراع يرى اسلاميا في اساسه ويبين لماذا لم تنجح في بدء اعمال الشغب في سنة 2000، محاولات النخبة الفلسطينية الوطنية تغيير الاسم من انتفاضة الاقصى الى انتفاضة التحرير. هذا المعطى علامة اخرى على اننا قد بلغنا نهاية حل الدولة الفلسطينية، حل "دولتان لشعبين" الذي بدأ يبلغ عنان السماء في السبعينيات.

        اذا كان النظر الى القدس من جهة يبين عدم استعداد للتسليم بحل دولتين لشعبين على أنه آخر المطاف، فمن جهة اخرى يبين أن الفلسطينيين غير مستعدين لتجنيد أنفسهم اكثر مما ينبغي لتحقيق السيطرة العربية على القدس. وهذا الاشتياق اشتياق لحل آخر الزمان. هذا التصور هو عدو جميع محاولات التجنيد الفلسطينية – من حماس او من فتح والوطنيين. وهو يقوم على انه اذا كانت جميع الدول العربية لم تقدر على دولة اسرائيل فان الجمهور الفلسطيني الوحيد لا يستطيع بيقين فعل ذلك.

        يوجد مبدآن اساسيان يجب بحسبهما تحليل مسارات السكان العرب في القدس، وفيهما كليهما اختلافات. المبدأ المؤسسي، ويمكن ان نسميه ايضا النموذج الاشتراكي – الديمقراطي، يفترض اننا اذا اعطينا حكما ذاتيا بل اكثر من ذلك استقلال، واذا منحنا الجزء العربي من القدس وضع عاصمة، فسيصبح سكانه ذوي مصالح تزداد من اجلها اعتدالا في المستقبل المزاجات الاصولية والجذرية. اعتقد انه قد تبين في مسيرة اوسلو كون هذا التصور داحضا. وفوق ذلك لم تخمد اتفاقات المصالحة على القدس في الفترة الصليبية الحماسة الجهادية الاصولية.

        البديل الثاني هو بديل خلط عدد من العناصر. العنصر الاول هو حوافز وعقوبات للسكان الذين تعلم مقدما انهم لن يوالوك. في 1980 اقترح مناحيم ميلسون نموذجا كهذا. زعم انه بخلاف السياسة الليبرالية، التي استعملناها في المناطق، وفحواها أنه ما لم يشتغل سكان يهودا والسامرة وغزة بنشاط تخريبي معادٍ فان الامر على ما يرام، ينبغي اعطاء حوافز لاولئك المستعدين للعمل معنا وعقاب اولئك الذين يعارضوننا بطبيعة الامر. اقام روابط القرى لحل المشكلة. أرى أنه كان على حق في التحليل، لكنه اخطأ بالحل الذي اقترحه – الا وهو استيعاب اولئك المستعدين للعمل معنا في المؤسسات. افضل واقل خطرا بالتأكيد استعمال نظام حوافز وعقوبات مع الاخذ بسياسة عدم تسييس دائم. هذا هو النموذج السائد في العالم العربي بين نظم الحكم ومواطنيها. وهذا هو النموذج الذي يستطيع العمل لمصلحتنا في القدس.

        الانباء الجيدة اننا اصبحنا نملك نظام حوافز وعقوبات موجودا. وهي راسخة بمجرد حياة العربي في القدس. احد الحوافز هو التأمين الوطني. ان عرب اسرائيل كافة يسهمون في التأمين الوطني بنسبة 12 في المائة ونحن نمنحهم 24 في المائة من التفضل أي ضعف ما يدفعون. ويهود اسرائيل يدعمون المواطنين وغير المواطنين من العرب على السواء. نحن نشتري هدوء عرب اسرائيل والقدس، وليس هذا مرفوضا. فالمملكة الاردنية الهاشمية تعامل الفلسطينيين بنظام مشابه منذ خمسين سنة وهي تفعل ذلك بنجاح. ليس مرفوضا دعم تهدئة السكان الذين يمكن ان يكونوا اعداء.

        الحافز الثاني أخذ يبنى  في اثناء الانتفاضة الثانية – الحواجز والجدار التي تمنع مشاركة عرب المناطق في سوق العمل الاسرائيلية. فالجدار نقلل كم منافسة عمال المناطق للعرب المقدسيين في سوق العمل. والعرب المقدسيون يتمتعون باجور اعلى، ويستطيعون لقدرتهم على التنقل في يهودا والسامرة التمتع بدا بالاسعار المنخفضة في الاسواق هناك، بسبب انخفاضا الطلب نتاج عدم امكان العمل في سرائيل. يتمتع العرب المقدسيون بالعالمين، بل ربما بثلاثو معا الاخذ بالحسبان البعد الثقافي المعروض في اماكن مثل رام الله القريبة. يدرك عرب القدس وضعهم الجيد وهم مستعدون لدفع ثمن الهدوء السياسي بسبب حافز القرب من سوق العمل. يوجد ههنا العقد العام لاكثر حكام العرب مع مواطنيهم، وما نجح هناك يمكن أن ينجح هنا ايضا.

انشر عبر