شريط الأخبار

علاقة المستويات ونتائج العملية*

12:48 - 01 تموز / مارس 2009

بقلم: غيورا ايلند**

انتهت عملية "الرصاص المصهور"، لكن ليست جميع الحقائق معلومة ويعوز منظار الزمن.  مع ذلك يبدو أنه يمكن تناول موضوعين رئيسين: الاول – تطور المسارات وبخاصة فيما يتصل بالعلاقة بين المستوى السياسي والمستوى العسكري؛ والاخر – نتائج العملية، أي باي قدر انجزت اهداف العملية. هذه المقالة تتناول هذين الاثنين.

        المسارات

        اهم ثلاث جمل في أمر عملية عسكرية (بحسب ترتيب نزولي) هي: الهدف – ماذا نريد تحقيقه؛ المهمة – ماذا يجب أن نفعل (لتحقيق الهدف)؛ الطريقة – كيف تنفذ المهمة؟ اهمية الجمل الثلاث صحيحة في ما يتعلق بأي مستوى. لكن عندما يكون الحديث عن أمر عملية عسكرية في مستوى هيئة القيادة العامة، يوجد جانب آخر. اذا كانت الجملة الثانية والجملة الثالثة ترجعان في الاساس الى المجال العسكري، فان الجملة الاولى كلها من مسؤولية المستوى السياسي، الذي يجب ان يحدد (او يجيز) اهداف العملية التي هي اهداف الحرب.

        عندما لا تكون اهداف العملية واضحة، أو تتغير على الدوام او لا يمكن تحقيقها يضر جدا بجدوى العملية العسكرية. كانت حرب لبنان الثانية مثالا جيدا لعدم جدوى عملية الجيش، كان سببها عدم وضوح تحديد الاهداف. بهذا المعنى دلت عملية "الرصاص المصهور" على تحسن حقيقي. كان العلم بالحاجة الى بحث اهداف العملية موجودا منذ بدء العملية. في مرحلة ما (متأخرة) لكنها ليست متأخرة جدا) اجتمعت الارادات المختلفة من اجل تحديدات واضحة وبسيطة يمكن تحقيقها.

        كان اجراء تحديد الاهداف طويلا وملتويا، ولهذا اضر بالفاعلية وافضى الى استطالة لا داعي لها للعملية اكثر من اسبوع على الاقل من المطلوب. بدأ الامر بتحديد هدف عام في مركزه توجيه "انشاء واقع امني افضل" – بعبارة اخرى اريد "ان يكون الوضع افضل". لا يستطيع هذا القول ان يكون تحديد هدف، ولهذا بعد ثلاثة ايام فقط من بدء العملية بدأ النقاش الحقيقي وفي مركزه الجدل بين توجهات ثلاثة: التوجه الادنى الذي اكتفى باحراز هدنة طويلة تقوم على الردع؛ والتوجه "المتوسط"، الذي حدد الهدف على أنه تدمير اساس قوة حماس العسكرية؛ والتوجه الاقصى الذي حدد الهدف انه اسقاط حكم حماس وانشاء واقع سياسي جديد سوى الامني. كما قيل آنفا اتخذ قرار ان الهدف الرئيس للعملية هو التوجه الادنى بعد اسبوعين من بدء العملية وافضى الى طولها. حتى لو زعم انه احتيج الى عمل بري من اجل الهدف الادنى، فان هذا العمل استنفد نفسه بعد يومين أو ثلاثة.

تناول المهمةَ نقاش مهم بنفس القدر تقريبا، استطال هو ايضا بلا سبب واضح. كان هدف العملية الثاني وان لم يحدد في بدئها، متفقا عليه ومحددا بعد بضعة ايام، وتعلق بموضوع تهريب السلاح من مصر الى اسرائيل. تم الاتفاق على أن هدف العملية الثاني هو منع التهريبات.

        تم الجدل في المهمة لا بخصوص الهدف. وجد توجهان: قال احدهما انه لا رد لمنع التهريب سوى سيطرة اسرائيل على محور فيلادفيا. بحسب هذا التوجه يجب على الجيش الاسرائيلي أن يتحمل مهمة السيطرة على المحور (وعلى مدينة رفح ايضا اذا وجدت حاجة لذلك) والبقاء هنالك زمنا طويلا. رأى مؤيدو هذا التوجه انه قد عرضت فرصة تصحيح الخطأ الذي تم قبل ثلاث سنين عندما قررت اسرائيل اخلاء المحور. وقال التوجه الثاني انه سيتم احراز الهدف – منع التهريب الى غزة – بوسائل سياسية لا عسكرية. استمر نقاش هذا الموضوع نحوا من اسبوعين ايضا الى أن اجيز التوجه الثاني.

        كان يمكن في المرتين – ويجب – اتخاذ القرار قبل العملية لا في اثنائها. لا يعني هذا انه لا يحل تغيير الاهداف والمهمات في اثناء العملية ايضا، بحسب تطورها، لكن لا في هذه الحالة. نتائج العملية العسكرية، في الجزء الجوي وفي العمل البري، كانت متوقعة ومعلومة. وما كان يجب ان تؤثر في هاتين القضيتين.

        بخلاف حروب الماضي التي قررت فيها النتائج في ميدان القتال النتائج السياسية، يختلف الوضع اليوم. الحل السياسي يكاد يكون غير متصل بمقدار النجاح التكتيكي. كان من الصحيح اذن لو بدأوا النقاش السياسي وتناول سؤال: "كيف ننهي هذه العملية" لا بعد بدء العملية باربعة ايام بل قبل بدئها باربعة اشهر. على هذا النحو كان يمكن ان نبين لانفسنا ما الذي نريده وأهم من ذلك انه كان يمكن ان ننسق مقدما مع الولايات المتحدة شكل انهاء العملية، وان نمتنع بذلك من حرج لا داعي له في كل ما يتصل بالنقاش في مجلس الامن.

        النتائج

        في النهاية تم تحديد ثلاثة اهداف للعملية: الاول – احداث تهدئة تبقى زمنا طويلا؛ والثاني – منع قدرة حماس على التسلح؛ والثالث – اعادة جلعاد شليت. تم تحديد هذا الهدف، وليس على نحو قاطع، قبيل نهاية العملية فقط.

        الهدف الاول، وهو التهدئة التي تبقى وقتا طويلا، من المعقول أنه احرز في الاساس بسبب اعادة اسرائيل لقوة ردعها لكن لا بسبب هذا فقط. فحماس قبل كل شيء حركة سياسية ذات مطامح سياسية، ولكونها كذلك فان مطمحها المباشر هو اقرار سلطتها في غزة، والتوصل في المستقبل الى وضع مشابه ايضا في يهودا والسامرة.

        التحديات التي تواجه حماس باهظة. فليس الحديث فقط عن اعادة تعمير غزة والقدرة على الاهتمام بالغذاء والادوية لاكثر من مليون من السكان، بل عن القدرة على الحصول على تأييد ما من لاعبين آخرين في العالم العربي على الاقل. من المعقول ان ترتيب اوليات حماس سيملي قبل كل شيء تعزيز قبضتها السياسية والسلطوية قبل أن تتجه الى مغامرة عسكرية اخرى. يبدو أن الجمهور في غزة يمنحها تفويضا لكنه محدود. من الواضح ان جولة عنف اخرى تفضي الى موجة اخرى من الخراب يمكن ان تثير عليها السكان. يحتاج ايضا الى الا تقاطع الجماعة الدولية حماس كما تطلب اسرائيل، بل العكس توافق على تقديم كل المساعدات الاقتصادية – الانسانية باشراك حماس، بدل فعل ذلك بواسطة منظمات مختلفة، وسيمكن ذلك من اشتراط المساعدة بوجود تهدئة تامة.

        الهدف الثاني وأساسه ضمان وقف تهريب السلاح من مصر الى غزة، ما زال لم يحرز لانه لا تكاد توجد علاقة بين نجاح اسرائيل العسكري في غزة وهذه القضية. يتعلق حل المشكلة تعلقا تاما بارادة مصر وهذه لا مصلحة لها واضحة في وقف التهريب. اولا استمرار الوضع الذي تمس فيه حماس بالاسرائيليين وتمس اسرائيل بافراد حماس لا يقلق مصر ما ظل ذلك يجري على "نار هادئة"؛ ثانيا، صناعة التهريب تعول جهات كثيرة، من رؤساء البدو في المنطقة الى قادة مصريين في المنطقة. يُسأل سؤال كيف يمكن اقناع مصر بتغيير توجهها، على اساس نتائج العملية؟ تملك اسرائيل اداة ضغط فعالة واحدة هي المعابر بين اسرائيل وغزة. فلاسرائيل وحماس مصلحة مشتركة تناقض مصلحة مصر، وهي ان تتم صلة غزة الاقتصادية بالعالم الخارجي من طريق مصر لا من طريق اسرائيل. تستطيع اسرائيل أن تعرض توجها متشددا في موضوع المعابر بينها وبين غزة وان توافق في خلال ذلك – بخلاف مصلحتها – على فتح المعابر لتنقل الناس والبضائع اذا كان حد غزة – مصر مغلقا فقط كما ينبغي في وجه تهريب السلاح.

        اذا وافقت مصر على تغيير توجهها، فينبغي أن يطلب اليها وقف الحركة غير القانونية لاناس وبضائع في المنطقة الوحيدة التي يمكن فيها فعل ذلك فعلا ناجعا. ليست هذه المنطقة هي فيلالفيا. ففيلادلفيا ممر ضيق يوجد عن جانبيه – الفلسطيني والمصري – بيوت، والسكان الذين يقطنون الجانبين من العائلات نفسها. ما ظلت هذه هي الجغرافيا وما ظلت هذه هي الديمغرافيا فلا يمكن وقف التهريب من هناك. لن تساعد التكنولوجيا الالمانية ، والتوجيه الامريكي والقوات الاوروبية.

        تستطيع مصر أن تنشىء "منطقة أمنية" من نحو من خمسة كيلو مرات جنوبي فيلادلفيا. في هذه المنطقة الخالية من المباني والسكان، يمكن اقامة جدارين على مبعدة كيلو مترين اثنين بعضهما من بعض، وضمان الا يدخل احد الارض بينهما. يشق المنطقة شارع واحد، ويمكن ان تقام فيها ابواب مع مراقبين وتكنولوجيا متقدمة، وهنا يمكن وقف التهريب اذا شاءوا. بعبارة اخرى تظل الحدود السياسية بين غزة ومصر هي فيلادلفيا، وبغير ما صلة تعمل مصر في داخل ارضها عملا مستقلا، في وقف التهريب.

        احد التطورات المقلقة في هذا الموضوع هو الاتفاق المتعجل الذي وقع بين اسرائيل والولايات المتحدة قبل يومين من الهدنة. بحسب هذا الاتفاق تهتم الولايات المتحدة بوقف السلاح الذي يأتي أكثره من ايران قبل وصوله سيناء. هذا اتفاق سياسي معانيه العملية ضعيفة ومشكلة اذا رأيناه بديلا من حل حقيقي لمشكلة التهريبات.

        الهدف الثالث، اعادة جلعاد شليت، لم يحدد في أي مرحلة على أنه أحد اهدفا العملية. وقد اهتم أصحاب الفعل السياسي بتأكيد ذلك. مع ذلك، وبعقب ضغوط الرأي العام ادخل الموضوع قائمة مطالب اسرائيل.

        من الصحيح الى الان انه ما يزال لا يرى تقدم حقيقي. مع ذلك من المهم أن نؤكد ان اسرائيل تستطيع اعادة جلعاد شليت "بثمن معقول" هو اطلاق سجناء حماس اذا اهتمت فقط بربطه بموضوع المعابر. الحديث في الموضوعين عن حل مشكلة انسانية. احداهما اكثر ايلاما لحماس والاخرى اكثر ايلاما لنا. اذا لم نستطع الربط بينهما فسنخسر  وسيلة ضغط مهمة. تخطىء اسرائيل اذ تستعد لتوسيع فتح المعابر بغير اشتراط ذلك بزيارة الصليب الاحمر للجندي الاسرائيلي.

        الخلاصة

        كانت عملية "الرصاص المصهور" عملا ناجحا بكل المعايير، ولا شك انه كذلك اذا وازناه بحرب لبنان الثانية. صحيح أن العدو كان اضعف والظروف اقل تعقيدا، ومع ذلك ثمّ مكان للرضى عن تحسن بارز لشكل عمل الجيش الاسرائيلي، وقيادة الجبهة الداخلية وسائر السلطات. يمكن ان نذكر بايجاب ان عددا من دروس لجنة فينوغراد على الاقل فيما يتصل بمسار اتخاذ القرارات، تحسن جدا، وكذلك تحسن مسار تحديد اهداف العملية. مع ذلك بدأت المعركة السياسية متأخرة، لم تكن منسقة مؤتلفة والعملية العسكرية، وقد قادتها على نحو مستقل جهات مختلفة (وزارة الدفاع بازاء مصر، ورئيس الحكومة ووزيرة الخارجية بازاء جهاز أُخر. الى جانب النجاحات صحبت المعركة السياسية اختلالات لا داعي اليها ايضا (اهانة وزير خارجية فرنسا، والخصومة التي لا داعي لها مع الاتراك، والنقاش في مجلس الامن والحادثة المحرجة بين اولمرت وكونداليزا رايس.

        من المهم أن نعلم ان الموضوع السياسي في اساسه أشد تعقيدا من العسكري. كان في المجال العسكري، في هذه الحالة على الاقل لاعبتان هما اسرائيل وحماس. تم بين هاتين صراع ذو طابع "لعبة نتيجتها صفر". وفي المجال السياسي كانت لاعبات كثيرة اخرى مصالحها معقدة ومتنوعة. ولهذا احتيج للتوصل الى نتيجة في الحد الاقصى الى تخطيط وتنسيبق سابقين، والى اقامة لعبة أدوار واختيار يومي من بين الخيارات. يصعب أن نقول ان كل هذا تم على نحو يثير الانطباع.


** رئيس مجلس الامن القومي سابقا وباحث في معهد ابحاث الامن القومي حاليا.

 

انشر عبر