شريط الأخبار

"الرصاص المصهور" – الجانب السياسي*

12:44 - 01 حزيران / مارس 2009

بقلم: عوديد عيران

        ستظل ثلاث قضايا تشغل الجماعة الدولية بعد ان سحبت اسرائيل اخر جندي من قطاع غزة ايضا. الاولى تكافؤ ردها على اطلاق صواريخ القسام؛ والثانية استعمال انواع سلاح وذخيرة معينة؛ والثالثة اطلاق النار على مباني مؤسسات دولية تعمل في القطاع. سيكون الانشغال بها هو الثمن الذي ستضطر اسرائيل الى دفعه من اجل تثبيت معادلة جديدة في الرأي العام العالمي، على قدر الامكان، في كل ما يتصل بسلوكها في محاربتها غير التكافؤية للمنظمات الارهابية، التي تواجهها من داخل مجموعات سكانية مدنية بريئة وشبه بريئة.

        في الحرب في غزة اخترق عدد من القيود فرضتها اسرائيل على نفسها في الحروب السابقة. مثلا اصابت قوات الجيش الاسرائيلي على عمد مساجد ومدارس اعتمادا على معلومات تقول ان هذه المواقع فيها سلاح وذخيرة ومسلحون ايضا من رجال حماس. في هذا السياق ينبغي ان نذكر الرد الضئيل في العالم الاسلامي ايضا على هذه الاصابات. ينبغي ان نفترض انه يصور "اعترافا" غير مباشر باستعمال هذه المباني في النشاط المضاد لاسرائيل. اضيفت قيود ما اخرى مثل عدم استعمال القنابل العنقودية، ومن جملة اسباب ذلك النقد في العالم وفي الولايات المتحدة بعد ان استعمالها الواسع في 2006.

        في حرب لبنان الثانية في 2006 كان يمكن ان نلحظ القيود التي فرضها على نفسه المستوى السياسي والمستوى العسكري الذي يتولى القيادة للمجالات الثلاثة التي ذكرت انفا، اما في عملية "الرصاص المصهور" فأزيل عدد منها. نبعت ازالتها في تقديري من ثلاثة اسباب. السبب الاول هو ارادة مضاءلة عدد المصابين من القوات المحاربة الاسرائيلية قدر المستطاع، كرد متوقع على حرب لبنان الثانية؛ ونبع السبب الثاني من المعلومات الثقة عن استعمال مبان مدنية، اي مدارس ومساجد ومواقع منظمات دولية؛ والسبب الثالث يتعلق بهوية العدو في هذه الحال اي حماس. كان يجوز للمستوى السياسي الذي قرر عملية "الرصاص المصهور" ان يفترض ان الجماعة الدولية ستظهر قدرا اكبر من "التسامح" مع اسرائيل في محاربتها لمنظمة لا تقبلها دول اوروبا والولايات المتحدة وغيرها. كذلك يرى عدد من نظم الحكم في العالم العربي قادة حماس كانما يتخبطها الشيطان من المس.

        سيتأثر تناول الزعامة السياسية الدولية لهذه القضايا بعدة عوامل، منها انشغال اسرائيل نفسها الداخلي بتحقيق هذه القضايا، ولا سيما استعمال انواع ما من الذخيرة، وسرعة اعادة التعمير الانساني وتعمير البنى التحتية في غزة ومقدار التعاون الذي ستظهره اسرائيل في هذا النشاط، وفي النهاية – بالجو السياسي الدولي الذي سيسود في اثر الانتخابات في اسرائيل، واقامة الحكومة الجديدة ورؤيتها لتجديد المسيرة السياسية مع الفلسطينيين.

        يثبت توقيت العملية العسكرية في غزة ونهايتها ان حكومة اسرائيل المنصرفة فكرت في تقديرات دولية. ان سحب اخر جندي اسرائيلي من غزة قبل اداء رئيس الولايات المتحدة الجديد لليمين الدستورية مثال على ذلك. وكذلك احداث الممر الانساني في اثناء العملية يشير الى الحساسية (الحق) بالموضوع وبالمطالب الدولية. ستضطر الحكومة المقبلة في اسرائيل الى اظهار قدرة مناورة اكثر تركيبا بازاء الضغوط التي ستستعملها الجماعة الدولية في القضايا المختلفة التي مصدرها العملية العسكرية في غزة من جهة والقضية التي هي اوسع قضية تقديم المسيرة السياسية في الشرق الاوسط من جهة اخرى.

        في زيارة القادة الاوروبين الستة (رئيس حكومة جمهورية التشيك، والرئيسة التشيكية الدورية للاتحاد الاوروبي، ورئيس فرنسا، ومستشارة المانيا، ورئيس حكومة بريطانيا، ورئيس حكومة ايطاليا ورئيس حكومة اسبانيا) للقدس في 18 كانون الثاني 2009 امتنعوا من بحث مسائل التكافؤ، واستعمال سلاح معين واصابة مؤسسات دولية في قطاع غزة، لكنهم جميعا اكدوا رغبتهم رؤية تقدم في المسيرة السياسية.

        قال رئيس حكومة التشيك، ودولته بين اشد الدول ودا لاسرائيل في الاتحاد الاوروبي، قال في تعليقه على القمة في شرم الشيخ، قبل ساعات معدودات من اللقاء مع الرئيس الحكومة اولمرت: "دعى المشاركين جميع الاطراف ذات الشأن بطبيعة الامر الى تجديد المسيرة السلمية في اقرب وقت ممكن. واتفقوا على ان الدور النشيط للادارة الامريكة الجديدة في المسيرة حيوي تماما وعبروا عن امل ان تكون المسيرة هي الموضوع الذي تفضله الادارة في سياستها الخارجية". وسارع رئيس فرنسا في ذلك اللقاء الى اقتراح قمة تبحث سؤال "كيف تعيش الدولة الفلسطينية بسلام مع دولة اسرائيل".

        اجل تشير الدلائل الاولى من قبل الرئيس اوباما، وفي ضمنها المكالمات الهاتفية التي اتمها مع قادة في الشرق الاوسط من فور توليه منصبه، الى نية الادارة منح المسيرة السياسية التفضيل. سيضطر الرئيس الجديد الى الانتظار حتى تحسم اسرائيل في شأن قيادتها السياسية الجديدة وبقدر ما ايضا الى ان تتضح الصورة السياسية الداخلية في الساحة الفلسطينية. يخطىء اولئك الذين يفترضون ان الادارة الجديدة ستصد عن تناول الموضوع للحاجة الى الانشغال بالازمة المالية العالمية او بمسائل مثل الحرب في افغانستان وقرار اخراج القوات الامريكية من العراق.

        في مسار اتخاذ القرارات في الادارة الجديدة في واشنطن في شأن الطريقة التي يجب على الولايات المتحدة ان تعالج بها قضايا النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني والاسرائيلي – السوري سيضطر المشاركون فيها الى مواجهة مكامن الضعف في النظم السياسية في المنطقة والمشكلات التي نشبت وازدادت حدة في عملية "الرصاص المصهور". في اسرائيل وفي السلطة الفلسطينية وبين المشاركين الاخرين في المسيرة السياسية بين اسرائيل وبين الفلسطينيين مثلا ستثور المقارنة بين قطاع غزة وبين المنطقة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية. بعبارة اخرى السؤال هو كيف يمنع نقل الوضع الذي ساد غزة الى يهودا والسامرة، اي قدرة المنظمات الارهابية المختلفة على صناعة الصواريخ واطلاقها مهما تكن بدائية، وهل تستطيع اسرائيل ان توافق على ابدال فلسطينيين او دوليين من نشاطها هي في هذه المنطقة.

        زادت العملية العلاقات الداخلية بين حماس وفتح سوءا، وستقلل بعد من قدرة ابي مازن (او وريثه) على ان يدير بفاعلية تفاوضا مع حكومة اسرائيل يتناول جميع القضايا الجوهرية. لم يذكر قرار مجلس الامن 1860 حماس، لكن جهود التعمير في غزة ستقتضي محادثة السلطة هناك، ويبدو ان ارادة تعزيز نظام الهدنة ستجعل عددا من دول الاتحاد الاوروبي تزن تخفيف شروط محادثة حماس. ستكون النتيجة الممكنة لهذا التخفيف تقويضا اخر لمكانة ابي مازن.

        زادت العملية ايضا من حدة العلاقات بين النظم المعتدلة في العالم العربي وايران. لا يصعب تخمين من الذي قصد اليه الرئيس مبارك بخطبته في المؤتمر في الكويت في 19 كانون الثاني 2009 عندما قال انه لا يجب ترك قوى خارجية تستغل مأساة الفلسطينيين للتغلغل في العالم العربي. لا ينبغي ان نفترض ان تترك ايران تابعتها حماس فلا تساعد في اعادة بنائها الاقتصادي والعسكري والسياسي.

        وسؤال اخر ستضطر الادارة الجديدة الى مواجهته، وبخاصة اذا قررت دخول خبايا التفاوض بين اسرائيل وسورية، وهو نظام العلاقات بتركيا. في اثناء العملية استعمل قادة هذه الدولة لغة لاذعة ونقدية على اسرائيل. قد تكون هذه التصريحات تعبر عن غضب لان رئيس حكومة اسرائيل الذي زار انقرة قبل ايام من بدء العملية لم يلمح الى نظيره بنية اسرائيل مهاجمة غزة، ولان تركيا دفعت، في اثناء المحاولات للاتيان بهدنة، عن مركز الساحة السياسية في حين قطفت مصر اكثر الثمار السياسية. ان دفع تركيا المتوقع ايضا عن دور الوسيطة السياسية في المسار السوري – الاسرائيلي قد يفضي الى سوء اخر للعلاقات بين تركيا واسرائيل. على حكومة اسرائيل الجديدة ان تبذل جهدا لاصلاح الاضرار مع حكومة تركيا فمع الاردن، الذي تثير كل مواجهة بين اسرائيل والفلسطينيين فيها مخاوف تكاد تكون وجودية. اذا كان صحيحا تقدير ان رئيس المخابرات العامة في الاردن قد صرف اخيرا على خلفية محاولته تحسين العلاقات بحماس في الخارج، فان الامر يشير الى الهياج الاردني الداخلي في الموضوع.

        قال عبدالله ملك العربية السعودية في خطبته في المؤتمر في الكويت: "على اسرائيل ان تفهم ان الاختيار بين الحرب والسلام لن يضل مفتوحا الى الابد وان مبادرة السلام العربية الموضوعة اليوم على المائدة لن تظل هنالك الى الابد". يذكر قرار مجلس الامن 1860 في 8 كانون الثاني 2009 عن الاحداث في غزة اهمية مبادرة السلام العربية في دعوتها الى تجديد الجهود لاحلال السلام. في هذه المسالة ايضا، اي ادماج المبادرة العربية في المفاوضة الاسرائيلية – الفلسطينية، ستضطر الادارة الجديدة الى ان تبحث وتحسم قبل ان تقرر تحريك تجديد التفاوض برئاستها. اظهرت الدول العربية المعتدلة ولا سيما مصر استعدادا معلنا لمواجهة ايران وتوابعها. ينبغي ان نفترض انها ستطلب من الولايات المتحدة عوض ذلك تأييدا اقوى للمبادرة.

        هذا جزء فقط من الاسئلة السياسية التي ثارت وازدادت حدة بعقب عملية "الرصاص المصهور". وتوجد بينها علاقات متبادلة متشعبة كما توجد بين لاعبين رؤساء ( او من يرون انفسهم كذلك) في الساحة السياسية التي شأنها حل النزاع الاسرائيلي – العربي. ستحتاج حكومة اسرائيل الجديدة الى قدرة مناورة واحكام كبير لمواجهة قضايا تكافؤ العملية والمسائل التي لها اثار عميقة في امنها ومكانتها الدوليين.

انشر عبر