شريط الأخبار

عملية "الرصاص المصهور"، غزة، كانون الثاني 2009: تلخيص مرحلي*

12:42 - 01 حزيران / مارس 2009

بقلم: شلومو بروم**

       

        يصدر هذا العدد بعد ان اتخذ في اسرائيل قرار من طرف واحد على الهدنة وانضمام حماس الى الهدنة. المعركة السياسية، التي يفترض ان تعبر عن انجازات المعركة العسكرية باحداث وضع مستقر طويل البقاء، لا يكون فيه قطاع غزة قاعدة لهجمات واطلاق صواريخ على اسرائيل، في ذروتها. ما زال من الصعب ان نقدر تقديرا تاما صادقا الى اي حد احرزت اهداف القتال في غزة، بمفاهيم احداث وضع جديد في قطاع غزة، كما عرضت الحكومة هدف الحرب.

        انجازات المعركة العسكرية واضحة للعيان. فقد نجح الجيش الاسرائيلي في احراز سيطرة تامة في ميدان المعركة في جميع مراحلها وأملا تطورها؛ ولم تنجح حماس في منعه من احراز اهدافه العسكرية وفشلت في محاولاتها ان تجبي من اسرائيل اثمانا كبيرة في اثناء القتال. يجسد الدمار ومقدار المصابين الكبير في غزة بالقياس الى العدد الصغير من المصابين ودمار الممتلكات في الجانب الاسرائيلي، الفرق بين انجازي الطرفين. فشلت حماس التي املت ان تكرر انجازات حزب الله في حرب لبنان الثانية فشلا تاما، والانجاز الوحيد الذي تستطيع ان تفخر به هو القدرة على اطلاق عدد قليل من الصواريخ كل يوم حتى انقضاء العملية. وذلك في حين اتضح تماما لجميع اللاعبين ان الطريقة الوحيدة لمنع اطلاق الصواريخ منعا تاما هي احتلال قطاع غزة كله. امتنعت اسرائيل من ذلك لا بسبب ضرورة عسكرية ما، لان التفوق الذي كشف عنه الجيش الاسرائيلي في جميع المعارك وثمن الخسائر المنخفض اثبت ان اسرائيل تستطيع ان تحتل القطاع كله من جديد، بل بسبب الاثمان السياسية التي سيجبيها هذا الاحتلال والسيطرة على القطاع وقتا طويلا.

        يمكن ان نرجع هذه الانجازات العسكرية الى اعداد الجيش الاسرائيلي الدقيق للعملية الذي يبرز فيه جمع معلومات استخبارية كبيرة ومفصلة واستغلالها لتطوير ايجابات تكتيكية وتكنولوجية لجميع التحديات التي اعدتها حماس للمواجهة المتوقعة – الشحنات الناسفة القوية جدا التي كانت ترمي الى تدمير الدبابات، والبيوت المنغمة، والانفاق التي ترمي الى تمكين خلايا حماس من القيام بهجمات مباغتة، والقدرات المضادة للدبابات وغير ذلك. اسهمت السيطرة الجوية وقدرات السلاح الدقيق لسلاح الجو اسهاما حاسما في انجازات المعركة.

        يمكن ان نقول اعتمادا على هذه الانجازات العسكرية انه تم في مستوا واحد احراز هدف القتال. اذا كان الهدف منع قطاع غزة من ان يكون قاعدة لهجمات على اسرائيل، والطريقة التي اختيرت هي احراز ميزان ردع مع حماس تدفع في اطاره اثمانا اعلى كثيرا مما قدرت، فان الهدف قد احرز. يوجد ميزان ردع جديد سيكون له تاثير رئيس في تقديرات حماس.

        السؤال الرئيس هو كيف يحافظ على هذا الانجاز وقتا طويلا. سيكون من الممكن فعل ذلك فقط ببناء جهاز سياسي يؤيد الهدنة وبردود اسرائيل المناسبة على نقض الهدنة. معضلة حكومة اسرائيل الرئيسة هي كيف تفعل ذلك من غير ان تعطي حماس شرعية سياسية. لهذا السبب ليس واضحا هل سيفضي العمل السياسي الذي يتم اثر المعركة الى اتفاق هدنة مع حماس بتوسط مصر. تحاول اسرائيل في هذه الاثناء التوصل الى اتفاقات مع اطراف ثالثة – الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ومصر، تمنع تسلح حماس من جديد. في هذا السياق ستظل مصر وستكون الدولة الرئيسة. وهي فقط – وان يكن ذلك بمساعدة دول اخر – تستطيع منع تدفق السلاح على غزة.

        ستصبح عملية تعمير غزة ايضا ميدان منافسة بين اللاعبات المختلفة. فمن جهة – السلطة الفلسطينية، ومحور الدول العربية المعتدلة والدول الغربية التي تطمح الى ان تكون العامل الذي يعمر غزة من غير ان يعطي حماس شرعية ومن غير ان يقويها ومن جهة ثانية – محور التحريض برئاسة ايران التي ستطمح الى تعزيز حماس من طريق عملية التعمير. سيكون هذا استمرارا للمعركة العسكرية والمعركة السياسية بوسائل اخر.

        ثم جانب مهم مشتق من نتائج القتال في غزة هو تاثيرها في النظام الفلسطيني الداخلي وفي المسيرة السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين. ما زال غير واضح هل اضعفت هذه المعركة من جهة سياسية حماس بازاء الحكومة في رام الله ام قوتها. فالامر محتمل للوجهين معا. فمن جهة اثبتت حماس تقديرا مخطوءا وجلبت حربا على مليون ونصف من الفلسطينيين، وكانت انجازاتها في الحرب مخفقة. ومن جهة ثانية بدت الحكومة في رام الله للجمهور الفلسطيني بقدر ما متعاونة مع اسرائيل. هذه الحقيقة والصور التي تظهر في شوارع غزة من المحقق انها لم تزد على مجدها ومكانتها. اذا تبين اخر الامر ان الوضع بازاء قطاع غزة مستقر وهادىء ونجحوا في ابقاء حماس في وضع ضعيف، فمن المحتمل افتراض ان يكون في الامكان الاستمرار على المسيرة السياسية على اساس مؤتمر انابوليس بسهولة اكبر. على اية حال، لم تقض هذه المعركة على حماس. فهي بعدها ايضا ما زالت تحتفظ بجزء كبير من قوتها العسكرية ومن المعقول افتراضه ان تستطيع تجديد سيطرتها الفاعلة على القطاع كله. من هذه الجهة يوجد فرق كبير بين انجازات الجيش الاسرائيلي في يهودا والسامرة في عملية "السور الواقي" وبعدها وبين الوضع في غزة. احرز الجيش الاسرائيلي في العمليتين قدرة عمل بثمن معقول في اي مكان اراده، لكن في يهودا والسامرة احرز ذلك بثمن تدمير الجهاز الحاكم واحداث وضع ليس فيه شريك لاسرائيل. في قطاع غزة الوضع مختلف، ومن المعقول افتراض ان تسيطر حكومة حماس التي تستطيع فرض سلطتها على غزة بعد العملية ايضا. هذه السلطة قد تكون قاعدة لقدرة اسرائيل على ردع الطرف الثاني. ستظل حماس لاعبة سياسية رئيسة في يديها بقدر لا يستهان به مفتاح مسيرة سياسية فعالة بازاء الفلسطينيين.

        وجانب مهم اخر للمعركة هو القدرة على حفظ الهدوء في مناطق يهودا والسامرة. يمكن ان نرجع ذلك الى نجوع عمليات اسرائيل والسلطة الفلسطينية، لكن يبدو ان السبب الرئيس لذلك كان مزاج الجمهور الفلسطيني، الذي لم ير غاية لهذه المعركة، سوى ضرر فظيع حدث نتاج تحرش حماس الذي لا داعي اليه. يوجد في ذلك ايضا دليل شاهد على ان البنية السياسية والارهابية التحتية لحماس في يهودا واسامرة محطمة. فحماس لم تنجح في ان تخرج من هناك ولو عملية انتحارية واحدة برغم جميع تهديداتها، ولم تنجح في دفع الجمهور الى تعبيرات احتجاج جماعية.

        في النهاية لا ينبغي ان نتجاهل ايضا اثمان هذه المعركة وبخاصة الاضرار الكبير بالسكان المدنيين في قطاع غزة. اشك ان يكون في الامكان الامتناع عن ذلك في حرب من هذا النوع تدير فيها حماس من جهة الحرب على السكان المدنيين للطرف الاخر من بين السكان المدنيين الذين تسيطر عليهم، برغم جميع الجهود التي قام الجيش الاسرائيلي لمضاءلة المس بالمدنيين. تدفع اسرائيل ثمنا عن هذا المس بالتأثير السلبي في صورة اسرائيل في العالم، وبالتاثير في نظام العلاقات بين اسرائيل والعالم العربي.


** باحث رفيع المستوى في معهد ابحاث الامن القومي.

 

انشر عبر