شريط الأخبار

حـوار الفصـائـل.. نجـاح نسبــي بانتظـار مفــاوضـات شاقـة

10:42 - 28 تشرين أول / فبراير 2009

محمد جمعة

بعيدا عن التفاؤل غير المبرر، وكذلك التشاؤم الزائد عن الحد، يتعين الاعتراف بأن سحب "التشاؤل" هي التي تملأ الآن الفضاء الفلسطيني، لأن ما تمخضت عنه وقائع الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني الفلسطيني بالقاهرة يوم الخميس الماضي 26/2/2009، وما صدر عنها من بيان ختامي، لا يتعدى كونه تجاوزا لعقدة بدء الحوار، ولا تعني أكثر من أن "الحوار حول الحوار" قد نجح، فيما الطريق نحو تحقيق المصالحة لا يزال طويلا وشاقا.

بعبارة أخرى، لقد حققت إرادة الوحدة والمصالحة الفلسطينية انتصارا في الجولة الأولى، من خلال اتفاق الفرقاء على اعتماد "خيار الحوار" لحسم الخلافات الفلسطينية وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وهو ما ساهم في انقشاع سحب التشاؤم، ولكن دون أن يفضي ذلك في ذات الوقت إلى إشراق شمس المصالحة الفلسطينية، التي ماتزال حبيسة غبار المناكفات الفلسطينية المتوقعة خلال جولات الحوار الساخنة، التي ستخوض غمارها تلك الفصائل، داخل اللجان الخمس التي أعلن عن تشكيلها، والتي ستتولى مهمة الحسم في قضايا شائكة، ستتوقف عليها صورة النظام السياسي الفلسطيني القادم.

 

نجاح نسبي

 

هذا النجاح في "الحوار حول الحوار" لا يمكن التقليل من أهميته، لاسيما وقد أفضى ميدانيا إلى وقف الحملات الإعلامية التحريضية التي سممت الأجواء على مدار عامين، والبدء بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، مع وقف الإجراءت الأمنية الكيدية المتبادلة.

 

والأهم، أنه وقبل هذا النجاح الأولي، كان من السهل على البعض الفصائلي الدعوة لإسقاط طرف من الحسابات الوطنية والتنظيمية على حد سواء، أو الدعوة جهارا لعدم التحاور معه... الآن وقد دارت عجلات الحوار على نحو معقول، باتت دعوات كهذه خارج نطاق العقل والممارسة في آن، إذ لا يستطيع أحد أن ينكر وجود الآخر أو يتهمه بما سبق وإن كال له من اتهامات، فالجميع جزء من نسيج وطني فلسطيني، وعلى الجميع الفصائلى استيعاب الجميع، وإلا فالسفينة ستغرق الجميع!

 

أضف إلى ذلك أن هذا النجاح ما كان ليتحقق لولا تنازلات متبادلة عن مواقف سابقة، أقدم عليها قطبي الساحة الفلسطينية (فتح وحماس)، جاءت بدورها نتيجة لجملة متغيرات فلسطينية وإقليمية ودولية حدثت مؤخرا. وتتعلق، أولا: بالمعطيات التي أفرزها العدوان الإسرئيلي على قطاع غزة أواخر ديسمبر ويناير الماضيين. وثانيا: دخول إدارة جديدة للبيت الأبيض، طرحت خلال حملتها الانتخابية شعار" التغيير". وثالثها: الانتخابات الإسرائيلية التي أفرزت صعودا لقوى اليمين، واليمين المتطرف.

 

تلك المتغيرات الثلاث المتزامنة تقريبا دفعت طرفي الحوار إلى تقديم بعض التنازلات، وهو ما فتح الطريق نحو اختراق الجدار وإذابة الثلج بينهما، منذ أن بدأت اللقاءات بينهما قبل أسابيع قليلة.

 

متغيرات غير إستراتيجية

 

على الجانب الفلسطيني، أكدت حرب غزة الأخيرة عجز كل طرف فلسطيني بمفرده عن مواجهة التحديات التي تواجه الفلسطينيين والقضية بشكل عام. فحركة حماس بعد الحرب، ورغم الخسائر الفلسطينية الفادحة، أصبحت في وضع أفضل سياسيا وشعبيا، بيد أن هذه المكاسب السياسية يصعب ترجمتها إلى حقائق سياسية نتيجة لعوامل عربية ودولية، ومن ثم فإن حديث المصالحة الفلسطينية بدا بالنسبة لحماس وكأنها ممر إجباري يجب أن تمر به من أجل فتح المعابر وكسر الحصار ومباشرة الإعمار.

 

وفي السياق ذاته استدعت نتائج الانتخابات الإسرئيلية العناصر الأشد تطرفا، والتي سيصعب على فريق المفاوضات الفلسطيني التعامل معها، بحيث لم يعد أمام القيادة الفلسطينية في رام الله، للحفاظ على وجودها ودورها، سوى فتح الطريق أمام الحوار والمصالحة.

 

أما عربيا، فإن النظام العربي الذي يصارع في مجمله من أجل البقاء في وجه رياح ونوات  إقليمية ودولية عاتية، تتناوب على الإمساك بتلابيبه من أكثر من جهة، لم يعد يتحمل أزمة جديدة يمكن أن تنشأ بين أقطابه بشأن مسألة التمثيل الفلسطيني خلال القمة العربية القادمة، لاسيما وأن تلك القمة تعقد في الدوحة صاحبة وجهة النظر المعروفة في هذا الشأن. وإذا كان العرب غير قادرين على حل المأزق الفلسطيني، فليس أقل من حل مسألة التمثيل الفلسطيني، ولهذا يطالب العرب أن ينتهي الحوار نهاية سعيدة قبل عقد القمة العربية في الدوحة، خشية انقسام عربي في حال استمرار الانقسام الفلسطيني.

 

ودوليا، فقد تأكدت لدى المعسكر الغربي بعد الحرب على غزة، أن كل مقاربة للوضع الفلسطيني، تهمل دور وموقع "حماس" بالكلية، هي مقاربة عرجاء، ولن توصل إلى نتيجة ناجعة. وإذا كانت إدارة بوش السابقة قد تجاهلت المعطيات السياسية الجديدة في الساحة الفلسطينية، فإن إدارة أوباما بعد الحرب على غزة، لم يعد يسعها التظاهر بأن الأمور تسير في الساحة الفلسطينية كما كانت، وأن بالإمكان التعامل مع عباس وفريقه وكأنه يمثل كل الكتلة الوطنية الفلسطينية.

 

المقصد إذن أن ثمة عوامل داخلية وخارجية سهلت فتح النافذة أمام الحوار وإجراء المصالحة، بيد أن كل هذه العوامل ليست ذات طبيعة إستراتيجية، وهو ما يفتح المجال أمام احتمالات أن تتعرض جهود المصالحة لانتكاسة، مع تغير الظروف التي يمكن أن لا تستمر سوى بضعة أسابيع فقط. وهو ما يعنى أن لجان المصالحة الفلسطينية الخمس -بافتراض حسن النية- ومنذ موعد بدء عملها في العاشر من مارس القادم في صراع مع الزمن، وأمامها تحد كبير كي تحقق الوحدة الفلسطينية، وتصبح حقيقة ثابتة تفرض نفسها على المعادلة الإقليمية وعلى أطرافها المتصارعة، حتى لا تعاود اللعب بها وتوظيف الورقة الفلسطينية لتحقيق أهدافها.

 

وماذا بعد؟

 

وإذا كان تجاوز عقدة اللقاءات الفلسطينية بين فتح وحماس، وعقدة بدء الحوار الشامل قد احتاج كل هذا الجهد والوقت، فهل يعقل أن نتصور بأن تنجح اللجان الخمس في معالجة الملفات الشائكة التي تتصدى لها في أسبوعين أو ثلاث؟!

 

واقع الحال أننا لسنا أمام حوار من نوع ما، بل نحن أمام مفاوضات شاقة وطويلة، وكل ملف من ملفاتها سيحتاج إلى عدة شهور. وحتى بافتراض سارت هذه المفاوضات بصورة متوازية -توازي الملفات- على طريقة توازي المسارات في المفاوضات الشرق أوسطية، فإن النجاح في ملف معين سيتم ربطه بالملفات الأخرى، الأمر الذي سيفضى إلى مزيد من التعقيد، وستحتاج المفاوضات في النهاية إلى عدة شهور حتى تستطيع أن تخلق إطارا شاملا لهذه الملفات.

 

هذا إذا اعتبرنا أن هذه الملفات الخمس بكل ما تنطوي عليه من تعقيد، وبكل ما تحمله من انعكاسات، بلغة المصالح والأهداف، قد تجاوزت العقبات التي تتعلق بالتجاذبات الداخلية في إطار الفصائل، وتوازن القوى الداخلي بالنسبة لحركتي فتح وحماس، ناهيك عن الدخول الإسرئيلي المباشر على كافة الخطوط السياسية والأمنية، وما حديث التهدئة ببعيد!

 

فعلى الرغم من أن التهدئة لا تبدو للوهلة الأولى على علاقة مباشرة ووثيقة الصلة بالنجاح في تجاوز أزمة الملفات الخمسة، فإن الفشل في إبرام اتفاق بشأنها (أى التهدئة) سيشكل عاملا ضاغطا على كافة الأطراف الفلسطينية. أما إذا تم إبرامها بصورة تبقي خيار الانقسام مفتوحا، فإن النجاح سيكون أصعب بكثير في هذه الحالة. وستكون حسابات السيطرة على المناطق الفلسطينية أقوى من حسابات السيطرة على النفس وتجاوز المصالح الذاتية لصالح القضية والمصالح الوطنية.

 

وحتى لو تجاوزنا كل تلك العقبات، فإن التسليم العربي والإقليمى والدولى بنتائج الحوار الفلسطيني أمرا ما زال في طي المجهول، وذلك بالنظر إلى مدى تقدم الأجندات الدولية في مسار التسوية من جهة، وبالنظر إلى مدى انخراط الأطراف الإقليمية في هذا المسار. وبالنظر كذلك في مدى أو درجة التصالح أو التصادم بين الأجندة الدولية والأجندات الإقليمية.

 

فالحوار بين واشنطن وطهران، على سبيل المثال، ونجاح أو فشل هذا الحوار، سيلقى بظلاله الكثيفة على نجاح ملفات الحوار الفلسطيني- الفلسطيني. وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقات بين واشنطن ودمشق، فضلا عن المفاوضات المتوقعة بين الأخيرة وتل أبيب.

 

جملة القول إذن أننا لسنا أمام خيارات للتصالح السريع وتجاوز حالة الانقسام، وإنما نحن أمام مفاوضات طويلة وشائكة، وربما أمام محاولات تحويل الانقسام إلى حالة متفق عليها بانتظار أن تأتي التطورات المحيطة بتغيير شروط الاتفاق على هذه الحالة، إذ أن كل حديث عن المصالحة الفلسطينية، ستظل الرهانات بشأنه محدودة طالما لم يتوصل الفرقاء الفلسطينيون إلى قناعة بأن السلطة أصبحت قيدا على الفلسطينيين في تحقيق أهدافهم في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، وهذه القناعة غير متوفرة حتى اللحظة، لأن الثقافة السلطوية هي السائدة عند "الفصائلية"، على الأقل باستثناء حركة الجهاد الإسلامي حتى اللحظة.

 

 

------------------------------

 

باحث متخصص في الشئون الفلسطينية.

 

 

انشر عبر