شريط الأخبار

ذكريات القصف والموت تلاحق المسنين في مركز الوفاء للتأهيل شرق غزة

06:09 - 27 تشرين أول / فبراير 2009

فلسطين اليوم -غزة

ما يزال الموت يتملكهم، ومع كل صوت مرتفع تجدهم يصرخون، وفي النهار بالكاد يتكلمون، أما الخوف في الليل فهو الشعور الذي يلازمهم مع كل حركة وسكنة، وإذا ما اقتربت منهم تملؤ علامات التوجس وجوههم.. هكذا يقضي العجزة أو المسنين أيامهم في مركز الوفاء لرعاية المسنين على بعد نحو (800) متر من الشريط الحدودي مع إسرائيل شرق مدينة غزة، وذلك في أعقاب العملية الإسرائيلية التي شنها جيش الاحتلال ضد غزة. وإذا كانت مختلف وسائل الإعلام قد أولت اهتماماً كبيراً بجوانب القتل واستهداف المنازل والمزارع والمقار المدنية خلال الحرب وبعدها، فإن قضايا المسنين في قطاع غزة سواء المقيمين لدى ذويهم أو في المركز الوحيد للمسنين في القطاع، لم يكن لها نصيب من هذا الاهتمام، رغم أهميتها . إذ تعرض هذا المركز للاستهداف الإسرائيلي من جانب، ونسبة هذه الشريحة من المجتمع الفلسطيني من جانب آخر، والتي تقدر نسبتهم بـ (4.5 في المئة ) من نسبة السكان في قطاع غزة والبالغ عددهم قرابة المليون ونصف المليون فلسطيني.

 

 زارت مركز الوفاء لرعاية المسنين، لترسم صورة قلمية واضحة الألوان ودقيقة التفاصيل عن حياة هؤلاء المنحنية ظهورهم أثناء الحرب وبعدها، فما أن تدخل المركز حتى تجد معالم القصف والتدمير في أكثر من موقع، حيث حجرة الاستقبال التي اخترقتها قذيفة مدفعية ودمرت محتوياتها، تسير قليلاً محاولاً استعمال المصعد الكهربائي لتجده معطلاً بفعل قصف استهدف الأجزاء العلوية منه، وتنطلق على قدميك إلى الطوابق العليا، حيث الغرف المخصصة لنوم المسنين، لتشاهد آثار القصف ماثلة أمام عينيك، فزجاج الشبابيك مدمر وتم استبداله بالبلاستيك (نايلون)، والأبواب ملقاة على الأرض، وأجزاء من الحوائط متصدعة.

 

وفي إحدى الغرف، تستلقي عدد من المسنات على أسرتهن، وتجلس أخريات، بينما تحاول بعضهن السير ببطء شديد برفقة ممرضة، فيما الباقيات غارقات في النوم، وتستقبلك المسنة صبحية الغول في نهاية عقدها السادس بصوت خافت يخفي خلفه مشاعر الخوف والرعب التي عاشتها مع غيرها من المسنات خلال فترة الحرب التي استمرت لثلاثة وعشرين يوماً، حتى وقف إطلاق النار في الثامن عشر من كانون الثاني (يناير) الماضي، وتشير بعصى تتكئ عليها عند الحركة إلى النافذة الشرقية للغرفة، حيث كانت تنظر إلى الدبابات الإسرائيلية وهي تجتاح الأجزاء الشرقية من مدينة غزة، بينما يرتجف جسمها وهي تتحدث عن ساعات "الموت" الذي كان يحدق بها عندما شاهدت "حمم" القذائف منطلقة من فوهات الدبابات، وسمعت دوي الانفجارات في كل مكان. وتختصر تلك اللحظات وعلامات الخوف بادية على وجهها الضعيف، قائلة: "كنت بموت كل شوية، وبعدين بيرجع نفسي تاني، وكلنا كنا نبكي ونصرخ، ونقول إذا ما نزلتش القذيفة هادي علينا، راح تنزل إلي بعديها، القصف كان كثير، ومش عارفين من وين كان يطلع". تصمت المسنة الغول قليلاً، لتأخذ نفساً عميقاً، بعد أن اغرورقت عيناها بالدموع، وهي تستذكر الماضي القريب الذي لم ينته بعد، وتضيف :"أصعب أيام عمري شوفتها، لما اليهود دخلوا غزة، وصاروا يطخوا على الناس، وكنت بسمع على الردايو الصغير كيف كانوا يقصفوا البيوت ويدمروها".

 

وفي صالة مفتوحة تخترقها خيوط شمس نهار صاف في غزة، جلست المسنة رحمة مراد بين مجموعة من النزيلات، يحاولن الاستمتاع بأشعة الشمس الدافئة، علها تعيد لهن جزءاً من أيام البرد القارس التي عاشوها في ظل انقطاع التيار الكهربائي خلال فترة الحرب، وتزيح جزءاً من الخوف الذي سببه الدبابات الإسرائيلية التي تمركزت لأيام على بعد نحو مائتي متر من المكان. وتصرخ على كل شخص تطؤ قدماه مكان تواجدها ، لتخبره بأنها لم تصب بأذى خلال الحرب، وأنها ما زالت على قيد الحياة، لكن الخوف أفقدها جزءاً من قدرتها على المشي، الذي كانت تتميز به عن بقية زميلاتها، اللواتي أجبرتهن حالة الخوف والرعب المسيطرة على تفكيرهن أن يكن طريحات الفراش في أغلب الأوقات. وتقول المسنة مراد التي استكملت عامها الثالث والثمانين خلال الحرب: "إلي صار مش حرب وبس، اليهود كانوا بدهم يهدوا المبني ويقتلونا، حتى البنت إلي كانت تساعدني انجرحت ودمها غرق الأرض". وتشير إلى أنه لولا أن إدارة المركز قامت بنقلهن إلى مبنى مجاور في أول أيام الحرب، لكن قد تعرضن للموت والإصابة، نظراً لأن غرف نومهن مواجهة للمواقع التي كانت تربض فيها دبابات الاحتلال.

 

ورغم بعض الضحكات الخفيفة التي تملؤ المكان، إذ تروي كل واحدة منهن إحدى النكات التي تعرفها، إلا أن مشهد الصمت المفاجئ لهن مع كل صوت في المكان يسترعي الانتباه، إذ إنه يكون مطبقاً وطويلاً في آن واحد، وهو ما يؤكده مدير المركز أحمد مشتهي، الذي يعتبر أن الحرب بالنسبة للنزلاء ما تزال قائمة، بالنظر إلى انعكاساتها المتواصلة عليهم، خصوصاً في النواحي النفسية والاجتماعية، وعلى صعيد تقلص حجم التفاعل بمختلف مستوياته الاجتماعية فيما بينهم. ويوضح أن الإرشاد النفسي والاجتماعي يحاول جاهداً إقصاء الصور المرعبة التي كونتها عن الحرب من مخيلتهم، باستخدام مختلف الوسائل والأساليب العلمية، مشيراً إلى أن استهداف قوات الاحتلال لمبنى مركز المسنين، يتجاوز كل الأعراف والمواثيق الحقوقية ذات العلاقة.

 

وما تزال دور رعاية المسنين غير مألوفة في قطاع غزة، ويفضل الأبناء عادة رعاية أبائهم وأمهاتهم داخل أسرهم، اعتماداً على التوجيه الإسلامي بهذا الخصوص من جانب، والعادات والتقاليد الفلسطينية من جانب آخر، غير أن ذلك لم يمنع وجود عجزة ليس لديهم من يقوم على خدمتهم. ويعد هذا المركز، المكان الوحيد الذي يعتني بالمسنين في القطاع، ويشترط عادة ألا يكون لديهم أبناء ذكور، وتزيد أعمارهم عن ستين عاماً، بينما يقدم خدماته سواء للمسنين المقيمين داخله، أو بين أبنائهم وأسرهم، وتتنوع هذه الخدمات بين تقديم المأوى الآمن والخدمات المعيشية والصحية والاجتماعية والتأهيلية والترفيهية.

 

وكانت مؤسسات حقوقية اعتبرت أن استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي العمد للمرافق المدنية، وبضمنها المستشفيات يعد انتهاكاً لمبادئ القانون الإنساني الدولي وقد يشكل جريمة حرب، إذ تحظر المواد من (15) وحتى (19) من اتفاقية جنيف الرابعة استهداف المرافق الصحية في أوقات الصراع.

 

انشر عبر