شريط الأخبار

د. بشير موسى نافع يكتب : يمكن أن ينتهي إليه موسم الانفتاح على حماس

11:47 - 26 تموز / فبراير 2009

 

شهدت مدينة غزة يوم الخميس الماضي تطوراً هاماً في علاقة واشنطن بالمسألة الفلسطينية، تمثلت في زيارة عضو مجلس الشيوخ البارز جون كيري، وعضوي مجلس النواب، براين بيرد والمسلم كيث أليسون. قام كيري قبل وصوله غزة بتفقد مدينة سديروت الإسرائيلية، التي كانت هدفاً للصواريخ والقذائف الفلسطينية، حيث أكد على حق الدولة العبرية في الدفاع عن نفسها. وقد وصف زيارته غزة بأنها تفقدية، رافضاً أن تكون لها أية دلالة ذات علاقة بالسياسة الامريكية تجاه حماس. انتهت الزيارة بتسليم مسؤولي الأونروا، الذين رافقوا كيري في جولته بالمدينة، السيناتور الامريكي رسالة من حماس موجهة للرئيس أوباما.

وبالرغم من أن كيري أحجم خلال وجوده بالمدينة الفلسطينية الالتقاء بأي من قيادات حماس، فإن أحداً، على أية حال، لا يمكن أن يغفل الانعطافة التي تمثلها الزيارة.

فأعضاء الوفد النيابي الامريكي الذين وصلوا إلى غزة ديمقراطيون، ينتمون لحزب الإدارة الحاكمة في واشنطن، وكيري على وجه الخصوص مرشح سابق للرئاسة ولمنصب وزير الخارجية، ورئس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، وتربطه بالرئيس أوباما علاقات وثيقة. هذا، فوق أن كيري عقد لقاء مع وزيرة الخارجية كلينتون قبل بدء جولته في الشرق الأوسط.

كيري هو أول شخصية امريكية من هذا المستوى تزور قطاع غزة منذ فرضت حماس سيطرة منفردة على القطاع. وهذا في حد ذاته تحول لافت للانتباه. ولكن كيري ليس الأول في موسم الانفتاح على حركة حماس أو إدارتها في غزة. الرئيس الأسبق كارتر (الديمقراطي، هو الآخر)، عقد أكثر من اجتماع مع رئيس مكتب حماس السياسي؛ ويعتقد أن كارتر قابل الرئيس أوباما بعد اجتماع عقد مؤخراً بعد مشعل، وأن الرئيس شجعه على استمرار جهوده باتجاه حماس. كما أن عدداً من البرلمانيين البريطانيين والفرنسيين قاموا بخطوات مماثلة. أما الاتصالات التي يقوم بها مسؤولون أمنيون أوروبيون مع حماس، والتي يفترض أن لا تكون معلنة، فيعتقد أنها لم تنقطع.

خرجت حماس من الحرب على غزة في وضع سياسي أفضل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب. لم يصمد أهالي قطاع غزة في مواجهة القصف والقتل والدمار وحسب، بل أن الحرب أثارت حركة احتجاج وتضامن هائلة في مختلف المدن العربية والإسلامية، وفي العالم الغربي. وفي وقت كانت المقاومة في قطاع غزة تكتسب شرعية جديدة، وتجد التفافاً عربياً وفلسطينياً شعبياً كبيراً، كان ارتباك رام الله أمام حدث الحرب الكبير يتسبب في المزيد من إضعاف سلطة الحكم الذاتي، واتساع الهوة بين قيادة السلطة، من جهة، وعموم الشعب وكوادر فتح، من جهة أخرى. منذ الانتخابات الفلسطينية التشريعية قبل ثلاث سنوات، أصبح واضحاً أن مقاربة للوضع الفلسطيني تهمل دور وموقع حماس هي مقاربة عرجاء، ولن توصل إلى نتيجة ناجعة. ولكن إدارة الرئيس بوش تجاهلت حقائق الواقع الفلسطيني السياسي، وحاولت بكل جهد ممكن إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. بعد الحرب على غزة، لم يعد من الممكن التظاهر بأن الأمور تسير في الساحة الفلسطينية كما كانت، وأن بالإمكان التعامل مع إدارة الرئيس عباس وكأنها تمثل كل الكتلة الوطنية الفلسطينية. وهذا هو ما يطلق موسم الاتصالات الغربية مع حماس، علنية وسرية، مباشرة وخجولة مترددة، وواضحة ومحددة في أهدافها، أو غير واضحة ومحددة تماماً بعد.

مشكلة تجاهل القوى الغربية الرئيسة لحماس والانفتاح عليها ليست جديدة تماماً في تاريخ حركات التحرر الوطني، وفي التاريخ الفلسطيني على وجه الخصوص. وبدون الذهاب بعيداً، فلعل من الجدير التذكير بالكيفية التي انتقلت بها منظمة التحرير الفلسطينية من خانة التجاهل الغربي الفادح والتصنيف الإرهابي، إلى الشريك الرئيسي في عملية السلام. في البداية لم تكن الدول الغربية ترى في منظمة التحرير تعبيراً وطنياً مشروعاً؛ وفي المرحلة الثانية، عندما لم يعد ممكناً تجاهل الهوية الفلسطينية، تم إعادة تعريف المنظمة باعتبارها منظمة وطنية تمارس الإرهاب، وتحسب ضمن دائرة النفوذ السوفييتي. والحقيقة، أن السوفييت لعبوا الدور الأهم في ترويض المنظمة، ومحاولة إعادة بناء خطابها وبرنامجها السياسيين. كان الهدف السوفييتي من ذلك ليس إرضاء المعسكر الغربي بالضرورة، ولكن إدخال المنظمة إلى معادلة القوة في الشرق الأوسط، باعتبارها حليفاً يمكن أن تساهم ورقته في تعزيز الأوراق السوفييتية في الإقليم. وقد بدأ ترويض المنظمة كما هو معروف ببرنامج النقاط العشر في 1974، ومن ثم التراجع عن المطالبة بكل فلسطين إلى دولة فلسطينية في المناطق المحتلة منذ 1967. ولكن حتى بعد مبادرة مؤتمر فاس، وبيان نبذ الإرهاب، والاعتراف بقرار مجلس الأمن 242، لم يكن ممكناً لمنظمة التحرير أن تتمتع باتصال مباشر مع وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر أثناء التحضير لمؤتمر مدريد للسلام، وكان على قيادة المنظمة أن تمثل نيابةً بواسطة وفد فلسطيني من المناطق المحتلة. ولم تصبح المنظمة طرفاً مباشراً في مباحثات السلام إلا بعد أن اطمأنت قيادة رابين/ بيريز للنوايا وحجم المطالب الفلسطينية، وفتح بالتالي مسار أوسلو التفاوضي، من خلف ظهر الوفد المفاوض في واشنطن ضمن مظلة مؤتمر مدريد.

المشكلة التي واجهت منظمة التحرير لا تتعلق فقط بحجم النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وهو النفوذ الذي لا يجب أن يعزل عن مدى التقاطع بين المصالح الغربية ونظيرتها الإسرائيلية؛ إذ أن هناك مشكلة من نوع آخر. فالنظام الدولي (المؤسسات والقرارات الدولية، طبيعة وشبكة العلاقات بين الدول، المصالح المترابطة، والتوازنات الإقليمية والدولية)، هو في جوهره نظام يرتكز إلى مفاهيم وقيم ومواريث غربية. ليفتح لك الباب إلى قاعات النظام الدولي لابد أن تنسجم مع هذه المفاهيم والقيم والمواريث، أن تقبل، بكلمة أخرى، بالشروط. وصلت القوى الغربية إلى مرحلة أدركت فيها أن من غير الممكن التقدم بعملية السلام في الشرق الأوسط بدون دور ما لمنظمة التحرير؛ ولكن المنظمة أيضاً كانت قد مضت في طريق شكل هدف الحصول على الاعتراف الدولي (الأورو امريكي) أولى ألوياته. ولم تحصل المنظمة على هذا الاعتراف، في النهاية، بدون الاستجابة للشروط. موسم الانفتاح على حماس لن يختلف كثيراً عن الموسم الطويل الذي عاشته منظمة التحرير من الاتصالات المباشرة وغير المباشرة، السياسية والأمنية، حتى وصلت إلى تقبل الشروط، كلها بلا استثناء. وربما يستشعر البعض اليوم في صفوف حماس تفاؤلاً شبيهاً بذلك الذي عاشته قيادات منظمة التحرير عندما بدا وكأن مندوب الرئيس كارتر في الأمم المتحدة قد صافح المندوب الفلسطيني صدفة؛ أو عندما بدأت وفود البرلمانيين الأوروبيين في التردد على مقار المنظمة في بيروت وتونس؛ أو حتى عندما أخذ ضباط الاستخبارات الامريكية في بناء علاقات شبه دائمة مع أجهزة الاستخبارات الفلسطينية. هذا تفاؤل مبكر جداً. في النهاية لن تحصل حماس على اعتراف أورو امريكي بدون الاستجابة الكاملة للشروط، ليس بالضرورة مرة واحدة؛ بل أن طبيعة الانفتاح وسياسة العصا والجزرة التي تغلفه تجعل هذه الاستجابة تدريجية بالضرورة.

في السياق السياسي المعتاد للمسألة الفلسطينية، وفي سياق التعامل الغربي التقليدي مع دول المشرق وشعوبه، منذ الانقلاب في الوضع الدولي في نهاية الحرب الأولى، ليس ثمة مخرج من هذه الإشكالية. المخرج الوحيد المتاح هو في القفز على الخيارات المطروحة جميعها، في الخروج من دائرة اللعبة بقواعدها السائدة، وطرح خيارات وقواعد لعبة من نوع مختلف. تقوم عملية التسوية منذ السبعينات على تصور الكيانين المنفصلين، أو الدولتين، واحدة لليهود على معظم فلسطين الانتدابية، وواحدة للعرب الفلسطينيين على ما يمكن للدولة العبرية التخلي عنه. ولكن مسار التسوية الذي كان يفترض أن يصل إلى حل الدولتين لم يصل مطلقاً، لأن الدولة العبرية أرادت له ألا يصل حتى تأخذ كفايتها من الأرض. اليوم، لم يعد حل الدولتين ممكناً، اللهم إلا إن قبل الفلسطينيون بإقامة دولتهم في الضفة الشرقية من الأردن. الخروج من سياج اللعبة الدائرة لا يفرضه موقف راديكالي بالضرورة، أو حتى الرغبة في إفساد عملية التسوية. حل الدولتين من أساسه لم يعد ممكناً، سواء كان الفلسطينيون مع نهج التسوية أو ضدها.

بقبولها حل الدولتين، واستدراجها في موسم الانفتاح، ستنتهي حماس إلى ما انتهت إليه منظمة التحرير في مطلع التسعينات، مع فارق جوهري يتعلق بما انكمشت إليه المساحة المتاحة للفلسطينيين في الضفة والقطاع. وهذا ما يتطلب موقفاً شجاعاً، موقفا يستند إلى الحق التاريخي، إلى المشترك الإنساني الشائع، وإلى التجارب الشبيهة بالمشكلة الفلسطينية في جنوب إفريقيا وإيرلندا الشمالية: المطالبة بالدولة الواحدة، والوقوف عند هذا المطلب مهما طال زمن الصراع.

 

' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

 

انشر عبر