شريط الأخبار

عزمي بشارة يكتب: جرائم الحرب.. أفكار حول معنى المحاكمة

10:07 - 24 حزيران / فبراير 2009

 

عزمي بشارة

لن نخوض في هذه المقالة في تعريف جرائم الحرب، ولا في بنود المعاهدات الدولية بهذا الشأن، كما لن نخوض في تعريفات المقاومة ومشروعيتها، وقوانين الحرب عموما، ولا بصلاحيات محكمة جرائم الحرب وأعضائها ومدعيها العام، ولا في الفرق بينها وبين المحاكم الدولية التي تقام خصيصا للمحاسبة على جرائم في بلاد بعينها، كما في حالة الحرب في يوغسلافيا السابقة، فقد كتب الكثير بهذا الشأن، وليس هذا هو الهدف من هذه المقالة. وإنما الهدف هو الإضاءة من زوايا قد تكون غير مألوفة على معنى الاحتكام إلى هذا النوع من القانون الدولي.

 

تستند كل هذه الحالات إلى إرادة دول قوية للمحاسبة، كما تقوم على قدرة دول قوية ذات سيادة قادرة ليس فقط على وضع القانون بل أيضا على تنفيذه حين تشاء.

 

وبهذا المعنى فإن التفكير في القانون الدولي بمفهوم سيادة القانون في دولة ذات سيادة، هو تفكير خاطئ من أساسه. فالقانون الدولي ليس سيّدا ولا يُطبَّق كأنه في دولة ذات سيادة تمتد على مساحة العالم، ولا وجود لسلطة تنفيذية تطبقه سوى الدول القوية. أي أنه لا يستوي بدون سياسة ومصالح سياسية وأهداف سياسية.

 

وليست هنالك مساواة أمام القانون الدولي بموجب مبدأ المساواة أمام القانون المتبع في الدول الديمقراطية، لا نظريا ولا عمليا. من هنا نتابع فنقول:

 

1- تدعي إسرائيل منذ عقود أنها تتعرض لجرائم ضد مدنييها في خضم سياساتها الاحتلالية والمقاومة الفلسطينية ضدها. وتسمى هذه الجرائم بلغتها "إرهابا".

 

ولكننا لم نشهد في يوم من الأيام توجها إسرائيليا للقضاء الدولي. وذلك من قبل الدولة الوحيدة التي قامت بقرار من الأمم المتحدة، أو بموجب ما يحب العرب أن يسموه "الشرعية الدولية". وقد اقتصت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ممن أرادت، وحتى في إطار عمليات انتقامية نفذتها في أوروبا الغربية ذاتها، على أرض دول صديقة لها. وعلى هذا درجت الولايات المتحدة في "حربها على الإرهاب" على الساحة الدولية. وغيرها دول كثيرة.

 

وليس صدفة أنه في حالة غزة مؤخرا، وبدرجة أقل في حالة الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان، تصر المجتمعات والشعوب العربية، وليس الدول على التوجه إلى المحاكم. وينشط في ذلك حقوقيون ونشطاء اتحادات وتنظيمات مدنية، لأن الشعوب العربية تعيش شعورا عميقا بالذل والهوان. وهي تدرك أن دولها عاجزة عن أخذ حقها.

 

وهنالك شعور بالظلم وازدواجية المعايير في القانون الدولي وحتى الجنائي بعد دارفور وبعد مرور المحكمة مرور الكرام على الجرائم الأميركية في العراق.

 

ولا يتوقف الرأي العام العربي عند التفاصيل والتفسيرات، بل هنالك شعور عميق بالظلم يرافقه شعور بعجز الأنظمة. ومن هنا ترتفع التوقعات الشعبية ممن أخذوا على عاتقهم الاقتصاص من المسؤولين الإسرائيليين بالقانون الجنائي إن كان وطنيا في دول منفردة أو دوليا.

 

لم توجد محكمة جنائية دولية في الماضي. ولكن منذ أن وجدت هذه المحكمة قتلت إسرائيل بنفسها على أرض تسيطر عليها أو حتى خارج أراضيها، على أراضي دول أخرى ذات سيادة، لبنانيين وفلسطينيين ممن تتهمهم بالمسؤولية عما تسميه "جرائم"، أو "إرهابا".

 

بعد مخاض طويل امتد منذ قيام النظام الدولي تمأسس القانون الدولي لتنظيم العلاقات بين الدول الغربية في نهاية القرن التاسع عشر وطيلة القرن لعشرين.

 

وفيما يتعلق بقضايا مثل جرائم الحرب، وقوانين الحرب، وحقوق أسرى الحرب، ومنظمة الصليب الأحمر وحقوقها، وحق المقاومة فقد كانت كلها نابعة من تجربة الحروب بين الدول الأوروبية، إن كان ذلك في الحربين العالميتين في أوروبا ذاتها، أو في المستعمرات أو حتى في حالات ملتبسة في أفريقيا مثلا كما في حالة حرب البوير وغيرها.

 

ولم نسمع خلال تلك الفترة الطويلة عن احترام حق شعوب العالم الثالث في مقاومة الاحتلال، ولا سمعنا عن جرائم حرب ضدهم، ولا عن حقوقهم كأسرى، فقد كانت الدول الغربية تتبادل أسراها هي لا الأسرى من الأفارقة أو الآسيويين، الذين لم يتمتعوا بأي حقوق.

 

وفي الفترة المعاصرة لم نسمع عن محاكمة مسؤول أميركي واحد بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بعد إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما ونغازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية بقرار رسمي وبقصد التسبب بأكبر كم من القتل والدمار مع سبق الإصرار والترصد. وقد كانت تلك جريمة ضد الإنسانية تضاهي ما قام به النازيون ضد شعوب أوروبية.

 

لقد قام القانون الدولي بشأن قوانين الحرب وجرائم الحرب وأسرى الحرب وغيرها، في إطار ما يمكن تسميته حربا أهلية أوروبية، وحتى في أوروبا ذاتها طبقت ضد الطرف المهزوم فحسب. أما الطرف المنتصر فلم يحاسب في يوم من الأيام.

 

وما زال القانون الدولي بموجب هذا التقليد، وبموجب الواقع الدولي لا يحاسب دولة غربية، خاصة إذا خرجت منتصرة من الحرب. فلم يحاكم أميركي واحد بتهمة ارتكاب جرائم حرب لا في فيتنام ولا في العراق ولا غيرها.

 

وينطبق هذا على كافة جرائم الاستعمار بأشكاله الأقدم، والاستعمار الصهيوني الأحدث. كما ينطبق على الدول الكبرى مثل الصين، التي ترفض أن تُطبَّق عليها مثل هذه القوانين.

 

فقط في النصف الثاني من القرن العشرين أصبح الفقه القانوني الدولي معمما قيميا ونظريا ليشمل شعوبا غير بيضاء وغير أوروبية، أو غير أوروبية الأصل.

 

2- يعني خضوع حركة تحرر للقانون الدولي الشكلاني أنها تضحي بالمضامين التحررية لصالح شكليات قانونية ليست لديها حتى القدرة على تنفيذها، أي أنها تضحي بالحق الطبيعي في التحرر وضرورة تأسيسه على قوة قادرة على تحقيقه والدفاع عنه لصالح مبادئ قانون دولي لم تعدّ من أجلها، وليست لديها القدرة على التحكم بها. وهي على أية حال تصبح غير قادرة أصلا على تنفيذها حالما تنازلت عن عناصر قوتها هي.

 

القانون الدولي يعترف بدول. أما حركات التحرر فلا يعترف بها. وإذا اعترف بها دون أن تحصل مكانة وسيادة الدولة، فسوف يلقي عليها واجبات الدول دون الحقوق التي تتمتع بها الدول. لأن الواجبات يفرضها الآخرون، أما الحقوق فيجب أن يفرضها صاحب الحق، أو يكون رهينة لمشيئة الآخرين.

 

وقد فتحت محكمة الجنايات الدولية بابا جديدا لم يكن قائما في السابق انطلاقا من ضرورة معاقبة أفراد ارتكبوا جرائم في حالة الحرب. وقد كان المنطلق جرائم ارتكبت في غياب الدولة وغياب أجهزة قضائية تحاسب على المذابح في رواندا وبوروندي وغيرها.

 

نقطة قوة هذه المحكمة هي نقطة ضعفها. فالقانون الجنائي يحاسب أفرادا ويحملهم مسؤولية فردية. وبالتالي يحقق أثرا رادعا على الأفراد الذين ينفذون وأولئك الذين يصدرون الأوامر.

 

والاحتكام إليه لا يتطلب تنازلا عن مبادئ أو القبول بقانونية كيانات غير معترف بها، ولا يتنازل عن حق المقاومة. كما أن في هذه الحالة ليست هي المدعي، بل هنالك نوع من "حق عام" دولي افتراضي يجسده المدعي العام، في حين أن المدعى عليه هو مسؤولون عسكريون أو سياسيون بصفتهم الفردية كمجرمين يتحملون مسؤولية أفعالهم لا كدول.

 

ولكن نقطة الضعف هي أنه لا يسري حيث يوجد قضاء محلي قادر على المحاسبة، وهذا ما تدعي وجوده غالبية الدول الغربية، بما فيها إسرائيل، شكليا على الأقل. فهي تحاكم المسؤولين فيها شكليا وتبرئهم لانعدام الأدلة، أو تغير طبيعة التهمة في صفقة مع الادعاء أو تتسامح قوانينها أصلا مع سقوط ضحايا مدنيين أثناء أداء الواجب.

 

أما نقطة ضعفه الأهم بالنسبة لحركة مقاومة فكامنة في أن القانون الجنائي لا يفرق بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، فهو يتعامل مع أفراد ارتكبوا جرائم. وقد ثبت مؤخرا أنه حتى المنظمات الحقوقية الدولية تواجه مشكلة بموجب منطقها الشكلي في التفريق بين جريمة مستمرة تتمثل في عنف الاحتلال، والرد المتقطع والاستثنائي عليه المتمثل في عنف المقاومة.

 

وما يجعل القانون الجنائي الدولي يحاسب ضابطا إسرائيليا قد يدفعه لمحاسبة قائد مقاومة فلسطيني على قتل مدنيين إسرائيليين أثناء مقاومة الاحتلال.

 

وما يمنع ذلك هو فقط حقيقة أن إسرائيل تدعي أنها قادرة على أخذ حقها بيدها. هي تبحث عن "الفاعل" وتخطفه وتحاكمه أو تغتاله وتغتال كل من يقطن المبنى نفسه بقنبلة تزن طنا إذا لزم الأمر.

 

3- إذا تخطينا هذه الحواجز، فلا بد عند التوجه إلى القضاء الجنائي من التعامل مع القضايا التالية:

 

أ- ضرورة أن يتم التحضير والتنسيق بين الجهات التي تحضر هذا الملف بشكل لا يجوز فيه الخسارة. فالشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى أن تقوم هيئة دولية بتبرئة إسرائيل من جرائم الحرب لأسباب فنية أو شكلية بعد أن توجه إليها، وبعد أن منحها الشرعية بتوجهه هذا.

 

ب- ضرورة التعامل مع كافة الشكليات كما هي معطاة. من يذهب إلى المحكمة يذهب بموجب قواعدها، وذلك لكي يربح المحكمة وليس ليخسرها. وهذا يعني أن يقدم الأدلة والطعون التي يمكنه إثباتها وتأكيدها، ويتنازل حتى عن تلك الادعاءات القوية والهامة والتي يعلم علم اليقين أنها صحيحة، ولكنه لا يستطيع إثبات صحتها بلغة المحاكم.

 

ج- يجب التمييز بين المعركة والمجزرة، وبين المدنيين الذين قتلوا عند استهدافهم بالقصف أو عند القصف مع العلم التام بوجودهم، والمقاتلين الذين سقطوا في المعركة. بالعربية كلهم شهداء، وهذا صحيح، وهم كذلك أيضا بمنطق السياسة والأدب. ولكن بلغة المحاكم يجب التمييز.

 

ولا بأس بالتمييز فمن الخطأ مثلا أن نعتبر معركة بطولية خاضتها المقاومة مجرد مجزرة. فلا بأس أن يفخر شعب بنضاله في حالات، وهي حالات لا يصح التوجه بها إلى المحكمة كأن المقاتلين الشجعان هم ضحية مجزرة. يصعب توخي الدقة هنا لأنها تتناقض مع الوعي اليومي والعاطفة والثقافة السائدة.

 

لقد ارتكبت إسرائيل مجازر بحق السكان يجب عزلها بمبضع جراح، رغم الألم، وإثبات وقوعها وربط المسؤولية عنها بأفراد سياسيين وعسكريين إسرائيليين.

 

د- القضية الجنائية هي قضية جرم. يجب أن تُستكمل عناصر الجريمة في تعريف الفعل ذاته وتوفر الدافع والأدوات، ويجب أن تساق الأدلة، والتمييز بين الظرفي وغير الظرفي بينها.

 

4- في حالة إسرائيل يجب أن يثبت من تصريحات السياسيين والعسكريين وثقافتهم وأدبياتهم والأجواء السائدة أن استهداف المدنيين إما أن يكون مقصودا للعقاب ولأهداف سياسية، أو تتوفر لديهم معرفة أن المدنيين سوف يتضررون بشدة من اتخاذ خطوة حربية ما، ومع ذلك يتم اتخاذها وارتكاب الفعل.

كما يجب أن يثبت أن القضاء الإسرائيلي الذي ساهم الفلسطينيون في الأراضي المحتلة في منحه مصداقية بالتوجه إليه باستمرار، هو قضاء لا يعاقب على جرائم الحرب (من تغريم الآمر في حالة مذبحة كفرقاسم قرشا كعقوبة على المجزرة، وحتى جرائم الحرب المرتكبة في الحروب وفي المناطق المحتلة وآخرها الحربان العدوانيتان على لبنان وعلى غزة).

 

هنا ننتقل إلى النقطة الأخيرة. لا تستحق المحاكم الدولية الذهاب إليها في الظرف الدولي الراهن، الذي يساوي في أفضل الحالات بين المجرم والضحية وغالبا ما يلوم الضحية، إذا كان هذا الذهاب مرهونا بالتنازل عن مواقف سياسية تمنح شرعية لإسرائيل أو يتم فيها التنازل عن حقوق المقاومة والتحرر.

 

ولكن المحكمة الجنائية مَنْفَذ، لأنها تحمِّل الفاعلين المسؤولية الفردية ولا تتعاطى مع الكيان السياسي ذاته، ولا يترتب عنها أي اشتراطات سياسية على من يتوجه إليها، اللهم إلا تبعات الاعتراف بها عند اتخاذ موقف من المحكمة في مناطق أخرى مثل العراق ودارفور.

 

وبالعكس يجب أن يقوم الادعاء على أن ضحايا إسرائيل المدنيين ليسوا عوارض جانبية تتأتى عن مجرد قصف المقاتلين. ويجب العودة إلى تاريخ الجريمة الإسرائيلية، وحتى ثقافة الجريمة والمذبحة في معاقبة السكان الأصليين وتلقينهم درسا على احتضان المقاومة أو حتى لغرض التهجير.

 

كما يجب أن يقوم العمل الحقوقي المكثف على رفض الادعاء أن إسرائيل دولة منظمة لم ينهر فيها النظام القضائي، وأنها قادرة على محاسبة المسؤولين. ففي حالة الأمن والحرب أثبت القضاء الإسرائيلي أنه جزء من آلية القمع والاحتلال، وأن أجهزة الأمن لا تحاسب مجرميها لئلا تمس بدوافعهم القتالية.

 

5- لا يتوقعن أحدٌ مساهمةً جدية من قبل النظام الرسمي العربي بشأن جرائم الحرب المرتكبة حتى بحق مواطنيه. ففي حالة الحرب اعتقدت الدول العربية أنه فيما عدا التوجه الروتيني لمجلس الأمن تجري الأمور في الحرب كما في الحرب، وأن عليها أن تقتص من إسرائيل بالحرب ذاتها وليس بالبكائيات.

 

وحين انتقلت الدول العربية إلى التسوية ومبادرات السلام، نشأ انطباع أن هنالك تناقضا بين اتهام حكام إسرائيل بأنهم مجرمون وبين صنع السلام معهم.

 

ولذلك نلاحظ أن الرسميين العرب إذا ذكروا الجرائم فإنما يذكرونها بخجل وتحفظ بالعربية، ولكن يصعب عليهم إبداء الموقف من مجرم الحرب في سلوكهم. فمن يُتَّهم بجريمة حرب لا يندفع موجهو التهمة لاعتباره شريك سلام بعد حرب لبنان، ناهيك عن عدم اتخاذ حتى المسافة الجسدية اللازمة رصانة حين التعامل مع من يعتبرهم القادة مجرمي حرب، لو صح أنهم يعتبرونهم فعلا مجرمين وأن هذا الأمر يهمهم.

 

وطبعا هذا السلوك العربي المزدوج لا يساعد كثيرا على الحلبة القضائية، فلا يصح عند اتهام مسؤول بجريمة حرب أن يرافق الاتهام أخبار مكثفة عن زيارات ومصافحات واستقبالات ومؤتمرات سلام. فالعالم ليس غبيا، وهو يبحث باستمرار عن شاهد كفيل لإسرائيل.

__________________

 

مفكر عربي

انشر عبر