ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

لا زلت أذكر الشهيد القائد/ رائد أبو فنونة شاباً يافعاً ومتحدثاً فصيحاً يهز بصوته قاعة الشيخ/ محمد عواد بجامعة الأزهر بغزة ويلقي خطاباً في حضرة حشدٍ كبيرٍ من قادة الحركة وكوادرها وأساتذة الجامعة وطلبتها وذلك خلال مهرجان تأبين الشهيد المؤسس/ د. فتحي الشقاقي التي نظمته الجماعة الإسلامية الإطار الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي في حينه (الرابطة الإسلامية حالياً) في عام 1995م، حيث كان الشهيد/ رائد في المرحلة الأخيرة من دراسة البكالوريوس في كلية الزراعة بجامعة الأزهر.

عمل الشهيد/ رائد أبو فنونة بعد تخرجه مهندساً زراعياً في وزارة الزراعة، وواصل رحلته العلمية في خضم الدراسات العليا "الماجستير" التي حالت الشهادة دون الحصول عليها، رغم ما رافق هذه المرحلة أيضاً من اعتقالاتٍ من ذوي القربى، هذه الرحلة التعليمية لم تمنع الشهيد أبو عماد من الاستمرار في العمل بالجهاز العسكري للحركة خلال تلك السنوات، فلم يكن يقطعه عن هذا العمل الجهادي سوى الأسر نتيجة له.

بداية الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) سلط الشهيد أبو عماد تركيزه على تخريج عديد الكوادر العسكرية خلال دوراتٍ متفرقة تستهدف الجانب العسكري والميداني والتثقيفي والتدريبي، فقد كنت شاهداً على الأفواج العديدة التي خرجها الشهيد أبو عماد في بعض الساحات العامة شرق غزة قبل انسحاب الاحتلال من غزة وكذلك في محررة نتساريم وسط غزة بعد ذلك الانسحاب، والتي تمكن الشهيد أبو عماد من تدريبها بحرفيةٍ عاليةٍ في أوضاع قتالٍ وبيئاتٍ مختلفة وترجمة ذلك بمناورات ميدانية عالية الدقة، إضافة إلى جهد الشهيد أبو عماد فيما يتعلق بالمتابعة المستمرة لخريجي هذه الدورات حفاظاً على مكتسباتها بما يشمل الجوانب التربوية والثقافية، فقد حرص بشدة على متابعة إخوانه المقاتلين في المساجد ومدى التزامهم بصلاة الجماعة وخاصةً صلاة الفجر.

وقد اتصف الشهيد القائد أبو عماد بالحنكة العسكرية فقد قسم العمل الجهادي إلى وحدات مختلفة (مثل وحدة التصنيع، الإعلام، الأمن، التدريب، التثقيف، الوحدة الصاروخية) ، وقد امتلك النواة الأولى لجيشٍ نظاميٍ متكامل تشمل كافة الجوانب.

 فالشهيد أبو عماد تبنى سياسة قصف مستوطنات غلاف غزة بمئات الصواريخ مستغلاً عمله في المناطق الزراعية الشرقية المحاذية لفلسطين المحتلة لتدوين الملاحظات على البنية الجغرافية لتلك المناطق وتحركات العدو ونقاط القوة والضعف فيها، حيث تمكنت المقاومة وعلى رأسها سرايا القدس من جعل هذه المنطقة غير صالحةٍ للحياة، فلا يكاد يمضي بنا يومٌ إلا وصواريخ المقاومة تدك أرضنا المحتلة، ولقد شعر المحتل الصهيوني بخطورة الشهيد أبو عماد ومجموعته، فقرر اغتيالهم، ورغم ما عرف عن الشهيد القائد أبي عماد من حسٍ أمنيٍ كبير، فلم يكن يحمل الهواتف النقالة ولم يكن يستقل السيارات الخاصة، إلا أن آلة الغدر الصهيونية قد وضعته داخل دائرة المتابعة الدقيقة، وقد تم رصده صبيحة يوم 27 يونيو 2007 أثناء توجهه إلى مكان عمله مشياً على الأقدام، حيث استهدفته سيارة مفخخة كانت موضوعة على جانب الطريق بالقرب من مفترق الشجاعية ليلقى الله –سبحانه وتعالى- شهيداً بإذنه تعالى.

لقد عرفت الشهيد القائد أبو عماد خير المعرفة، وجمعتني به لقاءاتٌ أسبوعيةٌ دورية نتحدث فيها عن الآمال والطموحات وما حققه من نجاحاتٍ وما يواجهه من صعوباتٍ على وجبة إفطار بسيطةٍ من الفلافل الغزي والخبز الطازج وبعض الملح، فهو سليل عائلةٍ مجاهدة قدمت أبنائها في سبيل الجهاد والمقاومة، فجده الذي التقيت به في مكان عملي منتصف الثمانينات تعرض للاعتقال لسنواتٍ، وكذلك أعمامه وعلى رأسهم عمه الأخ الأسير المحرر/ وائل أبو فنونة "أبو مكين" الذي أمضى في غياهب السجن أكثر من 25 عاماً على مرتين ، كما تعرض بعض أشقاء الشهيد للأسر والبعض الآخر منهم يعاني من إصابةٍ بليغة في الساق تعيق حركته نتيجة عمله الجهادي، وسبقه إلى الشهادة أخيه الشهيد/ عماد أبو فنونة عام2003 في عمليةٍ استشهادية لسرايا القدس. ووالد زوجته هو الشهيد القائد أبو الحسن الزطمة أحد أبرز قادة سرايا القدس، وللمفارقة فقد حدثني الشهيد عن دور السيدة زوجته في مساندته وتجهيز أغراضه الخاصة بالعمل ودعائها له بالتوفيق والسداد.

رحم الله الشهيد القائد أبو عماد الذي رحل إلى جوار ربه ولم يساوم وقدم شهادته الواعية على المرحلة وأربك الاحتلال الصهيوني ولم يتردد يوماً وبقي على عهد الجهاد والمقاومة وعهد فلسطين مؤمناً بأن لا طريق لفلسطين إلا عبر فوهة البندقية المزينة بآيات القرآن الكريم وأن المقاومة هي القادرة على تحرير فلسطين حتى لقي ربه شهيداً بإذن الله.