شريط الأخبار

عطلة هادئة .. هآرتس

02:33 - 20 حزيران / فبراير 2009

بقلم: تسفي بارئيل

مراسل الصحيفة للشؤون العربية

"عليكم ان تفهموا الجانب التاريخي للعلاقات بيننا. فنحن الاتراك لا يزال عندنا مفهوم عثماني للمنطقة، وبموجبه العلاقات مع اسرائيل اكثر طبيعية وصحة من العلاقات مع الدول العربية"، هكذا قال هذا الاسبوع لـ "هآرتس" عضو في مجلس الامن القومي في تركيا، في اعقاب التوتر المتصاعد بين الدولتين.

"الخيانة التاريخية للعرب للامبراطورية متجذرة في وعينا. كما أن الخصومة الثقافية مع ايران هي جزء من التعليم غير الرسمي الذي نجتازه. اسرائيل واليهود هم حلفائنا الوثيقين"، اضاف يقول. وهو خائب الامل من الهوة التي هبطت اليها العلاقات بين الدولتين ويتمسك، كملجأ أخير، بالاسس التاريخية التي قامت عليها العلاقات بين تركيا واسرائيل.

في اسرائيل، بالمقابل، لا اهمية للتاريخ. اختبار جودة العلاقات مع تركيا هو التحالف العسكري الذي وقع معها في العام 1996 وتلقى هذا الاسبوع هزة شديدة. العلاقات العسكرية تتضمن تدريبات مشتركة مع الجيش التركي، الجيش الامريكي بل واحيانا الجيش الاردني، استخدام الاجواء التركية لتدريبات سلاح الجو الاسرائيلي، التعاون الاستخباري في مجال مكافحة الارهاب، شراء طائرات صغيرة بدون طيار، ترميم دبابات للجيش التركي، تطوير طائرات اف 4 وتزويدها بصواريخ اسرائيلية، بيع منظومات الكترونية متطورة للجيش التركي وليس أقل اهمية، علاقة حميمة وعاطفة، شبه اسرية، بين كبار رجالات الجيش التركي ونظرائهم في الجيش الاسرائيلي.

حتى هذا الاسبوع اعتبر التحالف العسكري اساسا صلبا ومستقرا للغاية في العلاقات بين اسرائيل وتركيا. عندما أخرت اسرائيل في العام 2003، لاسباب سياسية داخلية، التوقيع على اتفاق شراء الماء من موقع منوجات التركي، هددت تركيا بتجميد مشاريع عسكرية اسرائيلية. غير أن التهديد بتجميد صفقات مع اسرائيل لم يكن ابدا حقا على جدول الاعمال. "احد ما في حكومة رجب طيب اردوغان ظن ان بوسعه استخدام هذا التهديد. شرحنا له بان بوسعه أن يقول ما يريد أن يقوله ونحن، أي جهاز الامن التركي، سنفعل ما نحتاجه"، قال في حينه لـ "هآرتس" مسؤول كبير في مجلس الامن القومي في تركيا.

هذا الاسبوع كان يبدو بان الجيش ايضا تجند في صالح اردوغان. ذات الجيش الذي كاد في الصيف الماضي يسقط الحكومة حين بادر الى دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء ونحو 70 عضوا في البرلمان على خلفية قانون الحجاب، اعلن هذا الاسبوع بان تصريحات قائد الذراع البري، اللواء آفي مزراحي، ضد تركيا ورئيس وزرائها "من شأنها أن تمس بالعلاقات بين الدولتين". مزراحي، كما نشر في "هآرتس" انتقد تصريحات اردوغان المنددة باسرائيل بقوله: "افحص نفسك أولا".

مصادر في وزارة الدفاع الاسرائيلية وان كانت افادت "هآرتس" بانه لا يوجد صفقات جديدة تحتاج الى مصادقة الحكومة التركية، والصفقات السابقة تعمل بانتظام. وعليه، ففي هذه اللحظة لا يوجد سبيل في اختبار التصريح التركي، ولكن الخوف هو مما سيأتي.

تركيا، التي تحتفظ باحد الجيوش الكبرى في العالم، والذي يضم اكثر من 700 الف جندي بميزانية سنوية نحو 12 مليار دولار، هي دولة تستهلك معدات عسكرية وتكنولوجية بكميات هائلة.

اسرائيل، التي تصدر الى تركيا بضائع وخدمات قيمة نحو مليار دولار ونصف في السنة، وتستورد منها بحجم اكثر من مليار دولار، لا يمكنها أن تكتفي بالنظر الى الارهاب الجافة هذه كي تقرر مدى الضرر او الربح المرتقب لها من تغيير طبيعة العلاقات معها. فلا يدور الحديث فقط عن مساعي الوساطة بين اسرائيل وسوريا، استعداد الاتراك للاستثمار في مشاريع في المناطق، مشاركتها المتوقعة في الرقابة على معبر رفح او مساعي المصالحة بين حماس وفتح. للمساهمة في انقاذ المنطقة من الازمة.

تركيا هي الدولة الاسلامية الوحيدة التي ترى في التهديد النووي الايراني خطرا فوريا، بالضبط مثل اسرائيل. وفي نفس الوقت، فان هذه هي الدولة الاسلامية الوحيدة التي يمكنها أن تقيم علاقات تجارية وتعاون سياسي ممتاز مع ايران، سوريا، العراق واسرائيل، دون ان تشترط أي منها علاقاتها مع تركيا بقطع العلاقات مع الاخرى. وبذلك يمكن لتركيا أن تشكل دولة اتصال غير رسمي بين دول الخصام بينها يبدو خالدا. ولكن الاهم من ذلك هو المفهوم الاستراتيجي الذي تعزوه تركيا لنفسها: مفهوم دولة عظمى، تحرص على امن دول المنطقة ودور في ما يجري في الشرق الاوسط، في البلقان، في القوقاز، في افريقيا وفي الدول الاسلامية.

وبصفتها هذه فانها تأخذ لنفسها حرية ادارة سياسة مستقلة تجاه ايران وعقد الاتفاقات معها لتوريد النفط والغاز حتى عندما توبخها واشنطن. وهي تلتقي مع قادة حماس وتحدث تقلصات بطن في اسرائيل، هي الصديق القريب للباكستان وفي الاسبوع الماضي هي ايضا عقدت حلف صداقة مع السعودية.

اسرائيل، التي تطلعت دوما الى الدفاع عن نفسها من خلال حزام غير عربي حولها، ضم ايران، تركيا واثيوبيا، يمكنها ان تقرر بانها تفضل الشعور باهانة اردوغان وتدهور العلاقات مع تركيا في منحدر سلس. حكمة استراتيجية كبيرة، مع ذلك لا توجد هنا.

انشر عبر