شريط الأخبار

أصداء قضية الجاسوس اللبناني علي الجراح تتردد في لبنان بعد كشفه من قبل "حزب الله"

01:09 - 20 تموز / فبراير 2009

فلسطين اليوم – وكالات

نشرت صحيفة "انترناشونال هيرالد تريبيون" في عددها الصادر الخميس تحقيقا صحافيا بعث به مراسلها من بلدة المرج اللبنانية روبرت وورث، وشارك في اعداده الصحافيان هويدا سعد من بيروت وايتان برونر من اسرائيل. وقالت الصحيفة ان علي الجراح تمكن لخمسة وعشرين عاما ان يعيش على جانبي اكثر الاراضي المقسمة مراراة في هذه المنطقة. وكان بالنسبة الى اصدقائه وجيرانه مناصرا قويا للقضية الفلسطينية، رجلا دمثا أشيب الشعر مخلصا لعائته يعمل اداريا في احدى المدارس القريبة. اما بالنسبة الى الاسرائيليين فيبدو انه كان جاسوسا بارزا، يرسل تقارير ويلتقط صورا سرية للجماعات الفلسطينية ولـ"حزب الله" منذ العام 1983. وهو يقبع الآن في زنزانة في سجن لبناني اذ تتهمه السلطات اللبنانية بخيانة بلاده لصالح دولة معادية. وما زال اصدقاؤه وزملاؤه السابقون بعد اشهر من القاء القبض عليه في حال من الصدمة لهول عمليات الخداع التي قام بها: الرحلات الخارجية التي اتسمت بالسرية الفائقة، والاموال النقدية التي لا يمكن تفسير مصدرها، والزوجة الثانية السرية.

ويقول المحققون اللبنانيون انه اعترف بسيرة حياة من التجسس المذهلة في نطاقها وطول مدتها، كما لو انها قصة حقيقية لاحدى شخصيات مؤلفات كاتب القصص الشهير جون لاكيريه. وتتردد اشاعات بان عملاء عديدين للاستخبارات يعملون في خضم الفوضى المدنية في لبنان، غير ان عملية اعتقال الجراح وضعت في دائرة الضوء عالم التجسس والحركات الهدامة التي تعمل عادة تحت غطاء من السرية.

 

وتقول زوجة الجراح الاولى انه تعرض للتعذيب، وانه بريء وان طلبات زيارته رفضت.

 

وقال المحققون ان الجراح (50 عاما) قام بزيارة سوريا مرارا من قريته في وادى البقاع وبزيارة الجنوب اللبناني ليلتقط صورا للطرقات والقوافل التي كانت تنقل الاسلحة الى "حزب الله". وكان يتصل مع الطرف الاخر عبر هاتف ساتلايت، ويتلقى مبالغ مالية وآلات تصوير واجهزة تنصت. واحيانا كان يسافر الى بلجيكا وايطاليا بدعوى القيام بعمليات تجارية، وقد حصل على جواز سفر اسرائيلي وسافر الى اسرائيل حيث خضع لتدريب موسع، حسب قول المحققين.

 

وقال المحققون ايضا انه في بداية حرب العام 2006 بين اسرائيل و"حزب الله" اتصل مسؤولون اسرائيليون بالجراح ليؤكدوا له ان قريته لن ينالها التخريب وان عليه ان يظل داخل منزله.

 

واخيرا القى "حزب الله" القبض عليه في تموز (يوليو) الماضي، ولعل الحزب يتمتع بافضل جهاز استخبارات في لبنان. وقد سلمه الحزب الى الجيش اللبناني مع شقيقه يوسف الذي اتهم بمساعدته في اعمال التجسس، وينتظر محاكمته امام القضاء العسكري اللبناني.

 

ويوافق عدد من المسؤولين العسكرين الحاليين منهم والسابقين على الكشف عن تفصيلات قضيته بشرط عدم الكشف عن هويتهم، قائلين انه غير مصرح لهم ببحثها قبل بداية المحاكمة. وتتفق بياناتهم مع التفاصيل التي تقدم بها اقارب الجراح واصدقاؤه القدامى.

 

وقد رفض الناطق بلسان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت مارك ريغيف بحث قضية الجراح قائلا انه "ليس من عادتنا ان نتحدث علنا عن الادعاءات في هذه الحالة او اي حالة اخرى".

 

اما القرويون فقد بدا انهم مذهولون لان رجلا عرفوه طيلة حياتهم يمكن ان يقبل المال للتجسس لصالح بلد يشعرون بالكراهية تجاهه. وان كان كثيرون يقولون انه بريء. غير ان الطبيب الفلسطيني الذي تعلم معه في المدرسة لسنوات رجا مصلح يقول انه ليس بريئا.

 

وقال مصلح: "لم اشك قط فيه. اما الان فان ترابط الاحداث معاً يجعلني اشعر انه مذنب 100 في المئة".

 

واضاف: "كان يتحدث عن القضية الفلسطينية كل الوقت، وكيف انه يؤيد القضية، وانه يدعم الشعب الفلسطيني، وانه يحب الجميع..ابن الكلب"، قالها بصوت مليء بالاحتقار.

 

كان الجراح يقترض ثمن السجائر احيانا، كما لو ان مصادره المالية شحيحة. الا ان المحققين يقولون انه تلقي اكثر من 300 ألف دولار عن عمله من اسرائيل.

 

ولم يبدأ الا اخيراً في صرف الاموال بطريقة تثير الشبهات. اذ قال جيران له انه قبل حوالي ست سنوات قام ببناء فيلا من ثلاثة طوابق كانت افخم المنازل في تلك القرية المتواضعة التي تتكون مساكنها من بناء اسمنتي منخفض الارتفاع. وفي الجزء الخارجي من المنزل ممر صغير مسقوف وعند مدخله بوابة حديد قوية، وفي الايام الاخيرة كان هناك كلب من نوع "جيرمان شيبرد" يحرس المنزل.

 

سأله مصلح من أين جاء بالمال، فقال انه حصل على معونة من ابنته التي تعيش في البرازيل. وهو تفسير طبيعي في لبنان حيث يحصل قطاع كبير من السكان على دفعات مالية من اقارب لهم في الخارج.

 

كما ان الجراح اتخذ لنفسه زوجة ثانية سرا، حسب قول المحققين واصدقائه القدامى. وخلافا لزوجته الاولى مريم سموري الجراح التي عاشت في بحبوحة من العيش نسبيا مع اطفالها الخمسة في بلدة المرج، فان الزوجة الثانية عاشت في شقة متواضعة في بلدة المصنع قرب الحدود السورية. ويبدو ان هذا الترتيب سمح للجراح ان يصل الى موقع قريب من الحدود (السورية) على هيئة رجل عامل من البلدة.

 

وقال الجراح ان ضباطا اسرائيليين جندوه بعد سجنه في اسرائيل العام 1983، أي بعد عام من بدء اسرائيل لعملية الغزو الكبيرة على لبنان، وفق ما تسرب من المحققين. وقال الجراح ان الاسرائيليين عرضوا عليه دفعات مالية منتظمة مقابل تزويدهم بمعلومات عن المسلحين الفلسطينيين وتحركات القوات السورية.

 

وبعد انسحاب اسرائيل من لبنان العام 2000، مثل الاف من اللبنانيين من المناطق المحتلة في الجنوب اللبناني أمام المحاكم اللبنانية وصدرت بحقهم احكام قضائية – معظمها احكام بسيطة بالسجن – لتعاونهم مع اسرائيل.

 

وتقول الصحيفة ايضا انه بعيدا عن الحدود، كان هناك صنف مختلف من المتعاونين زرعوا داخل مجتمعاتهم وبقوا فيه ولم يقبض الا على القليل منهم وصدرت احكام ضدهم.

 

غير ان دوافع الجراح ظلت غامضة. اذ قال انه حاول ان يتوقف الا ان الاسرائيليين لم يسمحوا له بذلك، حسب قول المحققين.

 

وكانت النهاية في صيف العام الفائت. عندما ذهب في زيارة الى سوريا في تموز (يوليو)، وقد احتجزته الشرطة السورية لفترة قصيرة، حسب قول الزوجة الاولى التي قالت ايضا انه بدا غير مرتاح على الاطلاق وعلى غير عادته.

 

واضافت انه غادر المنزل تلك الليلة قائلا انه سيتوجه الى بيروت، ولكنه لم يعد. وبعد ثلاثة اشهر تلقت مكالمة من الجيش اللبناني يبلغها انه محتجز لديهم.

 

وقالت انه سمح لها بعد اسابيع قيلة بزيارته، وبدا في حالة مزرية كما بدت عليه علامات الارهاق.

 

ونشرت قوى الامن اللبنانية صورة لعلي الجراح التقطت له قبل القاء القبض عليه. ويبدو في الصورة على خلفية زرقاء وبيضاء وهو يرتدي قميصا اسودا وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة.

 

انشر عبر