شريط الأخبار

فوز «الليكود» اختبار مبكر لأوباما ..حسن نافعة

09:33 - 18 تموز / فبراير 2009

اعتاد العرب أن يتطلّعوا إلى كل رئيس أميركي جديد يدخل البيت الأبيض آملين أن يكون اكثر استعداداً من سلفه لوضع قضايا الشرق الوسط في مقدم اهتماماته، وأكثر إنصافاً عند تعامله مع ملف الصراع العربي - الإسرائيلي! لكنهم سريعاً ما يدركون أن كل رئيس أميركي جديد، حين يصبح جاهزاً للتعامل مع هذا الملف، هو أكثر من سلفه انحيازاً لإسرائيل! فالوثائق المتاحة تثبت أن كل رئيس أميركي جديد كان يجد في انتظاره دائماً من يهمس في أذنه محذراً من انغماسه المبكر في البحث عن تسوية للصراع العربي - الإسرائيلي، حتى لا يعرّض فرصة إعادة انتخابه للخطر! وعندما تأتي الولاية الثانية ويحين موعد التعامل الجدي مع الملف المؤجل، تكون الانتخابات التالية أصبحت على الأبواب، ويصبح الرئيس المنتهية ولايته مطالباً بعدم اتخاذ أي موقف قد يؤثر سلباً على مرشح الحزب الذي ينتمي إليه، وهكذا يجد نفسه في النهاية مضطراً لأن يثبت للوبي الصهيوني الواسع النفوذ أنه الأكثر ولاء لإسرائيل.

هذا النمط من السلوك، الذي جعل العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تدور في سلسلة لا تنتهي من المزايدات الانتخابية التي أسهمت في تعنت الموقف الإسرائيلي، يبدو أنه لم يعد قابلاً للاستمرار، وذلك لسببين:

الأول: نوعية القيادة الأميركية الجديدة. فأوباما ليس رئيساً تقليدياً وإنما هو رئيس استثنائي حملته إلى السلطة ظروف استثنائية بعد أن وصلت الإمبراطورية الأميركية إلى نهاية طريق. وبات على أي إدارة أميركية تتولى مسؤولية القيادة في ظروف كهذه أن تشرع على الفور في عملية تغيير جذري. ومن الطبيعي أن تصبح السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً ما يتعلق منها بالصراع العربي - الإسرائيلي، جزءاً من عملية التغيير هذه.

الثاني: حمق إسرائيلي أدى إلى نتائج غير مقصودة. فقد اتخذت حكومة إسرائيل قراراً بشن حرب واسعة النطاق على قطاع غزة استهدفت، ضمن أشياء أخرى كثيرة، استئصال «حماس»، ووضع إدارة أوباما بالتالي أمام واقع جديد. غير أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها، خصوصاً ما تعلق منها بإنهاء دور «حماس»، ومنحت أوباما فرصة المبادرة الى تعيين مبعوث خاص له في الشرق الأوسط. وليس هذا بالقطع ما كانت تسعى إليه إسرائيل، خصوصا أن المبعوث الجديد هو جورج ميتشل الذي سبق أن طالب إسرائيل رسمياً بوقف الاستيطان!

كان الاعتقاد السائد قبل ارتكاب إسرائيل مجزرة غزة أن الصراع العربي - الإسرائيلي لن يدرج مبكراً على جدول أعمال إدارة أميركية تبدو مستغرقة بالكامل في معالجة الأزمة المالية الخطيرة. غير أنني كنت أشعر منذ شهور طويلة أن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تتجه نحو مفترق طرق، وأن رياح التغيير لن تلبث أن تهب عليها بقوة، خصوصاً إذا فاز أوباما بانتخابات الرئاسة الأميركية، وفاز نتانياهو في الانتخابات الاسرائيلية.

ففي مقال لي بعنوان «العلاقات الأميركية - الإسرائيلية في حقبة أوباما - نتانياهو»، نشر على هذه الصفحة يوم 30/ 10/ 2008، قلت بالحرف الواحد:

«يبدو واضحاً أن الحالة المزاجية للرأي العام تختلف كليا في إسرائيل عنها في الولايات المتحدة. فالقوى اليسارية والليبرالية في إسرائيل لم تعد مؤهلة لقيادة المشروع الصهيوني في مرحلة تطوره الراهنة، وبالتالي لا تستطيع أن تشكل بديلاً قادراً على إخراج إسرائيل من المأزق الذي أوصله إليها الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة حزب كديما. ولأن الصراع الغالب داخل المجتمع الإسرائيلي في المرحلة الراهنة يبدو بين يمين متطرف ويمين أكثر منه تطرفاً، فالاحتمال الأرجح هو فوز حزب الليكود بنسبة أكبر من المقاعد تمكن زعيمه نتانياهو من تشكيل حكومة بقيادته. أما في الولايات المتحدة فيوجد مناخ سياسي مختلف تماماً. فعندما يتمكن رجل أسود من إلحاق الهزيمة بزوجة رئيس أميركي سابق في الانتخابات التمهيدية، ويصبح هو، للمرة الأولى في التاريخ الأميركي، مرشح الحزب الديموقراطي لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية، فليس لذلك سوى معنى واحد وهو أن الكتلة السياسية الحرجة في الولايات المتحدة بدأت تلقي بثقلها لإحداث تغيير جذري في السياسات الداخلية والخارجية وليس مجرد تغيير شكلي أو سطحي هذه المرة».

ثم أضفت: «رغم قناعتي الكاملة أن أوباما سيبذل قصارى جهده لمساعدة إسرائيل ولن يسعى مطلقاً لوضع أي نوع من العراقيل في طريق علاقات أميركية - إسرائيلية تحرص قوى هائلة داخل المجتمع الأميركي على تنميتها وتمتينها على الدوام، إلا أن السؤال الذي سيفرض نفسه على أوباما هو: أي نوع من التغيير يريد، وكيف سيكون بوسعه تحقيق التغيير الذي يريده. ولا يخالجني شخصياً أي شك في أنه سيتعذر على أوباما أن يدخل أي تغيير جوهري على السياسات الداخلية والخارجية الأميركية إلا إذا شمل هذا التغيير إعادة لصياغة شكل ومضمون العلاقات الأميركية - الإسرائيلية. بعبارة أخرى يدرك أوباما أنه لن يستطيع صياغة العالم، حتى لو أراد، بعيون أميركية بحتة، وقد يجد نفسه مضطراً لفتح حوار جاد مع إيران وربما أيضا مع سورية وتركيا، إذا أراد تأمين انسحاب أميركي منظّم من العراق. ولأنه من المتوقع أن يقاوم نتانياهو، إن فاز في الانتخابات القادمة، أي تغيير في السياسات الأميركية على معظم هذه الصعد، فالأرجح أن تتفرق الطرق بينه وبين أوباما. يصعب أن أتصور أن تصبح ظاهرة أوباما مجرد فقاعة تنفجر وتختفي إذا ما نفخ فيها نتانياهو. فلننتظر لنرى».

وقد انتظرنا ورأينا، ولم نفاجأ بتاتاً بفوز اليمين الإسرائيلي المتطرف بأغلبية المقاعد. وفرص نتانياهو في تشكيل الحكومة تظل هي الأقوى. وفي جميع الأحوال ستصبح الحكومة الإسرائيلية المقبلة أكثر يمينية وتطرفاً من سابقتها، وهو ما سيضع إدارة أوباما أمام اختبار صعب ومبكر. وفي تقديري أنه لن يمرّ وقت طويل قبل أن يكتشف أوباما أن الحكومة الإسرائيلية القادمة ستلقي بثقلها كله لإجهاض برنامجه للتغيير، خصوصاً إذا تضمن سعياً حقيقياً للانفتاح على إيران وسورية، ولقطع الطريق على تسرب أفكار كتلك التي يروج لها الرئيس الأميركي الديموقراطي السابق جيمي كارتر كأساس للتسوية.

ففي كتابه الجديد، والذي حمل عنوان «خطة قابلة للتحقق لإحلال السلام في الشرق الأوسط»، صدر في نفس يوم حفل تدشين أوباما، أكد كارتر أن حل الدولتين ما زال ممكناً إذا ألقت الإدارة الأميركية الجديدة بثقلها وراءه، كما نصح الإدارة الجديدة بالانفتاح على إيران وسورية، وبالتعاون مع «حماس»، وبالبحث عن تسوية على المسارين السوري واللبناني.

في سياق كهذا تبدو التسوية الشاملة للصراع العربي - الإسرائيلي على أساس المبادرة العربية خياراً أميركياً مطروحاً، من وجهة نظر الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر على الأقل، وقابلا للتحقق إذا تبنته إدارة أوباما. لكننا ندرك جميعاً أن حلاً كهذا ليس مقبولاً من جانب يمين إسرائيلي يملك الآن أغلبية في الكنيست، سواء قاده نتانياهو أو قادته ليفني أو قاداه معاً بالتناوب. لذا لا يخالجني أي شك في أن العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تتحرك حثيثاً نحو صدام يصعب تجنّبه. والسؤال: هل يصمد أوباما في اختبار يبدو أنه فرض عليه مبكراً؟ يصعب التكهن بأي شيء. لكن الشيء الوحيد الذي يمكن التكهن به أن برنامج أوباما للتغيير سيسقط كلياً ما لم ينجح في هذا الاختبار.

 

 

* كاتب مصري

انشر عبر