شريط الأخبار

حصاد غزة والبروتوكول الأمريكي - “الإسرائيلي” ..عبدالحسين شعبان

09:28 - 18 كانون أول / فبراير 2009


إذا كانت الولايات المتحدة منحازة بالكامل لمصلحة “اسرائيل”، فإن بعض المواقف الاوروبية المنافقة اتضحت بجلاء حيال العدوان “الاسرائيلي” على قطاع غزة. ولعل توقيع اتفاقية امريكية- “اسرائيلية” (مذكرة تفاهم) تقضي باستخدام التكنولوجيا الامريكية في منع تهريب الأسلحة الى قطاع غزة ومراقبة الحدود المصرية واغلاق الانفاق الموجودة ومنع حفر أنفاق جديدة ووضع الأجواء والبحار في إطار المساحة الجغرافية التي يغطيها البروتوكول، كان انحيازاً صارخاً للعدوان، والأكثر منه حين رست سفينة محملة ب 300 حاوية تضم مختلف أنواع الأسلحة والمعدات، بما فيها الطائرات والمدفعية التي تستخدم ضد المدنيين الفلسطينيين، التي شملت القذائف الفوسفورية والسامة، تلك التي لم تنته التجارب منها بعد وغير معروفة نتائجها المستقبلية.

وكان رفض الرئيس بوش وقف النار وصمت الرئيس أوباما وتبريرات بعض زعماء أوروبا للعدوان بحجة الدفاع عن النفس وصد هجمات حماس الصاروخية، انحيازاً مفضوحاً لصالح “اسرائيل” وخروجاً على ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، والقانون الدولي الانساني، لا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977.

والأخطر في البروتوكول الأمريكي   “الإسرائيلي” هو مشاركة حلف شمالي الاطلسي (الناتو) الى جانب الولايات المتحدة في تنفيذه، الأمر الذي سيعني إشراك قوى ودول ومؤسسات عسكرية لمحاصرة المقاومة الفلسطينية المشروعة، بذريعة ما يسمى مراقبة ووقف عمليات تهريب الأسلحة، ولعل ذلك سيحول الكثير من البلدان والجهات إلى “وكلاء” التنفيذ ما تقرره “إسرائيل” وواشنطن من إجراءات وتدابير.

ولا شك ان اجراءات مثل تلك تعتبر قرصنة جديدة وتجاوزاً سافراً على قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعلى حق الدول في سيادتها واستقلالها وعدم املاء سياسات عليها تتعارض مع مصالحها القومية، لا سيما إذا كان جزء من أراضيها محتلاً، وهناك مقاومة يكفلها القانون الدولي ضد الاحتلال.

ان عملاً من هذا القبيل لم يكن في أي يوم من الأيام يندرج في إطار القانون الدولي، أي اجبار دول على مراقبة لصالح دول أخرى، فما بالك إذا كانت الدول صاحبة القرار هي معتدية، والأخرى هي الضحية، ثم إن مهمات من هذا القبيل لا تدخل في مهمات حلف الناتو “الدفاعية” لأن هذا العمل العدواني إزاء المقاومة الفلسطينية، سيعطيها الحق في الدفاع المشروع عن نفسها لا ضد “اسرائيل” حسب، بل ضد حلف الناتو ذاته، وهو دفاع مشروع حسبما تقرره المادة 51 في ميثاق الأمم المتحدة، وبهذا المعنى يكون حلف الناتو والولايات المتحدة، إضافة الى “اسرائيل” أطرافاً في النزاع، الأمر الذي سيجعل الولايات المتحدة كطرف لا كوسيط أو “راع” لعملية السلام التي اعتمدت منذ اتفاق مدريد- اوسلو 1991-1993.

ولعل هذا الأمر ينبغي وضعه في الحسبان عربياً ما دامت البلدان العربية حتى اليوم ورغم التفاوت في مواقفها تؤمن بحق المقاومة الفلسطينية العادل والمشروع في مواجهة الاحتلال “الاسرائيلي”، وهو ما اكدته قمتا الدوحة والكويت الاقتصادية، وتمت على أساسه وضع لبنات أولية للمصالحة العربية.

ومن المناسب قبل استعراض ما ورد في مذكرة التفاهم الامريكية   “الاسرائيلية”، استذكار ما تم توقيعه من اتفاق شراكة عشية العدوان على غزة بين فرنسا و”اسرائيل”  (8 كانون الاول/ ديسمبر2008) وهي اتفاقية شراكة ضمنت حماية جديدة ل”إسرائيل”، التي لا تزال تتنكر لاحترام حقوق الانسان والحريات الاساسية، بل تمعن في حصار غزة اللاإنساني وصولاً الى عدوانها لاحقاً، الذي دام 22 يوماً (27 كانون الاول/ ديسمبر ولغاية 18 كانون الثاني/يناير 2009)، وهو الأمر الذي أثار جدلاً لدى البرلمان الاوروبي ذاته، خصوصاً وأن فرنسا مثلت رئاسته لحظة التوقيع على اتفاقية مع “اسرائيل”.

ونصت مذكرة التفاهم الموقعة من وزيرة الخارجية “الاسرائيلية” تسيبي ليفني ووزيرة خارجية الولايات المتحدة كوندا ليزا رايس عشية وقف اطلاق النار على التعاون الوثيق بين الاستخبارات الامريكية و”الاسرائيلية”، بغرض منع وصول الاسلحة الى قطاع غزة، وتضمنت سبعة بنود أساسية هي:

البند الاول تناول التعاون مع الدول المجاورة والمجتمع الدولي لمنع وصول الاسلحة والمواد المتعلقة بها.

 

البند الثاني- نص على تعاون الولايات المتحدة مع الشركاء في المنطقة ومع حلف شمال الاطلسي عبر البحر المتوسط وخليج عدن والساحل الشرقي من البحر الأحمر في افريقيا للغرض ذاته (منع وصول الاسلحة) من خلال تحسين الترتيبات القائمة أو اطلاق مبادرات جديدة لزيادة فاعلية هذه الترتيبات.

أما المواد الخمسة الأخرى فشملت تعهد واشنطن وتل ابيب، بتبادل المعلومات، لتحديد مصدر الأسلحة التي ترد الى غزة وتسريع جهود المساعدات اللوجستية والفنية لتدريب قوات الأمن وتجهيزها وتعزيز برامجها، والعمل على توسيع برامج المساعدات الدولية للمجتمعات المحلية، لتوفير مصادر بديلة للدخل للمشاركين في انشطة التدريب ووضع الآليات المناسبة لمتابعة تنفيذ الخطوات الواردة في مذكرة التفاهم.

ولعل أية قراءة استراتيجية وقانونية لمذكرة التفاهم ستضع البندين الاولين بالصدارة، لا سيما موضوع تعزيز التعاون الأمني والاستخباري بين الولايات المتحدة والحكومات الاقليمية من خلال اشراك المخابرات المركزية الامريكية والقيادات العسكرية الامريكية في افريقيا وأوروبا وقيادة العمليات الخاصة، إضافة الى المنظومة الاستخبارية البحرية، للهدف الذي حدده البروتوكول، واتخاذ “العقوبات” ضد خرق نصوصه، لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بدعم المقاومة الفلسطينية، خصوصاً اتهام الجهة المعنية بتسهيل مهمة نقل السلاح اليها.

 

لعل هذه الفكرة (مذكرة التفاهم) هي الحصاد الأكيد ل”سرائيل” سياسياً وهي الثمن الذي أرادته لعدوانها على غزة، التي لم تنجح فيه عسكرياً، حيث أعطت مذكرة التفاهم الحق للقوى المتنفذة (الولايات المتحدة و”اسرائيل” وحلف الناتو والدول المتحالفة معهم) القيام بأعمال المراقبة  “القرصنة” البحرية وكذلك “الجوية” عندما يستوجب الأمر (البحر والجو) حيث سيكون لأكثر من دولة عربية وشرق أوسطية احتكاك وتماس بذلك، ابتداء من المحيط الاطلسي ومروراً بالبحر الابيض المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي وصولاً الى المحيط الهندي.

 

فكيف ستتعاطى الدول العربية ذات العلاقة مع مذكرة التفاهم؟ وكيف السبيل للتخلص من آثارها وقيودها التي هي أقرب الى الوصاية تحت بند الحماية والمراقبة، لاسيما إذا كانت آليات تنفيذها شديدة الوطأة؟ الأمر الذي سيضع عدداً من الاعتبارات في المقدمة، منها حماية أمنها وسيادتها وبالتالي عدم اجبارها على الخضوع بما يتعارض مع مصالحها، ناهيكم عن قواعد القانون الدولي.

إن هذه المسألة وغيرها من قضايا الصراع العربي- “الاسرائيلي”، تتطلب استخدام جميع الوسائل بما فيها القانون الدولي، الأمر الذي يتطلب عملاً سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً حكومياً وغير حكومي، بما فيه اشراك المجتمع المدني وحشد طاقاته لاثبات عدم شرعية ولا قانونية البروتوكول الامريكي  “الاسرائيلي”، وبالتالي التحرر من آثاره والتخلص من قيوده، لأنه يشكل تهديداً لأمن وسلم المنطقة وانتقاصاً من سيادة واستقلال دولها.

وبالمقابل فإن عملاً عربياً تضامنياً وبمشاركة المجتمع المدني العربي وتوجيه لائحة اتهام ضد “اسرائيل” لما نفذته من مجازر في غزة، ناهيكم عن حشد الرأي العام العالمي، يمكن أن يسهم في وضع مذكرة التفاهم في إطار اللاشرعية، وبالتالي المساءلة والتحريم بكونها تشكل ذيلاً من ذيول العدوان.

 

 

 

* باحث ومفكر عربي

 

انشر عبر