شريط الأخبار

لم استطع ان اكون شهيدا .. معاريف

12:12 - 18 تموز / فبراير 2009

بقلم: شمعون ابرغن

له وجه طفولي، او في الاكثر سمات طالب ثانوية خجول، لكن محمد عمصي، ابن العشرين فقط، واحد من مخربي حماس الاكثر خبرة. في اثناء عملية "الرصاص المصهور" اعتقل جنود الجيش الاسرائيلي هذا الشخص الذي لم يتردد لحظة في اطلاق صواريخ الـ ار بي جي، لكنه كان في الوقت نفسه جزءا من خطة لم تتحقق بمعجزة، فقد كان عمصي عضوا في وحدة منتحرين جديدة من حماس، اعدت لتنفيذ عمل انتحاري في الجنود.

ولد عمصي في حي جباليا في غزة وانضم الى حركة حماس في سن الثانية عشرة اذ كان طالبا في المدرسة الابتدائية. "خرجت في احد الايام من المسجد بعد الصلاة، وعرض علي نشطاء من حماس ان انضم اليهم لدراسة الدين. وافقت من الفور. علموني القرآن سنة كاملة كل يوم. اجري علي غسل دماغ كان يرمي الى كراهية اليهود"، كما قال لمحققي وحدة من الشرطة في منطقة لاخيش وبسط بقوله: "ادخل الشيوخ الذين علمونا في اذهاننا ان اليهود اعداء المسلمين وانه يجب القضاء عليهم وطردهم من ارض اسرائيل بالعمليات الانتحارية وبالجهاد. مع انقضاء السنة الدراسية اخذوني الى بيت رجل دين كبير من حماس، اجرى لي اداء يمين للحركة وقال لي انني الان عضو في "الاخوان المسلمين".

من هنا كانت طريق عمصي الى الذراع العسكرية في حماس قصيرة. فقد انضم في سن الخامسة عشرة الى "مجموعة تنشيطية" مهمتها اجراء دوريات على طول القطاع استعدادا لغزو ممكن للجيش الاسرائيلي. "كان هدف كتائب الدورية ان يكونوا مستعدين لغزو الجيش الاسرائيلي غزة"، قال "وجدت اشاعات بان الجنود الاسرائيليين سيدخلون القطاع وكان يجب علينا ان نكون مستعدين لمحاربتهم باي ثمن لقتلهم. كنا نجري مراقبة على طول الحدود لتحركات جنود الجيش الاسرائيلي".

قبل نحو من ثلاث سنين قطع عمصي نشاطه في الكتائب للدراسة لامتحانات الشهادة الثانوية العامة. بعدما انقضت مدة الامتحانات توجه الى نشيط كبير من حماس وطلب ان يجند مرة اخرى للذراع العسكرية. "شاركت قبل وقت قصير من دخول الجيش الاسرائيلي غزة في نهاية 2008 بضع عشرات من النشطاء في تدريبات عسكرية في ملعب كرة القدم المسمى باسم "عبد الله شعبان"، استعاد ذلك بالتحقيق معه. "تدربنا خمسة ايام في الملعب تدريبات لياقة بدنية وزحف، وجري، واستعمال شحنات جانبية، وشحنات ناسفة مضادة للبشر والدبابات".

القادة يرسلون الرسائل الهاتفية

الى جانب التدريب على القتل، انضم عمصي ايضا الى وحدة منتحرين خاصة تسمى "الكمائن المتقدمة"، اقامتها الذراع العسكرية من حماس قصدا الى تنفيذ عمليات انتحارية في جنود الجيش الاسرائيلي حينما يدخلون القطاع. قُبل عشرون من محاربي حماس في الوحدة واجريت عليهم سلسلة تدريبات في ملعب كرة القدم المسمى باسم محمود المطوق. "تدربنا شهرا، ست ساعات كل يوم". تسلحت كل خلية منتحرين بشحنات ناسفة جانبية من نوع "تلفزيونا 2 و 3" تزن خمسة عشر كيلو غرام والغام "رعدية" تزن سبعة عشرة كيلو غرام.

كشف للمحققين على ان التدريبات في الوحدة الانتحارية اتمها مسؤولون كبار من حماس، اعدوا ودربوا في ايران وسورية. والى التدريبات وصف ايضا الاستعداد لقوات الجيش الاسرائيلي. تحدث عمصي كيف دفن هو ومسؤول كبير اخر من حماس هو احمد البطش تحت التراب الغاما كانت ترمي الى ان تستعمل في مواجهة دبابات الجيش الاسرائيلي. كان كل لغم يزن عشرين كيلو غرام، وقال انهما انتجا عشرات كهذه. "جربنا الالغام"، تذكر عمصي، "كان يوجد لغم مضاد للدبابات يسمى "شواظ 1" فحصناه وخلصنا الى استنتاج انه غير قوي بقدر كاف لاختراق دبابة. بدأنا ننتج لغما اقوى من نوع "شواظ 3"، لكن بسبب عملية الجيش الاسرائيلي في غزة لم ننجح في انهاء انتاجه".

لا شك في انه بالرغم من ان اعضاء حماس استعدوا شهورا طويلة لدخول الجيش الاسرائيلي، فان عدم معرفة التوقيت الدقيق لذلك هو الذي باغتهم. قبل دخول الجيش الاسرائيلي غزة بايام معدودة، يقول نشيط حماس، البس افراد الوحدة الانتحارية ملابس للجيش الاسرائيلي. "وجدت مخيطة في غزة انتجت لنا ملابس كملابس جفعاتي، مع خوذات تشبه تلك التي يجول الجنود بها. كان هدفنا تضليل جنود الجيش الاسرائيلي ليحسبوا اننا جنود لا مخربون وان ننفذ انذاك عملية انتحارية او نخطف عددا منهم. كانت هذه هي الخطة، وكنا قريبين من الخطف لكن شيئا ما اختل في اخر لحظة".

"قصف الجنود نقاط مراقبتنا"، يقول عن ايام القتال. "طلب قائدنا، الذي كان مسؤولا عن المراقبة ان نتركها وان نحارب الجنود. وصلنا بيت احد النشطاء وحصلنا على صواريخ  ار بي جي، والغام جانبية وبنادق، وقنابل يدوية، ودروع واجهزة اتصال، لنتواصل زمن القتال. حصل كل واحد من المحاربين على كيس تمر وماء. علمنا ان الجيش الاسرائيلي سيضرب حصارا على غزة وسيصعب نقل الطعام الينا، لهذا اكلنا التمر فقط، وساعدنا ذلك في الصمود قليلا برغم انه كان صعبا جدا".

يعترف بالذنب

سيطر عمصي ونشيطه الاخر من الوحدة الانتحارية على بيت عائلة حمودة في حي السلام وبدءا يهاجمان منه قوات الجيش الاسرائيلي التي حاصرت المنطقة. وقال ايضا انه كانت حالات اطلق فيها هو ورفاقه في الوحدة النار من بيت احد سكان غزة على جنود الجيش الاسرائيلي بالرغم من ان هذا الساكن رفض التعاون. "عندما رأينا حركة جنود الجيش الاسرائيلي، دخلنا بيت احد السكان وارغمناه بالتهديد على ان يمكننا من اطلاق النار من بيته على الجنود. عارض بقوة لكننا لم نسأله"، قال.

خاف قادة حماس هرب مرؤوسيهم. "في اثناء ايام القتال كلها، كنت ارسل مئات من رسائل المحمول الى محمولات قادتي لابلغهم بوضع القتال"، استعاد عمصي "في اثناء نشاط الخلية كتب الي احمد البطش والى احد النشطاء كان معي: اصمدا، وحذرا، وحافظا على انفسكما، وكونا قويين، وافعلا كل شيء لاختطاف جندي. هذا اهم شيء لوقف العملية. خاف القادة ان نهرب، لم يريدوا ان نترك البيوت، ارادوا ان نحارب حتى اخر قطرة دم. والحقيقة لم يكن لنا امل".

لاحظ في اثناء القتال ان الجيش الاسرائيلي طوق حي السلام بمساعدة الجرافة. "عندما رأيت الجنود خرجت من البيت مع مدفع ار بي جي واطلقت قذيفة على الجرافة. اصابت القذيفة الجنزير. رآني احد الجنود، قفز من الجرافة وبدأ يطاردني. هربت الى حرجة اشجار. اختبأت هنالك بضع ساعات حتى المساء، وعندها عدت الى بيت عائلة حمودة"، قال عمصي متأثرا.

بيد ان جنود الجيش الاسرائيلي حددوا موقع البيت الذي اطلق منه صاروخ الـ ار بي جي وبدأوا يهدمونه. "رأيت الجرافة وقد بدأت تهدم البيت"، يقول. "ذعرت. خفت خوفا شديدا. بدأت حيطان البيت تسقط. هربت انا وصديقي حسين من البيت تاركين فيه وسائل القتال. هرب حسين لكن الجنود رأوه واطلقوا عليه النار فأردوه قتيلا، اما انا فجرحت بشظية رصاصة اصابتني في كتفي اليمنى. ظل الجنود يطلقون النار علي لكنني نجحت في الهرب الى بيت عائلة الشيخ فتحي ابو عيدة في جباليا".

عمصي الذي وجد مخبئا في بيت الشيخ، طلب اليهم والى عشرين من الغزيين وجدوا ملاذا في بيته انه اذا دخل جنود الجيش الاسرائيلي البيت ان يكذب من اجله وان يقول انه خطب ابنته. ساعد الشيخ فتحي عمصي على اخفاء البندقية والقنابل التي حملها على جسمه، لكن جنود الجيش الاسرائيلي نجحوا في تحديد موقع المخبأ الجديد، وداهموا البيت واعتقلوه. قدمت اخيرا النيابة العامة لمنطقة الجنوب اربع عشرة لائحة اتهام للعمصي ونشطاء اخرين من حماس. في لائحة الاتهام التي قدمت في الاسبوع الماضي الى المحكمة اللوائية في بئر السبع، تنسب الى عمصي جنايات قتل، وسلاح ومحاولة قتل ونشاط في منظمة ارهابية. "كان عمصي المحارب الارفع مستوى الذي اعتقل في العملية مع شخص اخر. لم يحجم عن العمل المضاد لجنود الجيش الاسرائيلي وانتماؤه الى الوحدة الانتحارية الخاصة بحماس التي ترمي الى تنفيذ عمليات في الجنود، ناطق من تلقاء نفسه"، بين عنصر امني رفيع المستوى.

برغم التهم الشديدة، احتفظ عمصي في اثناء التحقيق معه ببرود اعصاب نسبي واعترف بجميع الجنايات التي نسبت اليه. بل عبر عن ندم لانه حاول المس بالجنود. "كنت ولدا عندما جندوني لحماس، غسلوا دماغي بكراهية اليهود، ما كنت استطيع ان افعل. انا اسف لكل ما حدث".

انشر عبر