شريط الأخبار

إسرائيل: حليف أميركا المزعج ..باتريك سيل

06:34 - 13 تموز / فبراير 2009

الحياة     - 13/02/09//

 

لم يرث الرئيس باراك أوباما عن عهد جورج بوش الابن وضعاً اقتصادياً ومالياً مزرياً فحسب بل حربين لم تنتهيا في كلّ من العراق وأفغانستان. وينبغي عليه الآن أن يصارع حليفاً إسرائيلياً لطالما حظي بدلال بوش المفرط، وهو حليفٌ يميل حالياً إلى القوميين المتشددين الذين ينتمون إلى اليمين وذلك في إطار تحدّ كبير لمعظم بلدان العالم.

ووجّهت نتائج الانتخابات الاسرائيلية التي جرت يوم الثلثاء الماضي ضربةً قاسيةً أو ربما قاضيةً لمستقبل عملية السلام العربي - الاسرائيلي. كما أنها قد تعيق بشكل كبير سياسة أوباما التي تقوم على بناء الجسور مع العالم العربي والاسلامي.

وزادت نتائج الانتخابات من احتمال حصول معركة إرادات بين باراك أوباما وبنيامين نتانياهو وهو زعيم حزب «ليكود» في إسرائيل، والذي يُعتبر المرشح الأبرز لرئاسة الوزراء كونه يرأس كتلة يمينية في الكنيست تضم 65 عضواً. وليس أكيداً أن أوباما سيخرج منتصراً من هذه المعركة.

لم تكن العلاقة الأميركية - الاسرائيلية في اي يوم علاقةً بين قوة عظمى وبين دولة خاضعة لها. وتدل طبيعة العلاقة على السياسات الداخلية التي تعتمدها الولايات المتحدة وليس على سياستها الخارجية. وفي بعض الأحيان، كان لإسرائيل تأثير كبير على الولايات المتحدة. فاسرائيل لم تتردد في اي يوم، عندما كانت تعتبر ان ذلك هو بغرض الدفاع عن مصالحها الحيوية، في التلاعب براعيتها (الولايات المتحدة) وإحراجها والتجسس عليها وحتى في تهديدها. والمثال على ذلك هو الحدث الذي سُجّل في العام 1967 عندما تجرأت إسرائيل على مهاجمة سفينة التجسس الالكترونية الأميركية «يو أس أس ليبرتي» وعلى تعطيلها، عندما رأت أن المراقبة التي تفرضها الولايات المتحدة قد تحدّ من تحركاتها.

وعلى أي حال، أمضت إسرائيل عقوداً تتحضّر لمواجهة حدث طارئ كالذي تواجهه اليوم وهو انتخاب رئيس أميركي قد يحاول أن يكون عادلاً في موضوع الشرق الأوسط. وقد يتردد نتانياهو في أن يواجه الرئيس الأميركي مباشرةً، إذ أنه يعرف مدى اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في كل الميادين، بدءاً من التسلّح والتكنولوجيا المتقدمة وصولاً إلى الموارد المالية والديبلوماسية. لكنه قادر على استخدام كل الحيل الممكنة بغية الحدّ ممّا قد يحقّقه أوباما فعلياً في الشرق الأوسط. كما أنه لن يتردد في أن يحشد كل مصادر القوة الأميركية التي تملكها إسرائيل بما في ذلك الدعم التام الذي تحظى به الدولة اليهودية في الكونغرس الأميركي.

وعلى الساحة السياسية الاسرائيلية، تشكّل تسيبي ليفني وهي زعيمة حزب الوسط «كاديما»، خصم نتانياهو الجدي والوحيد. لكن باستطاعتها في أحسن الاحوال أن تشكل تحالفاً من 55 عضواً، إلا أنها لن تنجح في حيازة المقاعد الـ61 الأساسية كحد أدنى كي تحصد الغالبية في الكنيست الذي يضم 120 مقعداً. وبالتالي، تُعتبر فرصها في تشكيل حكومة ائتلافية شبه معدومة.

وستشهد الأسابيع الأربعة أو الخمسة المقبلة مفاوضات ومساومات فيما ستعمد الأحزاب الاسرائيلية الصغيرة المتعددة التي يمثّل كل منها مصالح خاصة، إلى المقايضة على مقاعدها. ويبدو أن لا خيار امام الرئيس شمعون بيريز سوى الطلب من نتانياهو أن يشكل حكومةً.

أما إيهود باراك وحزب العمل الإسرائيلي الذي يرأسه، فهما اكبر خاسرين في هذه الانتخابات. فقد فاز حزب العمل، وهو المهندس الصهيوني لدولة اسرائيل الذي حكم على مدى 30 سنة من العام 1948 ولغاية العام 1977، بـ13 مقعداً فحسب. ويترتب عليه أن ينظّم نفسه ليصبح في صفوف المعارضة. أما حزب «ميريتس» اليساري وهو الحزب الوحيد الذي نظّم حملةً من أجل تحقيق السلام مع الفلسطينيين، فقد فاز بثلاثة مقاعد. وما من دليل أفضل من ذلك يُظهر رفض إسرائيل للسلام.

ماذا تستطيع اميركا ان تفعل امام هذه النتائج؟ تعهّد أوباما أن يحقق السلام في الشرق الأوسط. وقد أوضح إلى جانب وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن صيغتهما المفضلة هي حلّ الدولتين الذي يقوم على إنشاء دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل بسلام وأمان. ويجسد جورج ميتشيل وهو مبعوث أوباما الخاص إلى الشرق الأوسط هذه السياسة. فالسلام هو أيضاً رغبة المجتمع الدولي الجامحة والاتحاد الأوروبي والدول العربية وروسيا وتركيا والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

ولا شك أن نتانياهو سيبذل قصارى جهده كي يحبط هدف أوباما. فقد أعلن جهاراً أنه يرفض مبدأ «الأرض مقابل السلام». كما أنه يعارض أي تنازل عن الأراضي سواء لمصلحة الفلسطينيين أو لمصلحة سورية. حتى أنه يرفض مناقشة مسألة القدس. وفي الأسبوع الماضي، غرس نتانياهو شجرة في الجولان في إشارة إلى أن هذه الهضبة السورية باتت ملكاً لإسرائيل إلى الأبد.

أما حليف نتانياهو الأساسي فهو أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب اليمين المتطرف «إسرائيل بيتنا»، وهو الحزب الذي يكره العرب ويرغب في طرد كل عربي في اسرائيل يرفض أن يكون وفياً للدولة اليهودية. وقد حصل على وعد بأن يحظى «بوزارة مهمة» في أي حكومة مستقبلية برئاسة نتانياهو.

لماذا صوّت الإسرائيليون على هذا النحو؟ يعزو عدد كبير من المعلقين سبب ذلك إلى وقع الصواريخ التي أطلقتها حركة «حماس» على مدن النقب، على الرأي العام الاسرائيلي. فهي تسببت بأضرار بسيطة ولم تحصد ضحايا كثراً، إلا أنها تُبقي الشعب في حالة استنفار وترقّب. والسبب الثاني هو حرب غزة التي لبّت حاجة الاسرائيليين لإظهار قوة بلدهم الهائلة.

وقد يبدو أن الرأي العام الاسرائيلي يخشى أعداءه في الخارج وأعداءه في الداخل، أي المليون و200 ألف عربي الذين يعيشون في إسرائيل والذين وصفهم ليبرمان بأنهم يشكلون «طابوراً خامساً». ويصعب على العالم أن يصدّق أن إسرائيل باتت تخاف من الخطر المزعوم الذي يفرضه كل من إيران و «حزب الله» وحركة «حماس» وهما التنظيمان المقاومان الموجودان على حدودها الشمالية والجنوبية والتي فعلت إسرائيل كل ما بوسعها لقيامهما.

لقد حاولت إسرائيل أن تقضي على «حزب الله» في العام 2006 فقتلت 1200 لبناني، ثم حاولت ذلك مع حركة «حماس» في أواخر شهر كانون الأول (ديسمبر) وبداية شهر كانون الثاني (يناير) الماضي فقتلت 1300 فلسطيني. وفي كلتا الحالتين، لم تنفع آلتها العسكرية الضارية التي استخدمتها من دون أن تبالي بالسكان المدنيين. فلم يصمد كل من «حزب الله» و «حماس» فحسب بل خرجا أكثر قوة سياسياً إن لم يكن عسكرياً.

أما في ما يتعلق بإيران، فأقنع الإسرائيليون أنفسهم أن برنامج إيران النووي يفرض خطراً «وجودياً» عليهم رغم أن من السهل على إسرائيل في حال برز أي خطر فعلي عليها من ناحية إيران، أن «تمحوها من الخريطة» بفضل ترسانتها التي تضم أكثر من 200 رأس حربي نووي وأنظمة إطلاق للصواريخ. ويتخوّف الاسرائيليون من أن تسمح الاقتراحات التي قد يقدمها أوباما إلى إيران، للجمهورية الإسلامية بأن تمضي قدماً ببرنامجها النووي.

وتُعتبر مخاوف إسرائيل غير منطقية على الإطلاق. ولا شك أن ذلك هو نتيجة المحرقة التي ارتكبت بحق اليهود في الماضي ونتيجة التفوّق العسكري الذي تمتعت به إسرائيل على مدى العقود الستة الماضية والذي اعتادت عليه. فإسرائيل غير معتادة على أن يتمّ تحدّيها.

وتقوم مهمّة أوباما شبه المستحيلة على ترويض غرائز إسرائيل القاتلة وعلى إنقاذ الفلسطينيين من غرائزهم الانتحارية. وبمساعدة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، يجب أن يدفعهم ذلك إلى وضع حدّ للعداوة في ما بينهم التي وضعت قضيتهم الوطنية في خطر.

ما هو الجواب على هذا اللغز؟ من الممكن أن تضمن الولايات المتحدة رسمياً أمن إسرائيل. وقد توافق إيران بدورها على أن تجمّد برنامجها النووي في حال حصلت على ضمانات بعدم تعرّضها لهجوم وفي حال استطاع الفلسطينيون أن يحظوا بدولتهم. وقد تكون هذه الصفقة الشاملة هي الطريقة الوحيدة للخروج من مأزق خطر. لكن في الوقت الحاضر، ليست إسرائيل في وضع يسمح لها أن تفكر بعقلانية.

 

* كاتب بريطاني متخصّص في شؤون الشرق الأوسط.

انشر عبر