شريط الأخبار

شهداء غزة يؤنسون أحياءها بوردة ودمعة ولعبة طفل

07:35 - 08 آب / فبراير 2009

فلسطين اليوم: غزة

جلس بجوار القبر ينثر الورود عليه ويرش الماء وبعينيه بحر من دموع.. أخـذ يناجي والده المسجى تحت التراب: "بابا هذه شهادة المدرسة.. أنا الأول.. نفذت وعدي لك وسأبقى كما عهدتني.. لا تخف علينا فنحن بخير وكل إخوتي يهدونك السلام.. نحبك ونشتاق إليك كثيرا".

صهيب رمضان صاحب السنوات السبع قال لـ"إسلام أون لاين.نت": " أزور قبر والدي كل خميس، وأحدثه بكل ما يحدث معي خلال الأسبوع.. أعرف أنه مات ولكنه يسمعني، وأشعر أنه يحدثني ويهمس بأذني".

 

وعلى مقربة منه كان بلال (10 سنوات) يحتضن قبر والده بشدة وكأنه يخاف أن يهرب منه، أخذ يتمتم بوجع معاتبا القبر: "الدار موحشة يا أبي.. الحياة مؤلمة لا نور فيها.. لماذا تركتنا بدون أن تودعنا.. زرنا ولو في المنام".

لعبة لابنتي الشهيدة

ومن بين الزائرين للمقبرة استوقفنا أبو أحمد عبد ربه الذي استشهدت زوجته وصغاره الثلاثة.. كان يزين قبورهم بالألعاب والدمى، ويضع بجوار كل واحد قطع الشوكلاتة والحلوى المختلفة.

 

بخطى مترددة اقتربنا منه، وبعلامات استفهام حائرة بادرناه بالسؤال ماذا يفعل؟ وبثقة أجاب: "كل يوم بعد انتهائي من العمل أتوجه مباشرة لزيارة قبر أطفالي وزوجتي.. واليوم استلمت راتبي وكنت معتادا أن أشتري لهم بعض الألعاب والحلوى".

 

وبدموع غلفت صوته أخذ يشير: "هذه الدمية الحمراء لأمل فهي تعشق اللون الأحمر.. أما هذه الشاحنة فهي لأحمد.. وتلك السيارة لبراء.. أما الحلوى فقد طلبوها مني قبل استشهادهم ولم أستطع أنا أجلبها لهم".

 

وبالقرب منه كان الحاج أبو نضال يمشي هوينا على عكازه ليلقي التحية على حفيده ورفاقه الشهداء: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.. أنتم سلفنا ونحن بالأثر".

 

آهات مخنوقة وصور موجعة تغص بها المقابر في قطاع غزة بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة في 27 ديسمبر الماضي وحتى 17 يناير، راح ضحيتها ما يزيد عن 1400 شهيد, بينهم 400 طفل ومئات النساء والشيوخ.

أين دفن؟!

الحاجة أم سالم عبيد ابنها استشهد.. ولا تعلم أين دفن.. وتحت أي تراب ووري جسده.. فخلال الحرب لم يكن أحد يجرؤ على الخروج من منزله, وبعد أن انقشع غبار الحرب أخذت تسأل أصدقاءه وزملاءه إن كان أحدهم يعرف مكان قبره.

 

بدمعات حارة قالت أم سالم لـ"إسلام أون لاين.نت": " استشهد ولدي ولم أودعه ولم أقبله.. ولا أعرف حتى مكان قبره لأزوره هناك.. وأخفف من وجع فراقه وأخمد النار في صدري".

 

أما أم الشهيد عز الدين الشريف فقد كانت أفضل حالا منها؛ فبعد بحث وعناء شهر عرفت قبر ولدها ومكان التراب الذي احتوى أشلاءه.. وهرعت لمقبرة الشهداء حيث يرقد.

 

وما أن لمحت قبره حتى احتضنته بشدة وانهالت عليه بقبل حارة، ومسحت على القبر وكأنها تحنو عليه وتمسح على شعره، ورشت القليل من الماء لتروي عطش فراقه، ونثرت الورود قائلة: "هذا بيت ولدي.. هنا سكنه ومأواه".

 

وبسيل من الآهات المخنوقة قالت: "منذ شهر وقلبي يحترق.. ووجعي يكويني.. ابني يموت ولا أراه، وقبلة الوداع حرموني منها.. وحتى زيارة لقبر يأوي جسده لا أعرف مكانه".

 

وبعد تنهيدة طويلة تابعت: " أما الآن فسأزوره كل يوم.. سأمتع قلبي برؤية الثرى على قبره.. سأعتني به وأزرعه حول الزهور والرياحين.. فهنا ولدي.. شكرا لله".

 

روحه بجواري

 

دخلت المقبرة وبيدها مصحف صغير وسجادة صلاة وباليد الأخرى باقة من الورود.. جالت ببصرها بين القبور.. وكمن عثر على كنز بعد طول عناء انفرجت أساريرها، وحثت خطاها تجاه كومة من الرمل وهناك فرشت السجادة وبدأت بتلاوة القرآن الكريم.

 

اقتربنا منها وبابتسامة دافئة قالت: "تحت هذا التراب مهجة قلبي.. جلوسي بقربه يؤنس وحدته.. وجودي هنا يشعرني أن روحه بجواري.. أدعو له بالمغفرة، وأن يقبله الله شهيدا، ويتغمده بواسع رحمته".

 

أم أمير يوسف تزور قبر شهيدها كل أسبوع.. تقص عليه شريط الأحداث، وتبدأ في مداعبته بألطف الكلمات، وتذكره بطفولته المشاغبة وضحكاته الصاخبة.. تبكي تارة وتبتسم تارة أخرى.

 

نثرت الورد على قبر ابنها وبدأت تقول: " لماذا تركتني سريعا؟ ألم أعدك بأن أزوجك قريبا؟! غادرتني ولم يبق بجعبتي سوى بعض الذكريات وحفنة من الأحزان.. يفتقدك أصدقاؤك كثيرا.. وحتى قطتك تأبى أن تنام إلا على سريرك وتتدثر بلحافك".

 

وبنبرات خاشعة ندية أخذ الشاب معاذ إبراهيم يقرأ بعض آيات القرآن الكريم, وبعد أن انتهى قال: "الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.. الأهالي يجدون في زيارتهم نوعا من السلوى والمواساة.. يشحذون بها هممهم، ويأخذون جرعات من الصبر".

 

وباتت مقابر قطاع غزة مجتمعا للثكالى والأرامل وفاقدي الأحبة.. فتلك الأسرة تعرفت على الأخرى وبدءوا يتجاذبون أطراف الحديث.. يروي كل منهم ما في جعبته من قصص وحكايات عن شهدائهم.. وتحولت المقابر إلى حدائق مزينة بالزهور والورود، ومتحف لصور الشهداء، وذاكرة مفتوحة لأحلامهم وبطولاتهم.

انشر عبر