شريط الأخبار

آلية تفعيل المنظمة وتحقيق الوحدة الوطنية../ عوني فرسخ

10:46 - 06 تموز / فبراير 2009

06/02/2009  09:27 

 

كانت منظمة التحرير الفلسطينية الغائب الأكبر قبل المحرقة الصهيونية، وعلى مدى ايامها، والايام العشرة التالية لتوقفها. وفجأة غدت صاحبة الحضور المتعاظم في الجدل الفصائلي الفلسطيني بعد اعلان خالد مشعل بأن قوى المقاومة تتداول في بناء مرجعية وطنية تمثل الداخل والخارج، وتضم جميع القوى والتيارات والشخصيات الوطنية، وتحافظ على حق العودة، مبررا ذلك بمنع قوى المقاومة من دخول المنظمة، وبأنها في حالتها الحالية لا تشكل في رأيه مرجعية، بل هي تعبير عن حالة عجز واداة لتعميق الانقسام. ولقد عارضت الاعلان الجبهتان الشعبية والديمقراطية، ورد عليه صائب عريقات متهما حماس بالسعي لوأد مرجعية المنظمة واستبدالها. فيما اعلنت الجهاد الاسلامي رفض الغاء المنظمة مع تأييد تشكيل قوى المقاومة والتيارات الوطنية مرجعية وطنية. وحتى بقايا المجلس الوطني، التي لم تجتمع منذ سنوات، وجد بعضهم من يجمعهم ليعلنوا ادانة ما اعتبروه انقلابا على الشرعية.

 

وللوصول لتقويم موضوعي للجدل المتبادل، ولاستشراف مخرج وطني من الازمة، أرى الوقوف بإيجاز مع الجدل الذي تواصل فلسطينيا وعربيا حول دور المنظمة ورئاسة لجنتها التنفيذية، منذ نشأتها الاولى. والمعروف ان الرئيس عبدالناصر دعا في مؤتمر القمة الاول اواخر العام 1963 لإقامة كيان يمثل شعب فلسطين. ويومها كلفت القمة احمد الشقيري، ممثل فلسطين لدى الجامعة العربية، القيام بالاتصالات اللازمة. وحينها كان التشرذم العربي على أشده، وفي الساحة عشرات التجمعات الشبابية الفلسطينية الداعية لاعتماد الكفاح المسلح اداة التحرير والعودة. وقد نظر معظمها لقرار القمة كمحاولة رسمية لضبط الحراك الوطني الفلسطيني. وهي النظرة التي تعززت عند فتح وحزب البعث ومنظمات اليسار في ضوء المجلس الذي شكله الشقيري.

 

إلا أن “الميثاق القومي” الذي صدر بالقدس في أيار / مايو 1964 عبّر عن نبض الشارع العربي، بالنص على أن فلسطين بحدودها زمن الانتداب ملك الشعب العربي الفلسطيني، وعلى رفض وعد بلفور وقرار التقسيم، واعتبار المنظمة ملتزمة بالتحرير والعودة، وبتكامل النضال الفلسطيني مع عمقه العربي. وقد جاء الميثاق خلوا من النص على السعي لإقامة دولة في ما لم يكن محتلا من فلسطين، برغم ان الضفة الغربية كانت وديعة لدى الاردن، وقطاع غزة مدارا من قبل مصر من دون ان يكون لها سيادة عليه، فضلا عن تأكيد أن نشاط المنظمة في الضفة والقطاع لا يعني سيادتها عليهما. وهذا ما أعلنه الشقيري صيف 1966.

 

وبصعود العمل الفدائي بعد نكسة 1967 اكتسبت الفصائل، وبالذات فتح، اعتبارا عربيا رسميا وشعبيا، تمثل بالالتفاف الجماهيري حولها، وباصطحاب عبدالناصر لياسر عرفات الى موسكو باعتباره يقود حركة تحرر وطني في مواجهة استعمار استيطاني عنصري. ولم يلبث ان مكّنه من رئاسة اللجنة التنفيذية للمنظمة سنة 1969.

 

ولقد انعكست التحولات المستجدة باقتسام الفصائل أغلبية مقاعد المجلس الوطني على أساس محاصصة تحكمت فتح في تحديد نسبها. فضلاً عن تولي كوادر فتح وانصارها، أغلبية مناصب دوائر ومكاتب المنظمة وعضوية مجالس الاتحادات المهنية والنسائية والطلابية التي أقامتها المنظمة أو رعتها، على قاعدة تقديم الولاء على الكفاءة، بحيث لم تعكس الأدوار القيادية ما يمتلكه شعب فلسطين من كفاءات ادارية ومهنية وفكرية مشهود لها في الوطن العربي.

 

ولا خلاف أن القمة العربية سنة 1974 اعتبرت المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني في صراعه التاريخي للتحرير والعودة. وانه بدماء شهداء المقاومة وبالدعم الشعبي العربي تحقق للمنظمة حضور عربي ودولي . إلا انه لم يواكب ذلك تطور كيفي في بنية أجهزتها، ولا في أداء قيادتها التي لم تعمل على تعزيز قدرات شعبها بما يعظم دوره كحاضنة للعمل الفدائي في مواجهة ما استهدفه. وبدلاً من استثمار المال العربي - الذي تدفق عليها باعتبارها ممثلة لشعب فلسطين - في تطوير اقتصاد الأرض المحتلة، وتحسين ظروف مخيمات الشتات، وظف في اكتساب ولاء المحاسيب والانصار والتحكم في خيارات قيادات الفصائل المنتفعة بالمنظمة، ما تسبب بانشقاقات ونزاعات متوالية.

 

ولقد توالى الطعن في خيارات قيادة المنظمة واتهامها بالتفريط منذ اعتماد برنامج “النقاط العشر”. واتسع اطار رافضي التنازلات بعد خطاب عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف صيف 1988 معترفاً بقرار مجلس الأمن رقم ،242 ومديناً “الارهاب”. متنازلا بذلك عن 78% من فلسطين وحق مقاومة الاحتلال. الامر الذي وسع وعمق اطار المعارضة، وتزايدت بعد توقيع اتفاق اوسلو سنة ،1993 وما كان آلاف المعارضين من مفكري وساسة فلسطين المعروفة أغلبيتهم بمواقفهم والتزامهم بالثوابت ضد المنظمة كمؤسسة، وانما ضد تسخيرها من قبل فريق اوسلو في تمرير المخططات المعادية للتحرير والعودة.

 

وحيث ترتب على اتفاق أوسلو سنة 1993 تغول سلطة حكم الذات على المنظمة، وتكريس الانقسام في الصف الفلسطيني، وإفقاد المنظمة الغاية من وجودها، كان منطقياً أن يتراجع النظر اليها كمرجعية وطنية. لا سيما وقد جرى سنة 1996 مسخ الميثاق الوطني بإلغاء وتعديل مواده التي تؤكد الحقوق الوطنية والالتزام بالكفاح لتحقيقها. وعليه تضاعفت المطالبة بتفعيل المنظمة واعادة بناء أجهزتها كافة، وتنقيح الميثاق مما لحقه، والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية على قاعدة الالتزام بالثوابت التي قامت المنظمة على الالتزام بها. ومع أنه جرى الاتفاق في مارس/آذار 2005 على عقد مؤتمر وطني لإعادة بناء المنظمة بمشاركة القوى الوطنية والاسلامية. إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق.

 

وما كان الجدل ليحتدم بين الفصائل الفلسطينية لولا ايمانها جميعها بأهمية المنظمة كمؤسسة وطنية جامعة، وضرورة تفعيلها وتمكينها من أن تكون حاضنة للوحدة الوطنية. والسبيل الأمثل لذلك الاتفاق على اجراء انتخابات للمجلس الوطني في الوطن المحتل والشتات. بحيث يكون المؤسسة الوطنية التي تتولى اعادة بناء المنظمة واجهزتها وتنقيح الميثاق، واقامة القيادة الجماعية الملتزمة بالثوابت، وتطوير ما أبرزته معركة الصمود في مواجهة المحرقة الصهيونية من امتلاك شعبنا قدرة فذة على تعميق أزمة المشروع الصهيوني والتقدم على الطريق الطويل للتحرير والعودة.

 

والسؤال الاخير: هل الذين انتفضوا انتصارا للمنظمة، ايا كانت دوافعهم، مستعدون للدخول في حوار ديمقراطي للبحث في آلية انتخاب المجلس الوطني وتصويب المسار. أم أن ممارسة شعب فلسطين لحقة الديمقراطي باتت ممنوعة تحسبا من نتائجها؟

"الخليج" 

انشر عبر