شريط الأخبار

ماذا تريد "حماس" من المنظمة، وكيف يمكن إنقاذها؟ ..هاني المصري

02:41 - 03 تشرين أول / فبراير 2009

ـ الأيام الفلسطينية 3/2/2009

أولاً وقبل كل شيء أبدأ بانتقاد تصريحات خالد مشعل، لأنها مرفوضة وخطيرة من حيث الشكل والمضمون والتوقيت، كونها تدل، رغم كل المبررات المشروعة، على أن "حماس" تريد انتزاع المنظمة وليس المشاركة فيها. فـ "حماس" إذا لم تتمكن من السيطرة على المنظمة فإنها ستذهب لتشكيل منظمة تحرير بديلة أو موازية.

كما أن المخاطر من تصريحات مشعل تكبر من إمكانية استغلالها من قبل أعداء الوحدة الموجودين في السلطة والمنظمة لمفاقمة الشرذمة وتكريس الانقسام الى الأبد من خلال تحويله الى انفصال دائم.

"حماس" قامت كبديل عن المنظمة وكانت في المراحل الأولى بعد تأسيسها مباشرة، عندما تطرح المشاركة تقدم شروطا تعجيزية مثل المشاركة بنسبة لا تقل عن 40%.

ولكن "حماس" بعد أن اشتد عودها وبعد فشل اتفاق اوسلو، وبعد رحيل ياسر عرفات أصبحت مستعدة للدخول الى النظام السياسي الفلسطيني (المنظمة والسلطة) والسيطرة عليه وقيادته من الداخل سلماً أو حرباً.

واستطاعت أن تدخل السلطة من بوابة الانتخابات التشريعية، ولم تستطع أن تدخل المنظمة من بوابة إعلان القاهرة في آذار 2005، الذي لم يتم تطبيقه حتى الآن.

لذا، إذا لم تستطع أن تدخل المنظمة عبر الحوار ستسعى لفرض نفسها وحلفائها كمرجعية جديدة للفلسطينيين كخطوة على طريق إقامة منظمة موازية أو بديلة. وأهلاً وسهلاً بمشاركتها وحتى قيادتها إذا نمت سلماً وبالشكل الديمقراطي، وألف لا لاستخدام العنف لتحقيق هذا الهدف.

يخطئ من يعتقد أن المحاولة الحالية لشطب أو تجاوز أو السيطرة على المنظمة سيكون مصيرها الفشل بكل بساطة مثل سابقاتها التي كانت تقوم بمبادرة اسرائيلية أو أميركية اسرائيلية، أو على يد نظام عربي، كان على خلاف مع قيادة ياسر عرفات وبالاعتماد على طرف فلسطيني ضعيف غير قادر على منازعة القيادة الفلسطينية.

فـ"حماس" التي تقوم بمنافسة "م.ت.ف" على تمثيل الشعب الفلسطيني، حركة فلسطينية قوية، فازت بالأغلبية بالانتخابات التشريعية الأخيرة، وحسمت الأوضاع لصالحها عسكريا في غزة، وقادت الحرب الفلسطينية - الاسرائيلية الأخيرة، وتعتبر امتداداً لحركة الاخوان المسلمين، الحزب السياسي الوحيد الصاعد بقوة في الوطن العربي، وفي العديد من البلدان الاسلامية، وترتبط بتحالفات وثيقة مع محور الممانعة العربية الذي يضم سورية وقطر والسودان، ومع ايران الدولة الإقليمية الصاعدة، وبدأ ينسج علاقات وثيقة، خصوصاً إبان وبعد الحرب الأخيرة مع تركيا، الدولة الإقليمية الكبرى التي تنافس على النفوذ والسيطرة الى جانب اسرائيل وايران.

تأسيساً على ما سبق فإن المعركة على تمثيل المنظمة ليست محسومة سلفا لصالح المنظمة، كما كانت المعارك السابقة، بل هناك خطر شديد أن تضعف الشرعية الفلسطينية أكثر وأكثر، بل وتنهار كليا، بدون أن تصعد شرعية جديدة بقيادة "حماس" أو غيرها. فالمنظمة حصلت على الشرعية الفلسطينية والعربية والدولية، بعد نضال مديد وتضحيات غالية، وفي مرحلة التضامن العربي وبروز الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية ونهوض حركة التحرر الوطني العالمية، مرحلة الصراع والحرب الباردة بين المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفييتي والمنظومة الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، بينما نحن الآن، في مرحلة العولمة، حيث يسود قطب واحد، وتتقدم الأقطاب الأخرى لتأخذ دورها الى جانبه بصعوبة، ما يعني أن الأوضاع العربية والدولية (والاسرائيلية) لن تسمح بقيام منظمة تحرير جديدة أو بديلة أو موازية يتم الاعتراف بها وبشرعيتها وإنما ستكون لها بالمرصاد، ما يعني أننا سنكون أمام صراع محتدم بين قوتين "وشرعيتين" ستقضي الواحدة منهما على الأخرى، ما يفتح الطريق أمام الفوضى التي تستدعي البدائل الاسرائيلية لحل الصراع وتصفية القضية الفلسطينية.

وقبل تقديم اقتراحات لحل الأزمة التي تهدد وحدانية تمثيل "م.ت.ف" بشكل جدي، وأكثر من أية مرة سابقة، لا بد وأن نقول أن إضعاف "م.ت.ف" من قبل أهلها، ووصولها الى ما يشبه الشلل، هو الذي أوجدها في وضع لا تستطيع أن تدافع به عن نفسها بقوة.

فمنذ توقيع اتفاق اوسلو، الذي قدم حلاً أمنياً انتقالياً على مراحل، وأدى الى التخلي عن المقاومة قبل تحقيق الأهداف الوطنية، والى فصل القضايا عن بعضها البعض، وحول كل قضية الى تفاصيل، والتفاصيل الى أجزاء، ما أدى إليه من تقسيم الشعب بين شعب الأرض المحتلة عام 1967، وشعب الشتات، وضاع شعبنا داخل أراضي 1948، فاتفاق اوسلو هو الجذر الاساسي للخلاف الفلسطيني وهو نثر مبكراً بذور الانقسام اللاحق.

وما زاد الطين بلة، أن اسرائيل انقلبت على اتفاق اوسلو حيث كان اغتيال اسحق رابين، الذي شكل بداية لمرحلة جديدة أصبحت فيها اسرائيل لا تعترف بالالتزامات الاسرائيلية باتفاق اوسلو. حتى الالتزامات التي تم تطبيقها تراجعت عنها، كما حدث بإعادة احتلال الضفة الغربية والتراجع عن سيطرة السلطة على المعابر، وإغلاق الممر ما بين الضفة وقطاع غزة.

وبدلاً من أن تستنتج القيادة الفلسطينية العبر والدروس من انقلاب كافة الحكومات الاسرائيلية التي أتت بعد حكومة اسحق رابين على اوسلو، مضت في طريق المفاوضات الثنائية، ما أدى الى تآكل السقف التفاوضي الفلسطيني، وصولاً الى إعادة التنسيق الأمني (في ظل استمرار الاقتحام اليومي للقوات الاسرائيلية لمناطق السلطة) والى تطبيق خارطة الطريق من جانب واحد، واعتماد مسار انابوليس الذي يمثل ارتدادا عن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ومن ضمن الأخطاء الكبرى التي وقعت، إن لم نقل الخطايا، أن القيادة الفلسطينية تصورت بعد توقيع اتفاق اوسلو، ان الدولة الفلسطينية أصبحت على الأبواب، لذا تم تجاوز م.ت.ف وتهميشها الى حد كبير جدا، وتضخم دور السلطة بحيث أصبحت تكاد تكون كل شيء، ولم تعد المنظمة هي المرجعية للسلطة، ولا السلطة أصبحت مجرد ترتيب انتقالي نحو الدولة، ولم تخضع للبرنامج الوطني وأصبحت غاية بحد ذاتها، بعد أن مر عام 1999 المفترض ان تقوم فيه الدولة، مرور الكرام، ما كان يستدعي إجراء مراجعة شاملة لمسيرة المفاوضات وعملية السلام التي كانت ولا تزال عملية بدون سلام. لقد استنتج الزعيم التاريخي المرحوم ياسر عرفات الاستنتاجات المطلوبة من فشل قمة كامب ديفيد عام 2000 لذا حاول استعادة خيار المقاومة، ولكن بصورة مواربة ومن تحت الطاولة، ومن خلال محاولة الجمع المستحيل ما بين المقاومة المسلحة والسلطة والمفاوضات في مرحلة ما بعد 11 ايلول 1002 التي شنت فيها الولايات المتحدة الأميركية حرباً شعواء على الارهاب، وبصورة مكنت اسرائيل من المزج ما بين الارهاب العالمي والمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال، ما ادى الى حدوث العدوان الاسرائيلي على أراضي السلطة في الضفة عام 2002 وصولاً الى اغتيال ياسر عرفات بعد حصاره عدة سنوات في مقره في رام الله. وبدلا من الخروج من حادثة اغتيال ياسر عرفات بالاستنتاجات المطلوبة، تصورت بعض الأوساط الفلسطينية في السلطة والمنظمة، بأن عرفات هو الذي كان العقبة أمام نجاح المفاوضات، وتساوقت مع دعوة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لإيجاد قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة تحارب الارهاب حرباً لا هوادة فيها وتسعى للبرهنة على جدارة الفلسطينيين بالحكم عبر وقف المقاومة المسلحة وقفاً تاماً، ولكن هذه الجهود لم تثمر عن دولة فلسطينية، وإنما عن إطلاق عدة دفعات من الأسرى الذين أمضى غالبيتهم معظم محكوميتهم، في حين واصلت اسرائيل بكثافة تطبيق مخططاتها التوسعية والعنصرية والاستيطانية والعدوانية لخلق أمر واقع يجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليا ما أضعف السلطة والمنظمة وجعل خيارها يبدو عبثياً أمام الفلسطينيين جميعاً. في الأيام الأخيرة، وبعد العدوان الاسرائيلي الهمجي على غزة، والذي كان أحد أهدافه ابقاء الانقسام الفلسطيني وتعميقه، وبعد أن ظهر أن اسرائيل غير جاهزة للسلام ولا تؤمن سوى بالقوة والعدوان، وأن ما لا تحققه القوة يحققه المزيد من القوة، بدأنا نلاحظ نوعا من أنواع المراجعة عند القيادة الفلسطينية، مثل إدانة اسرائيل بقوة، والحديث عن الاستعداد لعمل كل ما يلزم لمحاكمة قادتها على الجرائم الاسرائيلية في غزة، وعن أنها غير جاهزة للسلام، ووضع شرط بوقف الاستيطان لاستئناف المفاوضات، وإعادة الاعتبار للمقاومة التي اعتبرت سابقا وأثناء العدوان بأنها تفني الشعب في حين انها تحييه. فبدون المقاومة كانت القضية الفلسطينية قد اندثرت منذ زمن طويل. وبدون المقاومة لا يمكن دحر الاحتلال. إن الأمر المهم والحاسم الذي يجب أن يجيب الفلسطينيون عليه إجابة صحيحة هو: ما هو البرنامج الفلسطيني، وما هي أشكال المقاومة والعمل السياسي الضرورية من أجل تحقيقه؟ هل لا يزال برنامج اوسلو قائما؟ أم نحن بحاجة الى برنامج وطني كفاحي شامل؟ بالإضافة الى كل ما تقدم، لقد تم تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني "كرمال عيون" الرئيس بيل كلينتون، وهو الأساس الذي يجمع الفلسطينيين ولم يتم وضع ميثاق جديد ليكون أساساً صلباً لإعادة توحيد الفلسطينيين.

كما لم يتم تفعيل وإصلاح المنظمة، رغم أن هذه الدعوة تتردد في أروقة ومؤسسات المنظمة منذ أكثر من عشرين عاما. أذكر أنني حضرت اجتماعا للمجلس المركزي الفلسطيني في بغداد عام 1988 كان عنوانه إصلاح المنظمة وتفعيلها، ولكن السنوات تمضي بدون اصلاح ولا تفعيل. فما الذي يمنع تفعيل المنظمة؟ وما علاقة "حماس" بذلك؟ كان يمكن تفعيل وإصلاح المنظمة منذ زمن طويل، بدون وقبل مشاركة "حماس". وبدلاً من تفعيل المنظمة تم إضعافها من خلال عدم عقد المجلس الوطني الفلسطيني، طوال أكثر من عشرة أعوام وتم تحويل السفارات الفلسطينية في الخارج لمسؤولية السلطة، وأصبحت المنظمة المفترض أنها القيادة والمرجعية، بندا في موازنة السلطة. ولا تظهر المنظمة الى الوجود وفي معظم الحالات إلا في مجال الرد والمناكفة ضد حركة "حماس" واللجنة التنفيذية بحاجة الى تغيير وتجديد وإصلاح بعد أن مات من مات وشاخ من شاخ. أين مؤسسات ودوائر المنظمة؟ أين تمثيل المنظمة لشعبنا في الشتات؟ أين دفاعها عن مصالحه وتصديها لمعالجة همومه ومشاكله في لبنان والعراق وكل مكان؟ إن الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل، لا تريدان إحياء المنظمة وتقويتها لأن ذلك يبعد احتمالات فرض الحل الاسرائيلي - الأميركي للقضية الفلسطينية، ويريدان إبقاء المنظمة بين الحياة والموت، لكي تقوم بمهمتها الأخيرة وهي التوقيع على التسوية النهائية باسم الشعب الفلسطيني كله. إن اصلاح المنظمة وتفعيلها وإعادة تشكيلها بحيث تضم من لا يزال خارجها هو الرد على الدعوات لتشكيل مرجعية جديدة او بديلة موازية، وهذا يتطلب:

1- وضع ميثاق وطني جديد يرتكز الى مرتكزات المصلحة الوطنية العليا.

2- إعادة الاعتبار لبرنامج "م.ت.ف"، برنامج إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وحقه في العودة وفي إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وعاصمتها القدس على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بعيدا عن "اوسلو" ومسار "انابوليس" وخارطة الطريق والتنسيق الأمني.

3- تفعيل مؤسسات ودوائر "م.ت.ف" من خلال تجاوز نظام المحاصصة الفصائلية في بنائها الداخلي، واعتماد نظام ديمقراطي يقوم على العمل الجماعي والمؤسسي والانتخابات حيثما أمكن ذلك على اساس التمثيل النسبي الكامل، والتوافق الوطني في الأماكن التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات وعلى أساس معايير متفق عليها، وعلى الشراكة الوطنية التي تقوم على أن يأخذ كل طرف ما يستحقه، وعلى أساس المساواة وتكافؤ الفرص والانتاجية ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

4- إعادة السلطة الى مكانها الطبيعي كذراع من أذرع "م.ت.ف"، بحيث تخضع لها ولبرنامجها الوطني، ويمكن الأخذ بمبدأ الفصل ما بين رئاسة المنظمة والسلطة حتى يتحقق الغرض المطلوب وهو ان تكون المنظمة مرجعية السلطة وهو اقتراح سبق أن طرحته وطرحه غيري عند تأسيس السلطة وأيده الكثير من الأشخاص.

5- السعي لإعادة تشكيل المنظمة بحيث تضم كافة الشرائح والقوى الفلسطينية.

وإذا تم السير في هذا الطريق، تصبح المنظمة قولاً وفعلاً، ممثلاً شرعياً وحيداً وقادرة على توحيد الفلسطينيين. ومن يرفض سيعزل وسيتحمل مسؤولية ذلك أمام الشعب والتاريخ.

بعد هذا كله نتساءل: من أضعف المنظمة ومن يريد السيطرة عليها؟.

 

انشر عبر