شريط الأخبار

وليد سيف: غزة الفاضحة.. معركة المعاني

04:27 - 02 تموز / فبراير 2009

وليد سيف

 

تتأرجح الكتابة بين لغة الفؤاد النازف ولغة العقل الناقد، بين ابتزازيين: ابتزاز خطاب عقلاني زائف يحرّم علينا الغضب الجارف في وجه أبشع صور الظلم والإبادة، مثلما يحرّم علينا بكاء ضحايانا بصوت مجروح يليق بالجنازة الجمعية، وكل ذلك تحت طائلة الاتهام بالانجراف وراء العواطف والانفعالات المعطّلة للعقل والتدبير، وبين ابتزاز عواطف متفجرة متدفقة كالنهر الهادر تصرخ تحت وطأة الكابوس بصوت لا يُسمع: إذا كان العقل يحرّم غضب القلب والضمير، فليذهب إلى الجحيم، وإن لم يكن في الوسع أن نتكافأ مع جلادينا في الحياة، فلنتكافأ بالموت... ولتكن القيامة الآن!

 

ولكن من اخترع ابتداءً هذه الثنائية المصطنعة بين العقل والقلب؟! أي عقلانية هذه التي تريد أن تقنعنا أن الصراع في فلسطين لم يعد صراعا بين دولة الاغتصاب والاحتلال والشعب المنكوب بالاحتلال والحصار والتجويع والتركيع والذبح والقتل الجماعي، وإنما هو صراع بين محور التشدد وعلى رأسه إيران، ومحور "الاعتدال".

 

وعليه، فإن صواريخ حماس هي الفعل المحرّض الذي أوجب ردة الفعل الإسرائيلية، وإن هذه الصواريخ لم تنطلق ردا على الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق الهدنة التي شملت أكثر من مائة وخمسة وعشرين خرقا عسكريا، فضلا عن الحصار القاتل الذي امتد سنة ونصف السنة، وإنما انطلقت بأوامر إيرانية لتحقيق أجندة إيرانية ضد دول "الاعتدال" العربي؟!

 

إذن، فحرب غزة هي حرب بالوكالة لا شأن لها بالمقاومة والاحتلال! لا بأس إذن، ولكن أفيدوني: إذا كانت المقاومة الفلسطينية في غزة هي الوكيل الإيراني في هذه الحرب، فمن وكيل دول الاعتدال المستهدفة فيها؟ إذ لا نعلم أن صواريخ حماس قد سقطت في أرض عربية.

 

هل نفهم إذن من هذا المنطلق العقلاني أن "إسرائيل" هي وكيل أطراف "الاعتدال"، وأن استهدافها بصواريخ حماس كان في باطن الأمر استهدافاً لتلك الأطراف؟! هل بلغ الأمر بهذا المنطق "العقلاني" أن يماهي بين إسرائيل ودول الاعتدال؟ فأي دعاية أفضل من هذه لإيران ولأطراف الممانعة؟ وأي دعاية أقبح من هذه لدول "الاعتدال" ؟! ما لكم كيف تحكمون؟!!

 

المقاومة= إيران وأطراف الممانعة

 

إسرائيل= محور الاعتدال العربي

 

أهذا ما ترغبون في تأكيده لنا؟ مرحى إذن! قد وصلت الرسالة! فمن حيث أردتم الطعن في المقاومة الفلسطينية في غزة بإحالتها إلى إيران وأجندتها لا إلى دواعي المقاومة المشروعة للاحتلال الغاشم، عظمتم الموقف الإيراني حين أحلتموه إلى المقاومة وأحلتم أنفسكم إلى العدو الإسرائيلي الأميركي.

 

نعم، اغتصاب الوطن واحتلاله والتجويع والتركيع والإبادة الجماعية والتشريد واستهداف الأطفال والنساء والمدنيين على مدى ستين سنة ونيف، ليست أسباب كافية للمقاومة. ولكن المقاومة اختراع إيراني خالص لا يواجه إسرائيل إلا بقدر ما يواجه محور الاعتدال!

 

إلى هذا الحد ينحط خطاب العقلانية والاعتدال ليرتد على نفسه، وهو يحاول أن يُجهز على نظام المعاني التحررية، ليكرس خطاب الإذعان والاستسلام.

 

نعم، لم يدخر الخطاب السياسي الإسرائيلي الصهيوني أثناء عدوانه النازي على غزة جهداً في التماهي مع خطاب الاعتدال العربي، ليتخذ منه ستاراً أخلاقياً يسوغ العدوان. فيتوالى المسؤولون الإسرائيليون من بيريز إلى أولمرت إلى باراك إلى ليفني، على التأكيد بأن حربهم على غزة والمقاومة إنما يستهدف المشروع الإيراني في المنطقة وأنه لا يتجاوز موقف الاعتدال العربي المهدد بالمشروع نفسه، ولا يتعدى موقف الشرعية الفلسطينية ممثلاً بعباس والسلطة.

 

ثم إذا سكت صوت المدافع لم يتوانَ أولمرت على الإعلان بأن الحملة الإسرائيلية (على أطفال غزة ونسائها) قد أضعفت قبضة حماس لصالح تقدم السلطة الفلسطينية فيها! وفي أثناء ذلك كله لم نسمع من عباس ومن حوله عبارة واحدة تعترض على هذه المسوغات الإسرائيلية التي تحتمي أخلاقياً بظهورهم.

 

ألا يصح القول إذن: أن إسرائيل أرادت القضاء على حماس، فلم تصب من حماس والمقاومة بعض ما أصابت من عباس والسلطة التي تعمدت أن تتماهى معها دون اعتراض!

 

ما لكم كيف تحكمون!

 

لا بأس إذن. المقاومة التي أمرت بها السماء وأقرتها الشرعة الدولية الأرضية للشعوب التي تتعرض للاحتلال، هذه المقاومة عبثية في الحالة الفلسطينية، وهي تقضي على فرص البديل الممكن: السلام والعملية السياسية ! وهذا يفترض ضمنا أن العملية السياسية كانت، والحمد لله، تجري على قدم وساق وتتقدم نحو غايتها المنشودة: انسحاب المحتل من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة، وتفكيك المستوطنات، وسيادة الدولة الفلسطينية على كامل أراضيها ومعابرها. وكل ذلك وفق قرارات الشرعية الدولية التي أسهمت فيها نفس القوى التي خلقت إسرائيل ابتداءً ثم جعلت انحيازها المطلق لها إستراتيجية ثابتة.

 

هل كان هذا هو الحال حقا قبل أن تنطلق صواريخ حماس "العبثية" بأمر إيراني؟ إن لم يكن قد أصاب الخلل ذاكرتنا فإن العملية السياسية قد بدأت منذ التسعينات، وترجل الفرسان عن خيولهم فوضعوا السلاح وجنحوا للسلم بعد أن تنزلت عليهم لحظة التنوير الأميركي وانقشع الوهم السوفيتي، وذهبوا إلى أوسلو، مرة بعذر المضطر، ومرة بعذر العمل المرحلي، ومرة بعذر تأمين موطئ قدم في الوطن المحتل للانطلاق منه إلى إنجاز آخر، في زمن آخر تعتدل فيه الموازين، ومرة بعذر العجز العربي المؤبد وإسقاط خيارات الحرب، ومرة بعذر الواقعية السياسية التي تسترشد بالعبارة المأثورة "السياسة فن الممكن" ومعناها الحقيقي "ليس في الإمكان أبدع مما كان" (مع تجاهل أن السياسة أيضاً هي فن خلق الإمكان، بل مع تجاهل أن أصل الداء وأس البلاء هو غياب الإرادة العربية السياسية لاستخدام الممكن فعلاً)، ومرة بدعوى أن المقاومة لا تنحصر في الجانب العسكري، وأن لها أشكالاً أخرى كالعمل السياسي، أو "الاشتباك السياسي" كما يُفَضل المتنورون الواقعيون الجدد، ليوهمونا بأنهم قد انتقلوا من شكل من أشكال المقاومة إلى شكل آخر!

 

ومهما تكن الدواعي والتعّلات، فأين انتهت أوسلو؟ أفيدونا أيها الناس! وكيف انتهى ياسر عرفات –رحمه الله– ؟ ألم ينته بأن ألزمه شريكه في أوسلو وفي العملية السياسية وفي نوبل غرفة واحدة في مقره محاصراً بالدبابات والجرافات الإسرائيلية؟ ألم ينفض شريكه يَده من يده معلناً أنه لم يعد شريكاً مقبولاً في العملية السلمية؟ ألم يضغط لنقل جزء من سلطاته بوصفه رئيس السلطة إلى رئيس وزراءه عباس باعتباره الشريك البديل المقبول، ثم إذا يأس من ذلك أرسله إلى حتفه على الأرجح؟ وفي كل هذه الأثناء ألم تتوسع المستوطنات وتتضخم لاغتيال آخر وعود أوسلو مع اغتيال الشريك الفلسطيني الأول فيها؟.

 

لا بأس. ربما كان الحق على ياسر عرفات –رحمه الله- لأنه لم يستفد من الفرص المتاحة، ولم يقبل أن ينزل عن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية (حسب تعريفات قرارات الشرعية الدولية) وظن أنه قادر على التشاطر على الشريك الإسرائيلي في العملية السياسية. هكذا قال لنا منظرو الواقعية السياسية الجديدة، وبعضهم من رجال السلطة الأكثر استنارةً وعقلانيةً وواقعيةً.

 

ذهب ياسر عرفات. وجلس مكانه من أعلنت "إسرائيل" والولايات المتحدة أنه الشريك المعقول لولا تعطيل عرفات له، وأنه البديل الأكثر زكاةً وأقرب رُحْما. فماذا أعطته إسرائيل وقد صار رئيس السلطة الشرعي، لتحرج دُعاة المقاومة وتسقط دعاواهم وخطابهم "المتطرف"؟

 

أفيدونا أيها الناس! ماذا أعطته إسرائيل، قبل أن تحمل العملية الديمقراطية والانتخابات الحرة النزيهة "حماس" إلى المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينية؟ إذا لم يكن ثمة خلل في الذاكرة فإننا نتذكر أن "إسرائيل" قد أعلنت في وقت ما أن من كانت تراه في الأمس رجل السلام المعقول وشريكه الصادق، ليس حقاً كما كانت تتوهم، وأن أملها قد خاب فيه طالما أنه لم يقدم استحقاق الشراكة وشهادة حسن السلوك بالقضاء على المقاومة المسلحة والعمليات الاستشهادية: رأس "يحيى" المقاوم عند أقدام سالومي مقدمةً شرطيّةً لشهادة حسن السلوك من "إسرائيل".

 

أين هي إذن تلك العملية السياسية التي كانت تتقدم نحو غايتها كي تتحمل المقاومة تهمة الإطاحة بها؟

 

أليس الأصح أن المقاومة قد اكتسبت المزيد من المسوغات والدعم الشعبي نتيجة لإخفاق العملية السياسية، الأمر الذي يحمل إسرائيل تراجع نهج السلطة السياسي أمام نهج المقاومة، ومهّد من ثمَ لفوز حماس بالانتخابات التشريعية إضافة إلى أسباب أخرى كثيرة، وهي الانتخابات التي شهدَ لها العالم بأنها كانت الأكثر حرية ونزاهةً في أقطار الوطن العربي، وعبر الشعب الفلسطيني عن إرادته عبر صناديق الاقتراع التي ما فتئت أميركا تضفي عليها معنى مقدساً في سياق حربها على التطرف والإرهاب.

 

وكان ما هو معلوم، ووصلت حماس إلى الحكومة. وعلى الفور أغلقت الولايات المتحدة كتاب الديمقراطية المقدس، وتنكرت لخيار الشعب الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع وهو يعلم ما هي حماس ومن أي جاءت وما هو برنامجها وخطابها ومرجعيتها المبدئية. وبدأ التواطؤ فوراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا وأطراف فلسطينية، مع الأسف، لإسقاط نتائج العملية الديمقراطية ومعاقبة الشعب الذي لم يعرف كيف يختار ومن يختار!

 

إسرائيل تعتقل جملة من أعضاء المجلس التشريعي المنتخب عن حماس ومن بينهم رئيس المجلس، والمساعدات تتوقف، ويبدأ الضغط الإسرائيلي والدولي لانتزاع جزء من مسؤوليات الحكومة وثقلها إلى مؤسسة الرئاسة (السلطة).

 

أي مفارقة أو مفارقات! في أثناء رئاسة ياسر عرفات، ينشأ ضغط لتوسيع سلطات رئيس الوزراء "عباس" من حساب الرئيس. حتى إذا ذهب أبو عمار –رحمه الله– وصار عباس رئيسا، تكتشف إسرائيل أنه ليس الشريك الذي كانت تؤيده، ثم إذا صعدت حماس إلى الحكومة، صار لا بد من توسيع سلطات الرئيس ولاسيما في المجال الأمني من حساب رئيس الحكومة وحكومته! وبين هذا وذاك، لا شيء للعملية السياسية سواءً أكان عباس رئيس حكومة أم رئيس سلطة، والعصا الغليظة لغيره سواءً أكان رئيساً للسلطة (أبو عمار) أم رئيسا للحكومة "هنية".

 

الخيار إذن بين أن تكتفي إسرائيل بألا تعطيك شيئاً في خط العملية السياسية (إذا كنت ملتزماً بها) وبين أن تهدم السقوف على رأسك ورؤوس شعبك إذا تمسكت بنهج المقاومة في ظل إخفاق العملية السياسية! فأين تذهبون؟

 

وفي الوقت نفسه، بدأت عملية انقلاب غير منظورة ضد حكومة حماس المنتخبة! نعم، كن متعاطفاً مع حماس أو خصماً لها، كن مع مبدأ حق المقاومة ضد الاحتلال أو كن ضده، ولكن كن منسجماً على الأقل مع المنطق العقلاني الذي تحاصر به خصومك، ومبدأ الديمقراطية الذي تتعبد به، واعترف بالواقع الذي يشهد لنفسه.

 

نعم، بدأت على الفور عملية انقلابية من داخل أجهزة السلطة، ولاسيما الأمنية منها، ضد حكومة حماس المنتخبة. والعبارة الأخيرة تضمر هذه الحقيقة لمن ألقى السمع وهو شهيد، وتحلى بأقل قدر من الموضوعية والنزاهة والإخلاص.

 

فحين نذكر أجهزة السلطة في مقابل حكومة حماس، فما الذي تعنيه هذه الثنائية الشاذة؟ إن تعبير "أجهزة السلطة" في هذا السياق لا يحيل حقّاً إلى مؤسسات الدولة العامة التي يفترض أن تديرها الحكومة، أي حكومة شرعية، حتى حين تتناوب الأحزاب على تشكيل الحكومات وفقاً للعملية الديمقراطية: في كل مكان في العالم تأتمر أجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية بأوامر الحكومة الشرعية والإدارة السياسية العليا، وقد تتغير الحكومات في الدولة الديمقراطية، وتختلف برامجها السياسية، ولكن أجهزة الدولة ومؤسساتها تبقى خاضعة للإدارة السياسية الحكومية حسب القانون. فلا ثنائية بين الحكومة القائمة الشرعية وتلك الأجهزة والمؤسسات التي يتوجب عليها أن تنفذ أوامر الوزارات المعنية وتتصرف وفق قراراتها. أما الحديث عن السلطة وأجهزتها ومؤسساتها من جهة، والحكومة المنتخبة من جهة أخرى في الحالة الفلسطينية، فلا يفيد إلا بأن أجهزة السلطة وإدارتها ومؤسساتها، ومنها المؤسسات الأمنية، تمثل طرفاً سياسياً أو حزباً أو فصيلاً في مقابل الحكومة التي تمثل فصيلاً أو حزباً أو فريقاً سياسياً آخر.

 

وفي هذه الحالة المختلّة لا تأتمر إدارات الدولة بأمر الحكومة ولكن بأمر قيادة حزبها، وليس للحكومة الشرعية ولاية عليها في واقع الأمر. وهذا ما لا يفرّ به قانون في العالم. فلم إذن نلجأ إلى الانتخابات الديمقراطية ونقر مبدأ التناوب السلمي على السلطة، إذا كان المطلوب أن تأتي الانتخابات بمن يمثلون نفس الفريق الذي تنتسب إلى إدارات الدولة، وإلاّ فلا طاعة للحكومة المنتخبة.

 

هذا هو الخلل البنيوي الذي تأسس مع قيام السلطة ابتداءً، حين اختصت الإدارات والأجهزة الأمنية بفريقها الفتحاوي بصورة أساسية، ما قطع الطريق مسبقاً على جدوى عملية ديمقراطية يمكن أن تأتي بفريق حكومي ينتمي إلى منظمة سياسية أخرى.

 

والآن، ما الذي يعينه -في كل أقطار العالم- أن ترفض إدارات الدولة المدنية والأمنية ولاية الحكومة الشرعية، وتسستقل بإرادتها متوجهة فقط بأوامر المنظمة السياسية التي تنتسب إليها؟ ماذا تفعل حكومة عربية أو أجنبية تتمرد على ولايتها وقراراتها إدارات الدولة الأمنية مثلاً؟ ألا يُعدّ ذلك بمثابة انقلاب وخروج على القانون؟ ألا تحشد الحكومة في هذه الحالة كل ما تستطيع حشده من مؤيديها في المؤسسة العسكرية لإخماد الانقلاب، فإذا أخفقت لجأت إلى المؤسسات الشرعية الدولية لإعانتها على المتمردّين؟!

 

من المتوقع في هذه الحالة الفلسطينية الفريدة التي نشأت عقب تولّي حماس الحكومة أن تبدأ حماس في خلق أجهزتها الأمنية الموازية التي تطيع ولايتها، كي يزداد الوضع تأزما ويتجه نحو الصدام والتفاصل المدمّرين.

 

وإذن فقبل الحديث عن انقلاب حماس في غزة يجب أن يجري الحديث عن انقلاب أجهزة السلطة الأمنية على ولاية الحكومة المنتخبة. فكان لابد أن يفضي ذلك إلى الصدام والتفاصل على نحو ما جرى في غزة. وكان هذا ما ترغب به إسرائيل والولايات المتحدة لشق الصف الفلسطيني وتسويغ الحصار المدمّر على غزة والتواطؤ الدولي والإقليمي على الحكومة المنتخبة والمقاومة بصفة عامة، بمعاذير جديدة تتستر بشرعيّة السلطة وشرعية الرئيس وتجتهد أن تتماهى معها وتسوّغ ممارستها القمعية بها، وتتباكى عليها وتخفّ لدعمها.

 

وفي هذا السياق بالضبط يتم تغيير خطوط جبهات الصراع. فبدلاً من أن تكون المفاصلة بين قوى الاحتلال والاغتصاب (إسرائيل) من جهة، والشعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال بكل أطيافه وفصائله من جهة أخرى، تصبح القسمة بين تيارات المقاومة (الموسومة بالتطرف والتشدد والإرهاب) من جهة، وقوى السلام والاعتدال التي تجمع قسراً إسرائيل مع السلطة من جهة أخرى.

 

وربما لم تكن السلطة راغبة في هذا التماهي، ولكنها تركت لإسرائيل والولايات المتحدة والأطراف الإقليمية المتواطئة أن تجرها إلى هذا الوضع.

 

وإذ إن الخلاف الإقليمي العربي والإسلامي قائم أصلاً، يصبح بالإمكان توسيع القسمة الجديدة لتصبح بين محور الممانعة التي يضم إيران سوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية في جبهة واحدة، وبين محور "الاعتدال" المعروف الذي وجدت أطراف عربية نفسها تجتمع فيه مع السلطة وإسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا، من جهة أخرى.

 

لا أحسب أن العدو الصهيوني قد حقق اختراقاً عربيا أعظم من هذا. خرجت إسرائيل من وضعها بوصفها الجبهة المعادية لمجمل الجبهة الفلسطينية والعربية والإسلامية، لتصير جزءا من قسمة إقليمية أوسع تضعها في نفس الخندق مع أطراف عربية وفلسطينية.

 

الصراع لم يعد بين المشرع الصهيوني الإحلالي الاستيطاني (الموظف أصلاً ضد مجمل الأمة العربية ومصالحها، فضلاً عن اغتصابه وطناً عربياً واحتلال أراضيه وتشريد شعبه وتجويعه وذبحه) وبين الشعب الفلسطيني المكافح من أجل حقوقه الشرعية –حتى في إطار تعريفات الشرعية الدولية– ومعه أمته العربية المستهدفة عامة بالمشروع الصهيوني الامبريالي، وإنما الصراع الآن كما استدرجتنا إليه إسرائيل وأميركا هو بين محور التطرف الفلسطيني والإقليمي المعادي للسلام، ومحور "الاعتدال" العربي والفلسطيني العقلاني المحب للسلام والمعادي للإرهاب والتطرف: صراع إقليمي عام يختزل في ثنائية التطرف والاعتدال، بدلاً من ثنائية الاحتلال ورفض الاحتلال، أو ثنائية المشروع الصهيوني المعادي لمجمل الأمة، ومشروع النهوض العربي والإسلامي المعادي لمشاريع الهيمنة الامبريالية ووكيلها الصهيوني في المنطقة.

 

مع هذا التحول، يصبح بالإمكان إذا اصطدمت المقاومة وشعبها المظلوم بقوة الاحتلال الصهيوني، أن نغفل الحديث عن دور الاحتلال والتعنت الإسرائيلي باعتبارهما رأس الداء وأس البلاء في خلق أسباب المقاومة الشرعية، وأن يتحدث المعتدلون العقلانيون الواقعيون (!!) بدلاً عن ذلك عن دور التطرف الذي تقوده إيران وسوريا في زعزعة أمن المنطقة خدمة لأجندتهما السياسية الموجهة، لا ضدّ إسرائيل، ولكن ضدّ أطراف "الاعتدال" العربي.

 

فإذا شنّت إسرائيل عدوانها النازيّ على غزة، رفعوا عقائرهم بالصياح: هذه إيران من جديد ومعها سوريا، ممثلتين في المقاومة وحماس التي افتعلت –حسب هذا المنطق– الصدام. ومن جديد، ضد من "افتعلته" حماس السورية الإيرانية إذا كان الطرف الآخر في الميدان هو إسرائيل"؟!

 

 نعم.. ضدّ محور الاعتدال الذي قضت الظروف أن تمثله "إسرائيل" في ميدان المواجهة نيابة عن الأطراف العربية والفلسطينية المنسوبة إلى هذا المحور!!؟

 

ومن جديد: أهذا خير ما يصنعه ممثلو "الاعتدال" وأبواقهم الإعلامية في الترويج لأنفسهم والطعن في محور الممانعة أو "التطرف" حسب تعريفهم، وبخاصة إيران وسوريا؟ ألا يلحظ رئيس السلطة أن مدافع إسرائيل قد هدمت المباني في غزة، نعم، ولكنها هدمت معها –لا المقاومة- وإنما صورته ومصداقيته والمعاني التي يعرف نفسه بها؟

 

مالكم كيف تحكمون!

وفجأة يكتشف إعلاميو العار العرب مدى انتمائهم الروحي العميق للعقيدة الإسلامية السنية وخشيتهم على مصير العالم السني من التمدّد الشيعي الإيراني.

 

دع عنك ما هم عاكفون عليه من كؤوس الخمر وكتب الحكمة الأميركية والصهيونية المقدسة، وخلواتهم التعبدية في الحانات والنوادي الليلية، وصيحاتهم المنكرة في كل حين ضد كل ما هو إسلامي يفضلون وصفه "بالإسلاموّية" تهزيئاً وتبخيساً، وضدّ كل ما هو عروبي يفضلون وصفه "بالقومجية" تهزيئاً وتبخيساً، وضدّ كل ما هو عدالة اجتماعية يفضلون وصفه بالاشتراكية الغاربة الملوثة بذاكرة القمع البوليسي والحكم الشمولي، وضدّ كل ما هو مقاومة للظلم والاحتلال، يفضلون جمعه في سلة واحدة مع الإرهاب والتطرف اللذين يحيلونهما إلى أسباب ثقافية عقدية، بدلاً من السياسات الظالمة التي وظفوا أنفسهم لخدمتها وتسويقها.

 

ودع عنك تلويثهم المنهجي المتعمد لمعاني الجهاد –ذروة سنام الإسلام– حتى صارت كلمة "جهاديين" مرادفة باستعمالهم للإرهابيين.

 

دع عنك هذا كله، فإذا حمي الوطيس ووقع الاختبار ذكروا عقيدتهم السنية واستدعوا حميتهم الدينية السنية وصاحوا صيحتهم المنكرة: أصرفوا وجوهكم عن إسرائيل والولايات المتحدة إلى العدو الإيراني الشيعي، فهو الخطر الأعظم، وواجهوه بكل ما استطعتم، حتى لو كانت إسرائيل من وسائل الدفع والاستطاعة. واجهوه أينما ثقفتموه: في لبنان (حزب الله )، وفي فلسطين المغتصبة والمحتلة (حماس)، واقطعوا مع سوريا قطيعةً لا رجوع منها. وكل ذلك نصرة لدين الله!

 

ولا بأس في هذا السياق أن نضلل الناس بالقول إن حماس منظمة شيعية لمجرد أنها تتلّقى المعونة من إيران، بينما يعلم القاصي والداني أن حماس سنية خالصة لا تحيد عن سنيتها.

 

ولا أدري إذا كان يمكن تصنيف "شافيز" الفنزويلي المسيحي اليساري في خانة التشيع، طالما أنه ينحاز إلى محور الممانعة وإلى المقاومة الفلسطينية المحسوبة على إيران الشيعية!

 

ولكن أفيدونا أيها الإعلاميون العقلانيون الواقعيون المدرجون في قائمة العار الصهيونية، لماذا تطلقون صيحاتكم المنكرة ضد التمدد الإيراني الشيعي من خلال حزب الله والمقاومة الفلسطينية فضلا عن سوريا، ولا تطلقون مثلها ضد القوى العراقية الحاكمة الجديدة التي لا يخفى ارتباطها التاريخي والعقدي والسياسي بإيران!

 

لا، والذي بعث محمدا بالحق، ما أنتم بسنة ولا بشيعة، ولا بمسلمين ولا بعرب، ولا حتى بليبراليين مخلصين يؤمنون حقاً بالديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع التي جاءت بحماس، فقد نجم نفاقكم في هذا الشأن حتى لا يخفى على أحد. بل أنتم صهاينة وحسب: نعم صهاينة عرب، ولا يوجه ردود فعلكم إلا ثلاثة عناوين:

 

- كره الإسلام والإسلاميين، حتى لو جاءت بهم صناديق الاقتراع. وإلا لماذا أعلنتم العداء ضد حماس منذ لحظة انتخابها، وقبل ما أطلق عليه "انقلابها في غزة"!؟

 

- بغض مفاهيم المقاومة والجهاد بإطلاق، حتى لو كان ذلك استجابة لتحدي الاحتلال والاغتصاب والقتل الجماعي.

 

- الولاء المطلق للبرنامج الأميركي في المنطقة حتى لو كان ضد حكوماتكم وأوطانكم.

 

وقد نضيف إلى بعض هؤلاء أو جلهم كراهة معلنة أو مضمرة ضد الشعب الفلسطيني المزعج الذي لا يرضى أن يموت بصمت، والذي تحرج ركلاته سياسات الإذعان والاستسلام، وتحرج قضيته العلاقات المقدسة مع الولايات المتحدة وتعرضها للاهتزاز. فمن يوالي سياسات المتحدة لا يمكن أن يحتفظ بالوقت نفسه بعقيدة العداء ضد المشروع الصهيوني والاحتلال، الذي هو ربيب الإمبريالية الأميركية ووكيلها المتقدم وحليفها الاستراتيجي.

 

لا نطلب من هؤلاء إلا أن تكون لهم الجرأة الأدبية فلا يموهون دواعي مواقفهم المعلنة لأنّها لا تنطلي على أحد، ليعلنوا بصوت واضح صريح: أنهم يميلون حيث تميل أميركا (وبالنتيجة إسرائيل) فيعادون من يعادونهما ويصادقون من يصادقهما. فهم معروفون بأعيانهم وعقائدهم السياسية الفعلية وبغضهم للإسلام على الجملة، سوءاً أكان في إطار سني أم شيعي.

 

ومن قبيل النكتة السمجة أن يستدعي بعضهم فتاوى تحرم استعمال صفة الشهداء إلا على من شهد له الله ورسوله، وهم أشد الناس عداوة لله ورسوله ثم لمشايخهم، ولم يفتأوا يعرضون بهم في كل آونة.

 

فمن يُصَدّق أنهم قد بلغوا من التقوى ما يرفضون معه أن يتألوا على الله بمنح صفة الشهيد لأحد؟ ولا أحسب أن ثمة جدوى في أن نذكرهم بحقيقة لسانيّة دلالية مفادها أن للكلام مقاصد غير المعنى الظاهر، وأن الألفاظ تكتسب دلالات مختلفة في سياقات مختلفة، وأن معنى الشهيد مثلاً في الاستعمال السياسي العام غيره في المصطلح الشرعي الفقهي المحدد، وأن استعماله في الحالة الأولى لا يُقصَدُ به تخصيص مقاعد في جنة أو فردوس أعلى، ولكن إلى موقف متعاطف منحاز إلى جانب المظلوم.

 

لا جدوى من هذه التذكرة. ففي أمثالنا الشعبية: "فالج لا تعالج". فهم يعلمون ما نعلم ولكنهم يخاتلون. وإن كانت العقلانية والاعتدال هما ما يدعون، حسب تعريفهم، فليذهبا إلى الجحيم. وإذ نعلم أن مصيرهما هناك مع قوى الإجرام والإجحاف والإبادة، فإننا على يقين أننا لا نتألّى على الله قيد أمله!

 

أما أنظمة الاعتدال فإننا نعتقد أنها مدينة لحماس بالشكر والامتنان. فقد أطاحت بوصولها إلى الحكم عبر الانتخابات الحرة النزيهة، بأجندة التحول الديمقراطي بالمنطقة التي كانوا منها يفرقون، كلما لوحت بها الولايات المتحدة، قبل أن تكتشف هذه أن العملية الديمقراطية بالمنطقة هي أسوأ ما يمكن أن يحدث لها ولحلفائها فآطّرحتها وراء ظهرها، وكفى الله تلك الأنظمة الديمقراطية.

 

في محصلة الأمر، فإن العدوان الإسرائيلي، على غزة، قد كشف حقيقة الصراع الدائر منذ حين في الفضاء السياسي العربي: إنه صراع المعاني، أو الصراع على استملاك أنظمة المعاني التي تشكل الوعي العام، وتوجه فهمنا للواقع وتأويلاتنا لما يجري فيه، وتعريفاتنا لوقائعه، وهذه بدورها تحدد أنماط استجاباتنا لمؤثرات الواقع وتحدياته. بل هي حملة منهجية منظمة ما زالت تجري منذ كامب ديفيد المصريّة وازدادت استعاراً ووقاحة منذ أوائل التسعينات، وهدفها اغتيال نظم المعاني التحرريّة وتلويث مفرداتها وتبخيسها وتدنيسها وازدراؤها وتحريف معانيها وتلبيسها بمعان مرذولة، وكل ذلك بدعوى العقلانية والواقعية السياسية.

 

فإن لم يؤدّ ذلك إلى تخلّي الناس عن تلك المعاني التحرريّة بإطلاق، وتبني نظام المعاني البديل الذي يروّجون له ، فعلى الأقل يدفعون بعض الناس إلى موقف دفاعي اعتذاريّ، يترددون معه في استعمال تلك المعاني التحرريّة أو يتحفظون في استعمالها، تخوّفاً من التباساتها المفروضة قصداً ، وخشية أن يتهموا بأنهم مازالوا أسرى للخطاب القومي الانفعالي القديم أو الاشتراكي الغارب أو الإسلامي المتطرف، أو الإرهابي القائم.

 

حسب هذا الخطاب الذي يصف نفسه بالواقعية السياسية والعقلانية والاعتدال:

 

- لا تقل "العدوان الإسرائيلي" و"المشروع الصهيوني" الإحلالي الاستيطاني الاستعماري التوسعي، ولا تتحدث في المقابل عن اغتصاب الوطن الفلسطيني عام 1948م، وعن حق الشعب الفلسطيني في كامل وطنه- ولو من الناحية المبدئية، لأن هذا كله يحيل إلى الخطاب العاطفي الانفعالي "القومجيّ" البائد الذي عفا عليه الزمن وتجاوزته الظروف، ولكن قل "إسرائيل" وحسب، ودون مزدودجتين.

 

- لا تقل "عرب" و "عروبة" و"وطن عربي"، وأقبح من ذلك أن تقول: قوميّة. فإن هذا كله يحيل إلى التجارب "القومجيّة" (لاحظوا الجيم المقحمة هنا للتبخيس والتدنيس)، الفاشلة، وخطابها العاطفي الغرائزي الفجّ، ونظمها البوليسية القمعية التي انتهت بنا إلى الهزائم والكوارث. ولكن قل منطقة الشرق الأوسط وحسب، التي تشمل أقطاراً ناطقة بالعربية (ولكنها لا تشكل أمّة) وأقطاراً أخرى غير عربية، وفي مركزها إسرائيل.

 

- لا تقل إسلاميّ، إلاّ لتحيل إلى التطرف والإرهاب والتخلّف، وتوظيف الدين لأغراض سياسية. والمفردة الأصوب: "إسلامويّ"، تبخيساً وازدراء. ولن يمنع هذا إعلاميي العار من أن يتناسوا هذا التوجيه الذي يدين توظيف الدين لأغراض سياسية، ليستدعوا بأنفسهم فتاوى تحرّم الجهاد ضدّ الاحتلال بغير إذن ولي الأمر (!!)، وتحرّم استعمال صفة الشهيد لضحايا الاحتلال، وتحرّم صور الاحتجاج الشعبي بدعوى أنها تصرف عن ذكر الله وتفضي إلى الفتنة، وتحرّم العمليات الاستشهادية بدعوى انها عين الانتحار المحرّم. لا بأس في صحوة تقوى مفاجئة مؤقتة يوظف بها اعلاميو العار الدين لخدمة سياسات الاعتدال (الخنوع والتواطؤ). إنما المنهيّ عنه توظيف الدين لإذكاء روح المقاومة والجهاد ضد المحتلّ.

 

- وفي إطار تلويث معاني العروبة والإسلام، لا تقل: مقاومة وجهاد وعمليات استشهادّية. فهذه مفاهيم ملوّثة بالإرهاب والتطرّف ومجافاة الواقعّية السياسية التي يفرضها الظرف. وهي ضد "الاعتدال".

 

(أما تعريف الاعتدال هنا فيوضحه السياق، إذ ليس أكثر من الانصياع للبرنامج الأميركي الصهيوني في المنطقة).

 

- لا تقل "امبرياليّة" في وصف الولايات المتحدة فإن هذا يحيل إلى الخطاب اليساريّ الذي يفترض أنه انقضى مع انقضاء الاتحاد السوفيتي والثورة العالمية. (وكأنّ امبريالية الولايات المتحدة مجرّد أسطورة متخيّلة صنعها الاتحاد السوفيتي في سياق الحرب الباردة. أما هذه الهيمنة الأميركية الدولية التي بدأت قبل نشوء الاتحاد السوفيتي، وأثناء وجوده وازدادت توحشاً بعد انهياره، فلا تكفي لاستعمال صفة الإمبريالية).

 

- لا تقل عدالة اجتماعيّة ولا دولة رعاية اجتماعية، فإن هذا يحيل من جديد إلى "الاشتراكية" المدنّسة، في مقابل الاقتصاد الحرّ المقدّس (الذي يوشك الآن أن يودي بالاقتصاد العالمي إلى الهاوية).

 

- لا تفسّر ظاهرة الإرهاب والتطرّف تفسيرا يحيلها إلى المظالم الفاحشة التي اقترفتها وتقترفها الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الكبرى، فإن هذا التفسير يعني التبرير. ولكن اكتف بالتفسير الذي يردّ هذه الظاهرة إلى عوامل ذاتية ثقافية تتعلق بالنظم التربوية الدينيّة والخطاب الإسلاميّ بعامّة، وإلى غياب مفاهيم التعدديّة وقبول الآخر. ولذا فإن معالجة ظاهرة التطرف والإرهاب تتمثل فقط في إشاعة ثقافة التعددية. فالصراع ليس أكثر من صراع ثقافي حضاريّ خالص. وإذ هو كذلك، فإن الذي يتحمل مسؤوليته الكاملة، ليس الغرب الليبرالي الديمقراطي التعدّديّ، وإنما هو الثقافة العربية الإسلامية السائدة التي تحتكر "صناعة الموت".

 

- ويفضل كذلك ألاّ تكثر الحديث عن الاحتلال بوصفه أصل الداء وأسّ البلاء. (فهذا يستدعي في المقابل تسويغ المقاومة، ويصرف التهمة عن حماس ودورها في تنفيذ أجندة إيرانية  سورية ضدّ محور الاعتدال العربيّ، لا ضدّ الاحتلال!). وفي المحصّلة يجب أن يصور الصراع، لا بكونه صراعاً بين قوة الاحتلال والاغتصاب، والشعب المنكوب المقاوم، وإنما هو أقرب إلى أن يكون نزاعاً سياسياً على حقوق مختلف عليها، بين شعبين حدث اتفاقاً أنهما يعيشان على نفس الأرض!

 

 

- نعم هذه بعض عناوين المعجم السياسيّ الليبرالي الأميركي الصهيوني الجديد في قلب الفضاء السياسيّ العربيّ، توظف له منابر إعلامية معروفة لا تسيء إلى الأمة العربية بأكثر من إساءتها لحكوماتها. فإن كانت بعض تلك الحكومات تتبرأ من هذه المعاني حقاً ، فإن عليها أن تتبرأ من هذه المنابر الإعلامية الصهيونية الناطقة بلسان عربي!

 

ونعم.. لقد كشفت حرب غزة عن هذا الصراع الأخطر بين نظم المعاني التحرريّة ونظم المعاني الأميركية الصهيونية المتقنّعة بدعاوى الواقعية والاعتدال.

 

وإذا كانت حرب غزة -في أحد وجوهها الأساسيّة– تعبيراّ عن هذا الصراع، فإن الخاسر فيها –لا ريب- هو نظام المعاني الصهيونية الذي لم يحقق إلاّ الفضيحة والعار ولعنات الشعوب العربية التي خرجت إلى الشوارع لتجسّد إحياء المعاني التحرريّة التي تعرّضت لحملات التلويث والتدنيس والتبخيس عبر عقود.

 

على أن سكوت المدافع الإسرائيلية –مؤقتاً– لا يعني سكوت أبواق الإعلام الصهيوني الناطق بالعربيّة، ولا حسم معركة المعاني المستمرة.

 

ولذا يتوجب على قوى التحرر العربي بكل أطيافها السياسية الإسلامية والقومية واليساريّة أن تستثمر هذا الظرف التاريخي لمحاصرة نظام المعاني الصهيوني الإمبريالي في خانة الدفاع والتبرير والاعتذار والتصاغر والتخفي والتخاجل الذي يليق بخطاب العار والتخاذل.

 

وهذا يقتضي من قوى التحرر العربي أن تتجاوز اختلافاتها الأيدولوجيّة لتلتقي وتعمل في مساحة واحدة وجبهة واحدة حسب القسمة الجديدة التي تفرضها ضرورات الواقع: جبهة المعاني التحرريّة وخطاب المقاومة، في مقابل الخطاب الصهيوني والأميركي الناطق بالعربيّة. ذلك أن الخصم واحد، والتناقض الرئيسي معه أولاً وآخراً. أما الاختلافات الأيدلوجية فينبغي أن تتحوّل إلى تدافع بناء في استباق الخبرات ومواجهة العدو الواحد. وفي الوقت نفسه، فإن العملية الديمقراطية وصناديق الاقتراع هي الأسلوب المنظم الوحيد لتنظيم التدافع السياسي بين الاتجاهات المختلفة على نحو بناء، يجعل كل اتجاه شريكاً في الرقابة والعمل السياسي سواء أكان في الحكم أم المع

انشر عبر