شريط الأخبار

غزة وخطاب الملحمية القرآنية لبني إسرائيل ..محمد طاهر علواني

01:43 - 02 حزيران / فبراير 2009

ـ إسلام أون لاين 1/2/2009

 كثيرا ما كان يسألني بعض البسطاء الأذكياء: لماذا أكثر القرآن الكريم من ذكر تفاصيل تتعلق بشعب بني إسرائيل؟ حتى إن أحدهم قال لي مرة: إنني ألاحظ أن القرآن الكريم لكثرة ما ذكره عن بني إسرائيل كأنهم الموضوع الأكثر أهمية منا.. فما ذكر عنا يكاد يكون أقل مما ذكر عنهم.

وفي الخطاب القرآني نجد أن الله سبحانه وتعالى أكثر من ذكر إبليس في مقابلة آدم والحالة العائلية؛ لأن التقابل كان بين الظاهرة الآدمية والظاهرة الشيطانية، وأكثر من ذكر بني إسرائيل في مقابلة الأمة المسلمة؛ لأنهم الظاهرة المقابلة لهذه الأمة الموازية للظاهرة الشيطانية.

إن عظمة القرآن المجيد التي تبهر باحثا مثلي لا تبدو فقط في أوجه إعجازه، ولا فيما يتيحه "الخطاب القرآني" لمتدبره من طاقات وقدرات على التفسير والتأويل للقضايا التي ألِف الناس وصفها "بالقضايا الدينية" و"الغيبية".

بل هي تظهر عندي فيما ينطوي عليه خطابه المكنون من طاقات متنوعة، بعض تلك الطاقات القدرة التي يمنحها خطابه من يحسن "التدبر" في آياته، فكلماته الثابتة التي "لا مبدل لها"، والتي تمت "صدقا وعدلا" تقدم للإنسان أنواعا متعددة لا تحصى من "أشكال الفهم والوعي، وتستجيب لتحديات الأزمنة والأمكنة، في ظل مختلف السقوف العقلية والحضارية والثقافية.

تساؤلات قرآنية

إن القرآن المجيد ينفذ إلى صميم أوضاعنا الراهنة "بمنهجه ومعناه" الذي كان قبل مكنونا، ونستطيع بتدبر القرآن المجيد تدبرا سليما أن ننفذ إليه، ونثيره بمساءلات ملحة، ونستنطقه ليجيب بكشف شيء من مكنونه يكون مناسبا لأوضاعنا الراهنة.

وتساؤلاتنا: ما موقعنا نحن العرب (والمسلمون من ورائنا) في الحركة والتاريخ اليوم؟ وما موقعنا في الماضي وفي الحاضر؟ وما موقعنا في المستقبل؟ وما موقعنا في عالمنا الخاص وفي العالم الذي نشارك الآخرين فيه؟ وفي الكون؟ ما موقف العربي من نفسه، ومن صراعه ضد إسرائيل، ومن تطورات هذا الصراع في الحاضر والمستقبل؟ لماذا اختارت قيادات الصهيونية وحلفاؤها الأوروبيون فلسطين وطنا قوميا لليهود، لا أوغندا ولا غيرها من بقاع الأرض؟

ومن المهم أيضا ألا يتوهم أحد أننا بصدد تأويل نصوص القرآن تأويلا عصريا مفتعلا؛ لنسقط ذلك التأويل على أحداث اليوم، فليس من مقصودنا ولا نقره فضلا عن أن نتبناه.

قصة أمتين

الأمتان العربية بعمقها وامتدادها الإسلامي، والإسرائيلية بعمقها ونفوذها العالمي صارتا مرة أخرى في مواجهة مغايرة لسائر المواجهات التاريخية، وذلك لدفع العرب والمسلمين بالتحدي الإسرائيلي إلى أحضان الآيات التي انسلخوا منها من جديد: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الأعراف : 175 – 176).

وليخرج العرب والمسلمون من بطن الحوت الذي صاروا فيه بعد أن هجروا قرآنهم، وتخلوا عن رسالة ربهم، وتجاهلوا ملة أبيهم، وتخلوا عن التأسي بنبيهم.

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (الصافات : 139 – 148).

وقد نهى نبينا - عليه وعلى يونس الصلاة والسلام - أن يكون مثله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } (القلم : 48 – 50).

في عمق التاريخ

وبجوار قراءتنا للنص القرآني نقترب من مفردات التاريخ، لا سيما عندما قرر اليهود التجمع في الحجاز، في المدينة المنورة بصفة خاصة التي كانت تعرف بـ"يثرب" ومكة المكرمة والقرى الواقعة بينهما، كان ذلك قبل سبعة قرون من بعثة رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - يعني بعد الهدم الثاني للهيكل الذي حدث سنة (75 قبل الميلاد)، وذلك لوجود بشائر بقرب ظهور النبي الخاتم في التوراة.

والبشائر حددت مكان ظهوره، ومهجره، وأنه من ذرية إبراهيم، فكانوا يطمعون أن يكون منهم، و"فقههم البقري" و"حملهم الحماري للتوراة" جعلهم يرجحون أن هذا النبي الخاتم يمكن أن يكون منهم لو سكنوا أماكن ظهوره ومهجره، والتي هي جزء من "منطقة التجوال الإبراهيمي".

فاستوطنوا الحجاز، وصاروا يستفتحون على الذين كفروا والمشركين العرب، ويهددونهم بأنهم ينتظرون النبي الخاتم ليقودهم - كما قادهم موسى - ويحررهم، ويجعل منهم أسيادا لسائر الشعوب الأخرى، وكانت طائفة منهم قد سبقت إلى اليمن واستوطنتها، وتهود بتأثيرهم بعض العناصر المحلية ليتسع نفوذهم، ويكثر عددهم.

مذبحة ضد النصارى

وقد استطاعوا أن يحولوا دون انتشار النصرانية في اليمن والجزيرة، وكانوا وراء إبادة من تنصروا في قصة "أصحاب الأخدود" التي سجلها القرآن الكريم في سورة "البروج" {َالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} (البروج : 1 – 5)، واتل السورة كاملة وتأمل فيها، والذين أفلتوا من تلك المحرقة استقروا في نجران وما حولها، وصاروا يعرفون بـ"نصارى نجران".

كان اليهود في شبه الجزيرة العربية ذوي وجود منتشر وفاعل في التجارة والزراعة والربا وصناعة الأسلحة، وقد امتزجوا مع القبائل العربية، وتحالفوا مع الكثير منها، وأصهروا إليها، وحمل مواليدهم أسماء عربية، ولولا تجمعاتهم التي كانوا يحرصون على الانحياز إليها "الجيتو" والتميز فيها لانصهروا في البيئة العربية، لكنهم فضلوا المحافظة على تجمعاتهم الخاصة فعاشوا بين العرب متصلين ومنفصلين في الوقت ذاته، وفي العقود القليلة التي سبقت بعثة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان نفوذهم ظاهرا، وكانوا يمثلون إضافة إلى ما ذكرنا مستشارين لزعماء القبائل، وممولين لبعضهم وباعة سلاح في الحروب بين القبائل.

على مشارف البعثة

كان العالم عندما أظل زمان بعثة النبي الخاتم - صلى الله عليه وآله وسلم - تتقاسمه قوتان عظميان، فارس وكانت على المجوسية، والروم وكانوا على النصرانية.

والعرب على أطراف شبه الجزيرة العربية وبعض أقطارها الداخلية منقسمون، فالمناذرة منهم تحت سلطان فارس، متعاونين معها، يعملون للتاج الكسروي. والغساسنة منهم يعملون للروم تحت سلطان العرش القيصري.

وكان اليهود يتوقعون أن يسيطروا على ذلك العالم، وينهوا سلطان قوتيه العظيمتين إذا ما جاء "المشايا" والنبي الخاتم منهم، وهو الذي أسقطوا عليه صفات "المشايا" المنتظر.

ولما جاء النبي المنتظر، النبي الخاتم والأخير من ولد إسماعيل لا من ولد إسحاق أو يعقوب – كما كانوا يتمنون - قامت قيامتهم، وتغير كل شيء فيهم، وتنكروا لبشائر أنبيائهم التي وصفت لهم رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - وصفا دقيقا حتى صاروا "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، فكابروا واستكبروا ولجوا في طغيانهم وكبريائهم، ولم يكفهم رفض الإيمان به وعدم تصديقه، بل قرروا محاربته، والانضمام إلى صفوف المشركين في محاربته.

لأن توقعهم كان قد ارتبط بتجربتهم، فكانوا يتوقعون أن ما يأتي به الرسول الخاتم لا ينبغي أن يخرج قيد شعرة عن اليهودية وتعاليمها.

التجربة اليهودية الإيمانية

والتجربة اليهودية تجربة إيمانية حسية، وعلاقتها بالغيب الإلهي علاقة مباشرة ومحسوسة؛ فموسى يوحي الله تعالى إليه بكلام مسموع، أي صوت مسموع، ويخاطب من شجرة ملتهبة يراها ويسمع الصوت، وترافقه المعجزات الحسية في صالح قومه وفي التعامل معهم من شق البحر، إلى تشقق الصخر بضربه بعصاه ليتفجر منه الماء، وتظليلهم بالغمام لحمايتهم من حرارة الشمس، وإنزال المن والسلوى عليهم طعاما جاهزا، إلى منحهم الأرض المقدسة موطنا لهم بديلا عن مصر التي استعبدوا واستذلوا فيها.

وحصر الخطاب الإلهي فيهم، وكذلك تسليط آيات حسية على أعدائهم من الطوفان و "الجراد والقمل والدم والضفادع والقحط آيات حسية مفصلات"، وتأتي التوراة بعهد وقانون ووصايا عشر، وتكون الحاكمية المطلقة على هذا الشعب لله، فلا اجتهاد ولا تصرف بشري ولا استخلاف، بل كلما مات نبي أو قتل خلفه نبي آخر لينقل تعليمات الله المباشرة إلى شعب إسرائيل، وينقل طلبات الشعب إليه جل شأنه، فهي منظومة حسية تهيمن عليها "الإرادة الإلهية" بشكل ظاهر.

نسخ الخطاب الحصري لليهود

والشريعة التي شرعت لهم شريعة إصر وأغلال حسية غليظة في مقابل معجزات حسية خارقة أحاطت بحياتهم كلها، وتجربة إيمانية حسية كذلك، "فالحس أمر أساسي لهذا الشعب"، ولذلك وصفهم السيد المسيح - عليه السلام - "بغلاظ الأكباد"، أما الرسالة المحمدية فقد نسخت "المنظومة الحسية"، وأبطلت بذلك "التجربة الحسية اليهودية"، وقدمت البدائل الملائمة عنها.

نسخ الخطاب القومي الحصري الخاص ببني إسرائيل بخطاب عالمي:  {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (الأعراف : 158).

ونسخت الحاكمية الإلهية بحاكمية الاستخلاف القائمة على "حاكمية الكتاب" بقراءة وفهم وتدبر بشريين، ونسخت "شريعة الإصر والأغلال بشريعة التخفيف والرحمة، وحلت الأرض المحرمة محل الأرض المقدسة في احتضان الرسالة الخاتمة، وانطلاقها منها.

وبنو إسرائيل الذين تكونوا في مصر الفرعونية، وبعث فيهم رسول الله موسى –عليه السلام - لينقذهم من ذل العبودية، وليجاوز بهم البحر بمعجزة خارقة، ويقودهم للاستقرار في الأرض المقدسة فيقيموا "النموذج الذي يبرز الفروق الهائلة بين العبودية للعبيد، والعبودية لله تعالى"، أصيبت تجربتهم بإخفاقات هائلة انتهت بالفشل التام، واستبدلت بهم أمتنا التي أورثت الكتاب {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } (فاطر : 32)، ومرت هذه الأمة بأدوار وأطوار اتفقت في بعض الأحيان مع بعض أطوار "التجربة الإسرائيلية"، واختلفت في أحيان أخرى، ولكنها انتهت إلى حالة التشرذم والتفسخ الحالية.

نصوص وتاريخ

في الحالة الراهنة يشبه العرب إلى حد كبير آخر خلفاء بني العباس الذي بلغ تهديد التتار للأمة المسلمة في عهده غايته، وكلما أبلغوه باحتلال التتار لإقليم من أقاليم الدولة قال: "بغداد تكفيني ولا يستكثرونها علي إن أنا تركت لهم الأطراف"، وظل في ذلك الخيال المريض؛ لأنه لم يكن يعرف عدوه على حقيقته حتى دخل التتار بغداد ودخلوا قصره، ثم قتلوا أبناءه وحريمه أمام ناظريه ثم سملوا عينيه، واستولوا على ذهبه ونفائسه وتركوه يموت صبرا".

إن إسرائيل قد تآمرت على فلسطين طويلا إلى أن تسلمتها من يد الاحتلال البريطاني، على طريقة "وهب من لا يملك لمن لا يستحق"، وظنت أنها قد تخلصت من ورثة شعب "الجبارين - الكنعانيين"، وأرادت أن تقضي بعدهم على الشعبين المصري والعراقي، فمصر أرض عبوديتهم وذلهم، أخرجوا منها بإرادة إلهية منحتهم كثيرا من الخوارق لتحميهم من فرعون وجنده.

والعراق موطن سبيهم وبلد "نبوخذ نصر"، وهذا الذي نقوله ليس تحليلا أو خيالا، فاقرأ معي هذه النصوص من توراتهم لتدرك أهمية وخطورة ما نقول.. في سفر أشعياء الإصحاح التاسع عشر: "... هو ذا الرب راكب على سحابة سريعة، وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها.

وأهيج مصريين على مصريين فيحاربون كل واحد أخاه، وكل واحد صاحبه، مدينة مدينة، ومملكة مملكة، وتهراق روح مصر داخلها وأفني مشورتها، فيسألون الأوثان والعازفين وأصحاب التوابع والعرافين، وأغلق على المصريين في يد مولى قاس فيسلط عليهم ملك عزيز يقول السيد رب الجنود، وتنشف المياه من البحر، ويجف النهر وييبس، وتنتن الأنهار وتضعف، وتجف سواقي مصر، ويتلف القصب والأسل والرياض على النيل على حافة النيل يئنون، وكل الذين يلقون شصا (حديدة السنارة) في النيل ينوحون، ويخزى الذين يعملون الكتان الممشط، والذين يحيكون الأنسجة البيضاء، وتكون عمدها مسحوقة وكل العاملين بالأجرة مكتئبي النفس..."، في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء فترتعد وترجف من هزة يدرب الجنود التي يهزها عليها.

وفي الإصحاح الثالث عشر من سفر أشعياء نبوءة باجتماع الجيوش على بابل.. نبوءة بخراب بابل خرابا تاما.. "وبابل عنوان للعراق في أسفارهم".

"... كل من وجد يُطحن، وكل من انحاش يسقط بالسيف، وتحطم أطفالهم أمام عيونهم، وتنهب بيوتهم، وتفضح نساؤهم بأيد شبان لا يرحمون ثمرة البطن، ولا تشفق عيونهم على الأولاد".

وفي الإصحاح الرابع عشر من السفر نفسه في بابل وأهلها أيضا (العراق): "... هيئوا لبنيه قتلا بإثم آبائهم، فلا يقوموا، ولا يرثوا الأرض، ولا يملئوا وجه العالم مدنا، فأقوم عليهم بقول رب الجنود وأقطع من بابل اسما وبقية ونسلا وذرية يقول الرب، وأجعلها ميراثا للقنفذ وآجام مياه وأكنسها بمكنسة الهلاك يقول رب الجنود".

وأما عن فلسطين فتقول التوراة في الإصحاح (29) من سفر أشعياء: "لا تفرحي يا جميع فلسطين.. اصرخي أيتها المدينة فقد ذاب جميعك يا فلسطين؛ لأنه من الشمال يأتي دخان وليس شاذا في جيوشه".

وفي الإصحاح السابع عشر من سفر أشعياء، نبوءة على دمشق / وحي من وجهة دمشق: "... هو ذا دمشق تزال من بين المدن وتكون رجمة ردم".

وفعلا تمكنوا من القضاء على العراق، ونهبوا تاريخه ومتاحفه وذاكرته التاريخية ولم يشفوا غليلهم منه، وهم بذلك يرون أنهم يحققون بما يصنعون من تدمير نبوءات توراتية.

 أما مصر فليكن تآمرهم عليها مباركا، فينبغي أن يكون التدمير تدريجيا بنشر الأمراض، وتلويث البيئة، والأسمدة المسرطنة، ففي الماضي حين كان موسى وهارون يجاهدان لإخراجهم من مصر أرسل على المصريين أنواعا من العذاب: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } (الأعراف:133).

وقد استغرب العالم قسوة يهود على أعدائهم في مجازر دير ياسين وجنين وكفر قاسم وقبيه وصبرا وشاتيلا وبحر البقر، ومعاملاتهم لأسرى حرب (1967 م)، لكن علم النفس يؤكد أن المرضى الذين يعانون من عقدة الاضطهاد يحبون عند تمكنهم أن يتقمصوا أدوار جلاديهم، فيفتكون بأعدائهم بما هو أشد قسوة من قسوة جلاديهم عليهم، لكن جلاديهم أمثال هتلر لم يسوغوا قسوتهم على يهود بمسوغات دينية.

أما هم فقد استندوا إلى أسفار التوراة، خاصة السفر المضاف من قبل عزرا، ففي سفر التثنية/ الإصحاح 20/ العبادة 10 وما بعدها: "حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك.

هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من صدق الأمم هنا.. وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريما الحثيين والأموريين والكنعانيين والقرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك لكي لا يعلموكم أن تعلموا أن حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم فتخطئوا إلى الرب إلهكم".

انكماش عن تدبر القرآن

وقد انكمش دور القرآن في حياتنا انكماشا شديدا، كما انكمش دور التوراة في حياة بني إسرائيل، بحيث وصفهم الله تعالى بقوله: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (الجمعة:5).

وحينما تحمل الأمم - التي تصطفى إلهيا لتلقي كتبه ورسالاته - كتبها ورسالات ربها بتلك الطريقة تكون مثل ذلك الذي أمر الله رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم - أن يضربه للبشرية مثلا يتلوه كتاب الله عليهم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } (الأعراف:175-177).

لكن حكمة الله ورحمته بعدم إخضاع هذه الأمة "لسنة الاستبدال"، بل إخضاعها "لسنة البعث والتجديد" بحفظ القرآن وبقائه فيها، أبقت في داخل أمتنا وضمن خصائصها إمكانيات "الانبعاث والتجدد" مرة أخرى ضمن آفاق جديدة، وطاقات متجددة؛ وذلك بناء على "ختم النبوة" بمحمد – صلى الله عليه وآله وسلم - الذي يقتضي أن تتواصل رسالته ولا تنقطع؛ لأنها خاتمة الرسالات؛ ولأنها عالمية؛ ولأن حفظ القرآن وعصمته، وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، يقتضي إطلاقيته في الزمان والمكان وعمومه وشموله.

فمقومات الوجود والبقاء والتجدد ستبقى متوافرة في هذه الأمة إلى يوم الدين، فالعربي والمسلم سائران رغما عن سائر الظروف المحيطة بهما نحو عمليات تحول خطيرة تأخذ بأيديهما نحو "فهم منهجي للقرآن المجيد" بدأت إرهاصاته.

والذي ينبه القرآن الكريم إليه أن التجمع اليهودي في أرض فلسطين وإقامة "دولة يهود" فيها، فيه فعل إلهي يتجاوز ما ذكروا، ثم جهد بشري مؤيد بحركة تاريخ قائمة على "سنة التداول" بين الأمتين الإسلامية (العربية) و"الصهيونية اليهودية" في هذه المنطقة.

التنادي لأول الحشر

إن تنادي اليهود منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى ما يقرب من نهاية النصف الأول من القرن العشرين وإعلان "الدولة العبرية" يمكن أن تلحظ في ذلك كله الأبعاد الثلاثة التالية: فعل الغيب في الواقع، ثم فعل الإنسان ثم استجابة الواقع أو اللحظة التاريخية بقوله تعالى: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً } (الإسراء:104).

وحين نربط بين آيات سورة الحشر وآيات سورة الإسراء تتضح الصورة الكاملة لحركة التاريخ بهذا الشعب: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ } (الحشر:2-3).

وآيات سورة الإسراء التي لابد من تدبرها، وهي قوله تعالى: { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً * إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} (الإسراء: 4-9).

دون تجاوز لآيات سورة البقرة من (39-141) وسورة الأعراف وسورة الشعراء والقصص والجمعة، حين نقرأ ذلك كله تبرز حالة التقابل بيننا وبينهم.

التقابل بين أمتين

هذا التقابل بين الأمتين العربية المسلمة، واليهودية الصهيونية في هذه المنطقة بالذات منطقة "التجوال الإبراهيمي" التي هي منطقة الوسط من العالم الذي ضم ما بين المحيطين الأطلسي غربا والهادي شرقا، يدل على أن الله - جل شأنه - ما خلق السموات والأرض إلا بالحق وأجل مسمى، وهذا الحق لا يبرز في إطار غيب محض، بل لا بد من تدافع بشري يتمكن الإنسان به من أداء دوره الاستخلافي، فكانت دورات المراحل الدينية في التاريخ الإنساني كما ذكرها القرآن الكريم بدأت بدورة عائلية قامت على آدم وزوجه وبنيه، والتدافع كان بين هذه الأسرة والشيطان وجها لوجه.

ثم دورة قامت على "ذرية من حمل الله مع نوح" انبثقت عنها دورة قومية أو قبلية كان التدافع فيها بين بني إسرائيل وفرعون وقومه انتهت بانتصار بني إسرائيل، فقد استقر أبناء يعقوب في مصر من عهد يوسف – عليه السلام - ولم يكن ذلك مصادفة، فقد كانت بداية ذلك بخارق للعادة قام على إنقاذ الصبي يوسف من الجب، وبيعه إلى عزيز مصر لا إلى غيره بتدبير إلهي، وتبنيه له.

وكانت نهاية وجودهم بقيادة موسى الذي نجا من قانون تقتيل بني إسرائيل الذكور بأمر فرعون، ولكن التدبير الإلهي حفظ موسى ونقله من اليم الذي ألقي فيه إلى قصر فرعون وحجر زوجه ليعيش معززا مكرما كأمير من أمراء الأسرة الحاكمة، ثم جرى به التقدير والتدبير الإلهي ليصبح رسولا نبيا، وقائدا قوميا ينقذ قومه من بني إسرائيل من العبودية لفرعون بحماية إلهية تنقذه بشق البحر من فرعون وجنوده، وتغرق فرعون وجنده.

ثم يدخلون الأرض المقدسة، ثم ينتصرون على جالوت وجنوده برمية من داود لجالوت، ثم يُسبون وينفون إلى بابل ثم يعودون بعد (75) عاما، ثم يتسلط عليهم الرومان ويهدمون الهيكل قبل ميلاد المسيح بـ(75) عاما، ثم ينتهون إلى الحجاز وشبه الجزيرة العربية ويستوطنون ما حول المدينة ويقيمون مستوطناتهم في الطريق ما بين مكة والمدينة مرورا بخيبر قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي كانوا يطمعون أن يكون منهم من ذرية إسحاق ويعقوب.

 فلما كان من بني إسماعيل فقد ملأ الحسد والحقد والغضب قلوبهم على الله تعالى، ثم على رسوله الكريم الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فتنكروا له، وأنكروا ما جاء به، وظاهروا المشركين عليه، ولم تتوقف مؤامراتهم ضده، إلى أن أمره الله تعالى بنفيهم بعيدا عن المدينة وما حولها، فتم نفيهم خارج الحجاز لأول الحشر بتدبير وتقدير إلهي.

وحافظوا خلال ثلاثة عشر قرنا على خصائصهم التكوينية التي خرجوا بها من مصر قبل آلاف السنين مع تفرقهم في سائر أقطار الأرض، وحُفظوا رغم الشتات وتسلط كثير من شعوب الأرض عليهم، ليستمروا إلى أجل هم بالغوه، إن بعض ما سلط عليهم كان كافيا لإضاعة شعوب، وإفناء أمم وتغيير هويات.

 لكن الله أبقاهم رغم ذلك ليضعهم في مواجهة أمة حافظ الله على وجودها كذلك رغم كل محاولات القضاء عليهم، فالغزوات الصليبية والحروب والاجتياحات المغولية، ثم الحروب الصليبية الاستعمارية الحديثة، كل ذلك لم ينه وجود العرب والمسلمين؛ ليضع الله الأمتين وجها لوجه من جديد، أمتين متناقضتين ومتماثلتين: أمة حملت التوراة فلم تحملها إلا بطريقة حمارية، وأمة حملت القرآن، فحملته كما ينبغي في بادئ الأمر، ثم تغير حالها، فلم تعد تحمله إلا بذات الطريقة.

أمة مُدْخلة وأمة مخرجة

أمة حملت رسالة خاصة لتدخل الأرض المقدسة، وتقيم فيها النموذج الإلهي المطلوب ففشلت، وأمة أخرجت للناس من الحرم لتحمل للبشرية رسالة عالمية خاتمة ملائمة لسائر شعوب الأرض، قادرة على إدخال شعوب العالم كلها في السلم كافة، فلم تفعل وارتدت إلى العصبيات القبلية والإقليمية، وأمة ألفت الغرور والاستعلاء، وأكل الربا، والمغالطة في التسوية بين الحلال والحرام أحيانا والحق والباطل  { إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } (البقرة:275).

يقتلون الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، يحرفون كلمات الله عن مواضعها إذا خالفت أهواءهم، أمة لا ترى أحدا من البشر غيرها أهلا لأي خير يتنزل عليهم  { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } (آل عمران:75) كذبة ملتوون منافقون غشاشون حقاد يجسدون كل أبعاد الشر والباطل في أساليبهم، يرون الأرض كلها والناس كافة مجرد وسائل وأدوات لهم أن يعتصروها ويأخذوا أي شيء مفيد ليختصوا به، فهم أبناء الله وأحباؤه.

يرون الحرب والقتل والتدمير كفارة لهم عن خطاياهم، وأما الآخرون فلهم أن يبيدوهم إن شاءوا ليكونوا وقود النار وفداء لهم، ولا يمكن لنسقهم وصفاتهم أن تتقبل أفكار السلام إلا إذا كان استسلاما تاما لسلطانهم، فعلاقتهم مع الآخرين أيا كانوا هي علاقة نفي ونبذ وتضاد؛ ولذلك كانت مقومات وجودهم تقوم على أفكار الصراع ومبادئه ومنهجيته.

وقد صادفت فترة قيام دولتهم في فلسطين فترة سيادة "منهجية الصراع والتنابذ والاستعلاء عالميا"، وهي المنهجية التي تقوم عليها الحضارة الغربية المعاصرة؛ ولذلك فإن إسرائيل قد استطاعت توظيف سيادة "منهجية الصراع" - التي هي منهجيتها التي تلتقي بها مع الغرب - فجعلتها جسرا لإقامة أقوى العلاقات مع العالم الغربي خاصة أمريكا وأوروبا، وبذلك أصبحت "أكثر نفيرا" وقادرة على التحرك في وسط عالم يفهمها ويتجاوب معها أكثر مما يفهم الأمة المقابلة لها التي تشكلت برسالة قامت دعائمها على قواعد "التوحيد والسلام والأمن والحق والهدى"، فأعطتها قدرات الانفتاح على العالم كله، والرغبة الحقيقية في عالم يسوده السلام؛ لأن الإسلام وإن كان غائبا عن حياة الكثيرين منا غرس فينا اليقين بأنه لن يؤتي ثماره ولن تورق أشجاره إلا في عالم يسوده الأمن والسلام والحرية.

استحالة التعايش بين نسقين نقيضين

والتوحيد الذي هو جوهر الإيمان ثمرته الأولى أن لا يتخذ البشر بعضهم بعضا أربابا من دون الله، وأن لا يستعلي بعضهم على بعض؛ ولذلك فإن من المستحيل أن يتعايش هذان النسقان المتناقضان المتنافيان في بقعة واحدة من الأرض وبينهما كل هذا التناقض.

إن الذين يحاولون فهم "الوجود الإسرائيلي" من منطلقات وضعية بيننا هم أحوج ما يكونون إلى دراسة تاريخ الأمتين دراسة دقيقة، والوقوف عند محطات التناوب في تاريخنا وتاريخ بني إسرائيل، والتصديق على ذلك بالتأريخ القرآني للأمتين ليكونوا قادرين على التحليل الدقيق للمواقف.

فالمعركة طويلة بيننا وبينهم حتى تصل إلى نهايتها، ونهايتها أن تكون الأرض المقدسة التي جيء ببني إسرائيل إليها لفيفا مقبرة كبرى لهم، يتوقف تاريخهم على شواهد قبورها إن حظيت تلك القبور بالشواهد، وتنتهي بأن تستأنف أمتنا علاقتها بالقرآن، وتحمله إلى العالم من جديد بعد طول توقف وانقطاع، وتسترد مع الخيرية الوسطية والشهادة؛ لينتهي ذلك الصراع الدائم الذي مثَّل ولا يزال يمثل جوهر علاقة الأمتين باعتبارهما نقيضتين.

ستستمر "الدولة العبرية اليهودية" سائرة بمنهجية الصراع مستظهرة بقدراتها الاستنفارية وأموال الربا ووسائل الدس والتآمر، تؤججها نزعات الاستعلاء والاستكبار، والأجزاء المتفرقة المتشرذمة من الأمة الإسلامية تدفعها آمال السلام وتجنب الصدام حتى تكتشف الحقيقة، وتعي ذاتها، وتستيقظ من أحلامها على حقيقة دورها وحقيقة عدوها.

إن المعارك المنتظرة بين العرب واليهود أكثر بكثير من المعارك التي مرت، ولعل أعنفها ستكون على "محور ما بين دمشق والمدينة المنورة التي إليها يأرز الإيمان"، والجسد العربي سوف يستمر في المرحلة الراهنة بالتمزق؛ لأن هذا التمزق لم يصل غايته بعد، وهي الغاية التي تحاول إسرائيل إيصال العرب إليها موظفة كل ما أحدثته عمليات التحديث القسرية التي فرضتها الأنظمة الدكتاتورية بالقوة، وفرضت معها "منطق الصراع".

و"المنهجية الصراعية" التي استوردتها من الحضارة الغربية، وهي المنهجية الصراعية" التي علمت العرب والمسلمين أفكار التصنيف التي أسقطها العربي المسلم على انقساماته التاريخية المذهبية والطائفية وانقساماته المعاصرة الحزبية، والحركية؛ ولذلك لم يعد إنساننا اليوم قادرا على أن يرى أرضية مشتركة بينه وبين أخيه، وإن رآها على المستوى النظري فإنه لا يجد في نفسه الدافع الكافي الذي يحركه للوقوف عليها إلى جانب من يدعي أنه أخوه.

القرآن مخرجا

إن الله بالغ أمره، والمخرج من هذه الدوامة لن يكون سوى القرآن المجيد، فهو الذي سيقود العربي والمسلم في هذه المعركة الشرسة الطويلة المفروضة عليه حتى يكتشف أن كل ما كان يمني نفسه به من عيش مرفه آمن مسالم في ظل ما استورده أو فرض عليه من حضارة الصراع لم يكن إلا سرابا خادعا، وأن عليه أن يكابد ويكد ويجتهد ليكتشف من داخل البنية القرآنية "المنهج البديل" لنفسه وللعالم على مستوى التحديات المعاصرة؛ ليتحقق السلم؛ ولتشرع أبوابه بمنهج القرآن لا بسواه: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} (الرعد:14).

إن حملة القرآن الذين سينقشع عنهم غبار المعارك ضد العالمية الوضعية "عالمية العجل الذهبي الذي له خوار" سوف لن تبحث عن معاني القرآن في كتب المفسرين والمئولين فتضيع بين تفسير آثاري، وتفسير إشاري، وثالث باطني ورابع بياني، بل سيتجهون إلى مكنون القرآن ذاته، بحثا عن "المنهج القرآني البديل" في بناء الأمم وإقامة الحضارات وكيفية "الجمع بين القراءتين" لمعرفة الخطوط المميزة بين فعل الغيب وفعل الإنسان واستجابة الطبيعة المسخرة وكيفية الإمساك بنواصي السنن والقوانين التي تقود عمليات التسخير وتحددها.

 سيوجد آنذاك العلماء الذين لا يقتصرون على علم سطحي ظاهري  {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } (الروم:7)، فيملؤهم ذلك العلم الظاهري غرورا واستعلاء واستكبارا في الأرض ومكر السيئ؛ ليرفع أحدهم عقيرته بقوله: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} (القصص:78)، بل ذلك العلم الذي كلما ازداد العالم فيه رسوخا ازداد لله خشية: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (فاطر:28).

مكنونات المنهج

علم قرآني سوف يضيق الشقة بين مكنونات المنهج القرآني وعقلية الإنسان المعاصر الذي يعيش واقعا له مكوناته وشروطه الاجتماعية والفكرية والحضارية والثقافية، وسوف يرتقي ذلك النوع من العلم بالإنسان ليجعل منه كائنا كونيا؛ فقد كان الإنسان ذرة في هذا الكون الفسيح  {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } (الإنسان:1-2)، {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } (نوح:14)، {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً } (نوح:17)، {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } (الرحمن:14) فهو ابن الكون، تخلق أولا في رحم "البيئة الكونية"، ثم انتقل إلى أرحام الأمهات، وبالتالي فإنه مؤهل بنشأته تلك للالتزام "بالمنهج الكوني القرآني" وبذلك سوف يصل بالتدبر والتفكر الدائمين إلى مستوى الحكمة  { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً } (البقرة:269).

إن ما نقوله لن يعجب الوضعيين؛ لأنهم سيرون فيه اقتحاما دينيا أو غيبيا لاهوتيا لتخصصات كانوا يرونها مغلقة على "العلموية الوضعية المجردة".

وفي الوقت نفسه قد لا يريح أولئك الذين اتخذوا من الإسلام إطارا أيديولوجيا لتجمعات أقاموها لتكون أوعية ضيقة خاصة تستوعب الإسلام بطريقتها ومنهجيتها، وتطرحه بالشكل الذي تريد.

فتكون هي المهيمنة عليه لا هو، وكل ما نتمناه للفريقين هو ما تمناه رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم - لقومه: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، سائلين العلي القدير أن يعلموا قبل فوات الأوان.

 

انشر عبر