شريط الأخبار

أردوغان قلب الطاولة ..فهمي هويدي

12:11 - 01 حزيران / فبراير 2009

ـ الشرق القطرية 1/2/2009

إحدى «فضائل» المذبحة الإسرائيلية في غزة ـ إذا كان للمذبحة فضائل ـ أنها أعادت وبقوة تركيا إلى أحضان الضمير العربي، بقدر ما إنها كشفت بعض عورات الأنظمة العربية على نحو صدمنا وأغرقنا في بحر من الخجل، إذ منذ بدأ العدوان الذي أفضى إلى المذبحة، كان للحكومة التركية موقفها الشريف، الذي لم يعبر فقط عن مشاعر الشعب التركي الحقيقية، وإنما كان معبراً أيضا عن غضب الشعب العربي، الأمر الذي استدعى مفارقة جديرة بالملاحظة، هى أنه في حين اتسعت الفجوة بين أغلب الأنظمة العربية وبين شعوبها بسبب العدوان، حتى بدا وكأن الشعوب العربية في واد، بينما حكوماتها في واد آخر، فإن المشهد التركى بدا معاكساً تماماً، حيث أصبحت الحكومة أكثر التصاقاً بشعبها، ولم يكن لهذه المفارقة من تفسير سوى أن حكومتهم جاء بها الشعب التركي في انتخابات حرة، في حين أن حكومتنا جاء بها الحزب الوطني في انتخابات كانت وزارة الداخلية هى الجهة الوحيدة التي مارست «حريتها» فيها.

إن الاستقبال الحاشد الذى انتظر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إثر انسحابه من مؤتمر دافوس غضبا لفلسطين وعودته إلى إسطنبول، شهادة أخرى تثبت صدق الرجل في التعبير عن ضمير شعبه، إذ ما كان لألوف الأتراك أن يخرجوا لاستقباله عند الفجر، في ظل طقس إسطنبول الثلجى، إلا لأنهم أدركوا أن الرجل تحسس نبضهم وقال كلمتهم.

القصة أفاضت فيها الصحف خلال اليومين الماضيين، وخلاصتها أن السيد أردوغان استفزه دفاع شمعون بيريز عن مذبحة غزة واستغرب تصفيق الحاضرين له، فذكَّر الرئيس الإسرائيلى بجرائم جيش بلاده وقتله أطفال غزة في العدوان الأخير، ولم يتردد في انتقاد من صفقوا لحديثه عن عملية أدت إلى قتل أعداد كبيرة من البشر. وإذ فوجئ رئيس الجلسة برد أردوغان، فإنه منعه من إكمال كلامه الذى استغرق نصف دقيقة، في حين أن بيريز تحدث لمدة 25 دقيقة، فما كان من رئيس الوزراء التركى إلا أن نهض من مقعده وانسحب من الجلسة معلنا أنه لن يعود إلى دافوس مرة أخرى، وبتصرفه هذا، فإنه قلب الطاولة على بيريز،وفضح الجريمة الإسرائيلية أمام المحفل الدولي، وأحرج إدارة المؤتمر التي كان تحيزها واضحاً إلى جانب الدولة العبرية.

الموضوع ليس سهلا بالنسبة لأردوغان، وستكون له تداعياته على الصعيدين السياسي والاقتصادي. ذلك أن إسرائيل لها حلفاء أقوياء في تركيا التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية معها منذ ستين عاما، وهؤلاء الحلفاء يتوزعون بين الجماعات اليهودية وبعض غلاة العلمانيين والعسكر، غير نفر من رجال الأعمال ارتبطت مصالحهم بالإسرائيليين. وهناك صحف ومحطات تليفزيونية تعبر عن هؤلاء وهؤلاء، إضافة إلى ذلك، فالسياحة الإسرائيلية أغلبها في تركيا (650 ألف إسرائيلى يزورونها سنويا)، وحجم التبادل التجاري بين البلدين وصل في العام الماضي إلى 4.3 بليون دولار، وهذه المصالح لابد أن تتأثر بالتجاذب الحاصل بين أنقرة وتل أبيب. آية ذلك أن شركات السياحة التركية أعلنت أن النشاط السياحي الإسرائيلي تراجع بنسبة 70% خلال الأسابيع الأخيرة، ولم تتضح الآثار الاقتصادية الأخرى لهذا التجاذب، علما بأن الصادرات العسكرية الإسرائيلية لتركيا مهمة، كذلك فإن الأتراك يصدرون كميات كبيرة من الصناعات النسجية والسيارات إلى إسرائيل، وعلى الرغم من أى خسائر محتملة على هذا الصعيد، فإن أهم ما حققه أردوغان في مواقفه ــ التى عبر عنها ــ أنه ظل وفيا لشعبه، فاختار أن يقف في صفه غير عابئ بالثمن الذى سيدفعه.

لم أفاجأ بموقف السيد أردوغان حين غضب واحتج وانسحب من الجلسة في دافوس، لكن ما فاجأنى ولا يزال يحيرنى حقا هو: لماذا لم يتضامن معه السيد عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذى كان جالسا على المنصة، فانسحب بدوره وخرج معه، الأمر الذي كان يمكن أن يكون له دويه وإحراجه للرئيس الإسرائيلي، لم أجد تفسيرا مقنعا لذلك الموقف المستغرب، ولا أريد أن أصدق ما يشاع حول الرجل الآن من أنه أصبح جزءا من محور «الاعتدال» العربى!.


انشر عبر