شريط الأخبار

نبيلة الرازم...28 عاما من الحياة في ظلال زنزانة

10:56 - 01 كانون أول / فبراير 2009


القدس المحتلة: فلسطين اليوم

لم تكن نبيلة الرازم 54 عاما، تدرك أن يوم 31-1-1981 سيحدد مصير حياتها إلى هذا الحد، اتصلت والدتها يومئذ لتقول لها "العسكر اخذوا فؤاد" و أغلقت الخط و هي تبكي، و بقيت نبيلة أسيرة الخبر و بكاء والداتها حتى الآن:" شعرت أن شيئا كارثيا قد حصل و بعد طول سنوات أدركت أنها كانت تشعر انه ذهب بعيدا ابعد من سنوات عمرها هي".

والدة فؤاد توفيت و فؤاد لا يزال في السجن، و والده أصبح في الثمانينيات من عمره و نبيلة الشقيقة الكبرى التي لم تكن تتجاوز حينها 26 عاما أصبحت اليوم جدة و بدل الطفلين الصغيرين أصبح لديها الآن حفيدين ..أشقاء فؤاد الصغار كبروا وكل منهم تزوج و لديه أطفال والثابت الوحيد هو فؤاد وراء القضبان و علاقة نبيلة به، "كأن محادثة والدتي كانت وصيتها بأن فؤاد وقضيته أمانة في عنقك".

و فؤاد قاسم عرفات الرازم" أسير مقدسي ولد يوم 9/12/1957، درس في كلية "أصول الدين" في بيت حنينا، و اعتقل و عمره لم يكن يتجاوز 23 عاما تعرض حينها للتعذيب الشديد للإدلاء باعترافات، جزء من هذا التعذيب كانت نبيلة و التي اعتقلت مع والدته بالقوة،و إيهام فؤاد بالاعتداء عليهما لزيادة الضغط النفسي عليه.

و تروي أم نضال تفاصيل زيارتها لفؤاد في ذلك الحين فتقول:"لم يكن الجالس و الشاحب والمتعب أمامنا هو أخي فؤاد بل شبحه، لم يقوى على الحديث إلينا كان جلده جافاً و عيناه حمراوين غائرتين وكان الزمن قد قطع معه شوطاً كبيراً كان يتنفس بصعوبة و يلقي صدره على رأسه بإرهاق بين الحين والآخر"

و أضافت:" رغم معرفتي أن كل حديثنا سيسجل إلا أنني اقتربت منه و صحت فيه :"كلنا فداء الوطن، فؤاد لست الأول ولن تكون الأخير اصبر واصمد ونحن معك بإذن الله".

و لم يكد يرتد صدى صوتها حتى هجمت كلاب المخابرات لتلقيها مع والدتها في غرفة مظلمة لاثني عشر ساعة دون طعام أو شراب وخلال فترة وجودهما تنطلق صرخات كاذبة لإيهام فؤاد بالاعتداء عليهما.

و بعد أشهر طويلة أطلقت محكمة الاحتلال حكمها على فؤاد بالسجن لثلاثة مؤيدات و أحد عشر عاماً بتهم قتل جنود وعملاء و حرق سيارات السماسرة وباعة الأراضي في القدس و تحضير العبوات الناسفة و التحريض وتجنيد الشباب في خليته.

هذا الحكم وضع نبيلة في الزاوية سنوات طوال لم تقوى على عدها حتى، إلا أنها كانت دائما متفائلة دائما أن فؤاد ة سيفرج عنه في إيه لحظة.

و لم يكن الحفاظ على هذه الأمانة سهلا لها:" بقيت أتابع إخباره و أزوره باستمرار مع والدتي ووالدي حتى توفيت والدتي انتقل كل شي على عاتقي" و هذه الأعباء كانت كبيرة حتى جعلتها في كثير من الأحيان تصدم مع اقرب الناس لها:" خلافات كثيرة وقعت بيني وبين زوجي و أبنائي لاحقا بسبب متابعتي لقضية فؤاد و خاصة أننا نحمل هوية القدس الأمر الذي يجعل الأمر معقدا مع المخابرات الإسرائيلية التي تتابع كل تحركاتنا".

و تابعت:" كثيرا ما كانت المخابرات تطلبني للاستجواب نتيجة مشاركتي في فعاليات للأسرى في رام الله كان ذلك يخلق لي مشاحنات دائمة في بيتي" نبيلة لا تأسف على شئ "اشعر انه من الصعب أن اشرح لمن حولي العلاقة التي تربطني بفؤاد يعتقدون أنني أوقع نفسي بمشاكل لا طائل منها، و لكنه أخي أنا من يحيي قضيته".

نبيلة تتعامل طوال السنوات السابقة أن فؤاد سيعود إليها في أية لحظة:" كل جمعة اذهب إلى بيته و افتحه و أدعو شقيقاتي و نجلس في البيت و نقوم بتنظيفه و الاهتمام به" و في كل مرة لا تنسى نبيلة المرور على ألبوم الصور الخاصة ب فؤاد و والدتها:" أضع صور فؤاد و أتأمل بها طويلا اشعر بعجز أمام هذه التجاعيد والشعر الأبيض الذي أصبح يكسو رأسه و ذقنه".

و داخل البيت الذي تمنحه فسحة من الحياة أسبوعيا ما يشبه المتحف لمتعلقات فؤاد ملابسه السابقة صوره بوستراته المختلفة و الدرع التي حصلت عليها عائلته في مناسبات الأسرى، و الأهم من كل ذلك ذكريات طفولته، فهو منزل العائلة الأصلي:" يقتلني الإحساس أن منزل فؤاد مهجور... منذ وفاه والدتي و أنا أقوم بتنظيفه أسبوعيا انفض الغبار عن الأثاث اطبخ في المنزل حينما اذهب إلى هناك، يقول لي أبنائي إنني غير واقعيه فلا أفق بخروجه من السجن إلا أنني لا اسمع لهم فمثلما كانت والدتي انأ اليوم استعد لاستقباله في كل يوم".

نبيلة تزور فؤاد في كل أسبوع حتى أصبحت في المرحلة الأخيرة عيونه الخارجية التي يرى فيها:" احمل له أخبار العالم الخارجي كله لأقولها له، أحيانا ابدأ بسرد الأخبار قبل الاطمئنان على أخباره، أخاف أن تنتهي ساعة الزيارة قبل أن أقول له كل ما لدي، احرص أن اخبره كل الإخبار وان لا أنسى شيئا".

وما لا تستطيع تحمله هو زيارته وهو مريض:" أكثر ما يحزنني عندما أفاجأ بزيارتي بمرضه، اشعر بشئ يقطع قلبي يكون على بعد أمتار عني ولا استطيع أن اخفف عنه مرضه".

وتروي نبيلة موقفا لن تنساه حسبما تقول:" كانت زيارته الأسبوعية وصلت إلى السجن وعندما اقتربت موعد الزيارة اخبروني انه مريض ولا يستطيع أن يخرج للزيارة، حاولت ان افهم من الجندي الذي اخبرني بذلك إلا انه لم يخبرني بشئ، عشت أسبوعا سيئا للغاية و انا لا اعرف ما الذي حدث له بالضبط، كان الأسوأ في حياتي".

كل ذلك جعل نبيلة مرجعا في مجال أسرى القدس، حتى أنها أصبحت عضوا في لجنة أهالي الأسرى المقدسيين، تعرف أرقامهم تفاصيل اعتقالهم و ظروفهم داخل المعتقلات و لا يخلو اعتصام أو مناسبة مقدسية من صورة فؤاد تحملها أم نضال "نبيلة الرازم".

انشر عبر