شريط الأخبار

فاتن الفلسطينية .. تتماسك بروح التحدي وهي تخوض ملحمتها

12:49 - 30 حزيران / يناير 2009

زوجة شهيد وابنة شهيد .. وساكنة بيت مدمّر

فاتن الفلسطينية .. تتماسك بروح التحدي وهي تخوض ملحمتها

 

فلسطين اليوم- وكالات

"الآلام والجراح تزيدنا تمسكاً بإيماننا وعقيدتنا". بهذه الكلمات كانت فاتن تلقي تردّ بثقة مشبّعة بروح التحدي، على أسئلة "قدس برس"، بدلاً من أن تأتي بإجابات من قبيل "يا ليتني مِتّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً".

 

زرنا فاتن، في زحام المآسي التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على غزة. إنها الفتاة الفلسطينية ذاتها التي حرمها الاحتلال حنان من والدها، خالد خميس أبو عودة، أحد قادة "كتائب عز الدين القسام" في خان يونس، على مدار أربع سنين مَضَت. فقد استشهد الأب عندما قصفته طائرات الاحتلال خلال اجتياح حي الأمل بخان يونس، في أواخر سنة 2004. أما اليوم، فتكتمل فصول ملحمتها المأساوية مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع.

 

واحد وعشرون عاماً، هو العمر الافتراضي لهذه الفتاة الحافظة لكتاب الله، أما العمر الحقيقي لها بعد حسابات عسيرة، فلم يتجاوز مدة خمسة فصول من مأساة إنسانية مرّغت أحلامها بالواقع الحافل بالمعاناة الإنسانية. جلسنا معها في بيت زوجها الشهيد، معتقدين أننا سنعثر على فيض من اليأس والدموع، أو الإحباط والقنوط، ولكن كان غير ما توقعناه.

 

بكل تماسك تحدثت، وروت تفاصيل قصة مأساوية، أولها عذاب ووسطها عذاب، وآخرها كذلك عذاب. كل هذا محفوف بثقة ويقين، كما روت "البطلة" بأنّ "ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا".

 

ريعان العمر وعزّ الشباب لا يعني عند فاتن أن تكون في نعيم مقيم، أو أن تسقط السماء عليك رطباً جنياً، بل كان يعني لها "باب جميل باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب"، فقد شبَّت على استشهاد عمها، ثم والدها، وأخيراً زوجها. وما يفاقم الوقع، أنّ استشهاد الزوج جاء بعد عشرة أيام فقط من زواجها، وبهذا تبدأ الحكاية حيث تنتهي.

 

"الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي اختارنا مرابطين على أرض فلسطين، الحمد لله الذي اختار منّا شهداء على أرض المرابطين، ليكونوا لنا وسام عزّ وشرف ينير لنا طريق النصر والتحرير بإذن الله".

 

كان هذا هو ردّها الأوفى حين طلبنا منا تعليقاً يُكتب على صدر الصفحة الأولى لهذه التراجيديا، لتختتم قولها بـ"الحمد لله رغم الجراح والآلام، سنبقى بإذن الله صابرين صامدين، الحمد لله رب العالمين".

 

لم يكن خبر استشهاد زوجها قاصماً لظهرها، بل اكتشفنا أنه كان طموحاً لكل منهما، سبقها به أحمد "يعني لا زال هناك أمل في الحياة؟ بالتأكيد إن شاء الله، مع حبي العظيم للشهادة في سبيل الله".

 

كان أحمد يهيِّئ فاتن لهذه اللحظة، ويرسم لها طريقاً يحمل معاني السعادة الحقيقية، وتقول "الحمد لله، عندما سمعت خبر استشهاده في أول أيام الحرب أول ما خطر على بالي الصبر، توضّأت وصلّيت، وطلبت من الله أن يصبرنا، فالحمد لله".

 

وتتابع زوجة الشهيد "أحمد استشهد بعد زواجنا بعشرة أيام فقط، وكان يومها أول يوم يداوم فيه في عمله، حاملا معه "الحلَوان" بمناسبة الزواج"، مؤكدة فرحها باستشهاده بعد صباح ليلة قضاها مرابطا على الحدود الشرقية لمدينة خان يونس.

 

وتضيف فاتن مستذكرة "أنا سألته في فترة الخطوبة: هل ترغب في أن تستشهد؟ فحكى لي: أكذب عليكِ لو قلت لك لا. ثمّ بعد ما تزوجنا سألته السؤال نفسه، وشرحت له مبرر معاودة السؤال: بما أننا مبسوطين الآن، وأنّ أي واحد يفضل أن يبقى حياً ويكون سعيداً في الدنيا، فقال لي: عاهدت ربنا أن لا يؤثر زواجي على عملي العسكري وحبِّي للشهادة".

 

تحلم فاتن كما كلّ فتاة، وشاركت زوجها في حلم سعيد يحمل حبّ العيش الهانئ في كنف الأسرة الجديدة. هي اليوم تستذكر بهجة أحمد لدى زواجهما "كان فرحاً جداً، وكان أمله أن نعيش سعداء، لكن الحمد لله، ربنا اختاره شهيداً، وهذا أفضل من أي شيء في هذه الدنيا".

 

وتلفت فاتن أبو عودة الانتباه إلى أنّ أمنية أحمد قبل زواجه كانت أن يكرمه الله بزوجة صالحة تعينه على الجهاد، وتضيف "قال لي: أريدك أن تقفي معي، وتكوني صابرة ومتحمِّلة"، ويبدو أنها أوفت بطلبه منها كما يبدو عليها من التماسك والاحتمال.

 

أما أهمّ ما تعلّمته من زوجها الشهيد أحمد، خلال الأيام العشرة التي عاشاها معاً، فهو كما تشرح "تعلمت منه أموراً كثيرة، وعلى رأسها الصلاة على وقتها وخاصة في المسجد، وأحمد طوال ما كنت معه لم يأت على ذِكر أحد بسوء، حتى ما كان يرضى لأحد أن يتحدث عن آخر بسوء أمامه".

 

كانت فاتن تتحدث وكلّها ثقة بمستقبل مشرق ومضيء، ولم يَبْدُ على مُحَيَّاها اليأس أو التحطم، بل عبّرت عن رجائها بأن يحمل لها المستقبل كلّ خير، "وإذا لم يعوِّضنا ربّنا خيراً في الدنيا؛ فإن شاء الله يعوِّضنا في الآخرة"، كما تقول.

 

فصول المأساة التي عاشتها فاتن لم تتوقف عند هذا الحد، بل أقدم طيّار حربي إسرائيلي على قصف بيت أهلها وأعمامها خلال الحرب الأخيرة، وسوّاه بالأرض.

 

آثرت فاتن بعد استشهاد زوجها أن تنقل تأثيث بيتها، أو ما يسمى بـ"جهاز العروس"، إلى بيت أهلها، ليحمل لها ذكرى عشرة أيام من حياة جديدة اختتمت فصولها قسراً. لكنّ الغارة الإسرائيلية أجهزت على ما تم نقله، فالتهمته الصواريخ التي باغتت البيت بعد يوم واحد فقط.

 

عند هذه المحطة الفاصلة من هذه المأساة، تكون فاتن قد دفعت خمس فواتير متتالية في ملحمتها الفلسطينية الممتدة، من عمها، فوالدها، ثم زوجها، فبيت أهلها، ومن ثم "جهاز العروس" الذي لم تفرح به بعد.

 

أما الدولة العبرية، فكان لها رسالة موجهة من فاتن الفلسطينية، عندما ودّعتنا وهي تقول "على الاحتلال أن يدرك أنه لو أبادنا عن بكرة أبينا، لن نعترف بإسرائيل، ولن نتنازل عن ثوابتنا، وسنبقى صامدين على هذه الأرض، فإما النصر وإما الشهادة بإذن الله".

انشر عبر