شريط الأخبار

معالم الحرب القادمة.. بقلم : د.عبد الستار قاسم

08:07 - 28 تشرين أول / يناير 2009

كتبت بتاريخ 15/آب/2005 مقالا بعنوان "انتصارات إسرائيل قد ولّت"، شرحت فيه أسباب التدهور الإسرائيلي في ميدان المعركة، وأسباب صعود المقاومة العربية-الإسلامية. وقد قلت أن عام 2000، عام اندحار الجيش الإسرائيلي أمام حزب الله في الجنوب اللبناني هو بداية هبوط المنحنى الإسرائيلي في ميدان المعركة. كثيرون لم يعجبهم الكلام، واعتبروه جزءا من التمنيات العربية التي أودت بنا في أوحال الهزائم.

فشلت إسرائيل في حربها عام 2006، وفشلت في حرب الكوانين (كانون أول وكانون ثاني) 2008/2009. وقد كتبت مع بداية حرب تموز أن حزب الله سيصمد، وأن إسرائيل ستفشل؛ وكتبت مع بداية حرب الكوانين أن المقاومة الفلسطينية ستصمد، وأن إسرائيل ستفشل. ماذا عن الحرب القادمة وما هي معالمها؟ أرى التالي:

أولا: تعلمت إسرائيل منذ تموز 2006 حتى الآن دروسا قاسية، ولا أراها تقدم على مغامرة عسكرية جديدة بسهولة. ستفكر إسرائيل مرارا وتكرارا قبل شن حرب على المقاومة العربية الإسلامية، وستعمل على حشد أنظمة عربية ودول غربية إلى جانبها قبل الإقدام على حرب جديدة. اتبعت المقاومة العربية-الإسلامية تكتيكات جديدة، وحصلت على أسلحة دفاعية لا تمكن التقنية الحربية الإسرائيلية من إثبات فاعليتها؛ هذا ناهيك عن أن الجندي الإسرائيلي وقيادته ليسا كما كانا في مراحل تأسيس الدولة والانتصار.

ثانيا: ستعتمد إسرائيل في المرحلة القادمة على الضربات الجوية الاستباقية بصورة شبه تامة لأنها تدرك أن الحرب البرية المتحركة عبارة عن مغامرة تصطدم بالكثير من المفاجآت. وفي هذا، هي ستحسب ردود فعل الطرف الآخر، وستبقى مترددة.

ثالثا: بسبب فساد فكرة الحرب ستلجأ إسرائيل ومعها أنظمة عربية عدة إلى صناعة المشاكل الداخلية لكل من المقاومة اللبنانية والفلسطينية لإلحاق الهزيمة بها من الداخل. ستحاول إسرائيل وحلفاؤها العرب زعزعة ثقة الناس بالمقاومة علّ وعسى تقوم الجماهير بالقضاء على المقاومة. هذا لن ينجح لأن الأنظمة العربية تفتقد للمصداقية.

رابعا: ستنتقل بعض المقاومة إلى الحرب المتحركة بخاصة حزب الله. صمدت المقاومة حتى الآن في حرب ساكنة، ولم يكن ياستطاعتها أكثر من ذلك. لكن هزيمة إسرائيل الاندحارية تتطلب حربا متحركة، أي خروج المقاتل من الخندق والتقدم إلى الأمام. هذا يتطلب أعدادا كبيرة من المجاهدين، وأسلحة هجومية قادرة على إسقاط الطيران وتدمير الدبابات. قناعتي أن حزب الله يمتلك الآن الأعداد الكافية، وهو يحصل على معدات عسكرية إيرانية متطورة وفعالة، ولن يظهر أثرها المدمر إلا في ميدان المعركة.

لا يمكن أن تبقى المقاومة ساكنة في مكانها زمنا طويلا، وهي ستهاجم إن لم تقم إسرائيل بالهجوم. المقاومة في غزة لا تستطيع خوض حرب متحركة لأسباب جغرافية ونُزُلية (لوجستية)، وبالتحديد بسبب الحصار المصري المضروب على القطاع. سيتطلب أي هجوم من قبل المقاومة استنفارا للقوات المسلحة في كل من إيران وسوريا، ومن المحتمل أن تشتعل المنطقة.

خامسا: ستنتقم إسرائيل في اي صدام عسكري قادم من المدنيين بصورة أشد وأقسى وذلك لتحقيق هدفين: نأليب الناس ضد المقاومة، والتأثير على معنويات القيادتين السياسية والعسكرية. من المحتمل جدا أن تستعمل إسرائيل في الحرب القادمة القنابل الذرية التكتيكية ضد أهداف يمتزج فيها المدني والعسكري. إن لم تستعمل هذه الأسلحة في حربها القادمة، فستستعملها في حربها التي تلي. خسائر العرب في صفوف المدنيين ستكون هائلة جدا. وفي المقابل، ستضيق الأرض باليهود، ولن يدروا إلى أي جحر يفرون.

سادسا: إسرائيل ستخسر الحرب القادمة، وليس بمعنى الفشل وإنما بمعنى الاندحار؛ أي أن الجيش الإسرائيلي سيندحر وسيسقط منه أعداد كبيرة من القتلى والأسرى. ومن الوارد أن تكون المفاوضات حول تبادل الأراضي وليس حول إدخال كيس الطحين إلى غزة.

سابعا: الأنظمة العربية المتحالفة مع إسرائيل وأمريكا ستبوء بخيبة عظيمة قاتلة.

لي أسبابي لقول هذا، ولدي حساباتي القائمة على معادلة صعود القوى وهبوطها. ستسابق إسرائيل وأمريكا الزمن في البحث عن حلول للتكتيكات التي تستخدمها المقاومة، وستسابق المقاومة الزمن في البحث عن حلول لقوة ودقة الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية. سيحقق كل طرف تقدما في مجال اهتمامه، لكن أمريكا وإسرائيل لن تصلا إلى درجة الاطمئنان، بينما ستصل المقاومة إلى ذلك.

لا يستهن أحد بهول أي معركة قادمة، ولا يظنن أحد أن خسائره ستكون بسيطة. نحن مقبلون على جحيم دنيوي مستعر، وكل المفاوضات الساعية إلى البحث عن حلول لن تجدي. المتتبع للحروب الإسرائيلية العربية، أو للصدام العربي الإسرائيلي يجد أن حدة إسرائيل في القتل والتدمير تزداد مع تصاعد حدة المقاومة العربية-الإسلامية. إسرائيل لن تطبطب على ظهر أحد، وستعمل بقدر استطاعتها على قصم الظهور. لكنها بذلك تغامر بوجودها.

 

الدائرة تدور على إسرائيل، والخناق عليها يشتد، وأمامها فقط أن تعترف بكامل الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق اللاجئين في العودة. أما بالنسبة للأنظمة العربية المتحالفة مع إسرائيل، فامامها فرصة إعادة تقييم الأمور.

 

انشر عبر