ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

مرة أخرى تهدد حماس بالتصعيد، ولا يبدو هذه المرة أن الوضع الإنساني في قطاع غزة هو ما يدفع قيادة الحركة إلى بث الرسائل العدائية تجاه إسرائيل.

الجولة الأخيرة بين الطرفين انتهت قبل شهر، في السادس من مايو، بعد إطلاق أكثر من 700 صاروخ نحو إسرائيل وسقوط أربعة قتلى من المواطنين الإسرائيليين. ومثل الجولات السابقة، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار بوساطة كلّ من مصر والمبعوث الأممي إلى الشرق الاوسط نيكولاي ميلادينوف بعد أن وعدت إسرائيل بتسهيلاتٍ من هنا وهناك لقطاع غزة.

هل تغير وضع غزة إلى الأفضل منذ السادس من مايو؟ الجواب لا؛ شهر رمضان الذي انتهى الأسبوع الماضي كان من بين الأشهر الأكثر صعوبة من بين الأشهر التي مرّت على سكان القطاع. مصدر أمنى إسرائيلي قال لي أنه وبالرغم من أن حماس زعمت وجود تلكؤ في تطبيق التفاهمات إلا أن الأموال القطرية دخلت إلى قطاع غزة بطرق مختلفة ووصلت إلى عدد كبير من المحتاجين لكي يتمكن سكان القطاع من إقامة شعائر رمضان والاحتفال بيوم عيد الفطر، هذا كله حسب قول المصدر لاعتبارات إنسانية ومن أجل تخفيف الضغط في القطاع. الآن وقد انتهت الأعياد، تجددت تهديدات حماس.

في الأيام الأخيرة، أوصلت رسائل إلى مصر وميلادينوف من قبل قيادة حماس في غزة بأنه قد انتهى مطاف صبرهم، وأنه في حال عدم تطبيق الوعودات الإسرائيلية بتنفيذ التفاهمات فإن على إسرائيل ألا تتوقع أيامًا هادئة. في المقابل، وردت تقارير بأن حماس والجهاد الإسلامي أتمتا النقص في مخزوناتهما من الصواريخ.

هنا المكان الأفضل للتذكير بأن التفاهمات كانت قد توقفت منذ حوالي نصف عام في ديسمبر 2018 إثر حل الكنيست العشرين المبكر والتوجه إلى الانتخابات، حماس كانت على علم بالضغوطات التي تتعرض لها الحكومة الإسرائيلية بسبب الانتخابات (التي أجريت في الـ 9 من ابريل)، فقدمت لنتنياهو "مهلة" إلى ما بعد تمامها حتى يتمكن من التخلص من العقبات السياسية التي تعترض طريقه، والتي حالت بينه وبين التطبيق الكامل للتفاهمات مع حماس. في المقابل، شخّص يحيى السنوار وقادة آخرون في حماس بشكل جيد نقاط ضعف إسرائيل، ولم يتورعوا عن الدخول في جولات عنف قصيرة من أجل إخضاع نتنياهو، بحيث لا ينسى غزة. افتراض حماس - الذي ثبتت صحته فيما بعد - هو أن إسرائيل لن تجرؤ على الدخول في حرب شاملة مع غزة بسبب "يوم الاستقلال" (8-9 من مايو) واليورو فيحن في تل أبيب (14-18 من مايو).

رئيس الحكومة نتنياهو لم يخطر بباله أنه لن ينجح بتشكيل الحكومة، وأن إسرائيل ستتوجه إلى الانتخابات مرة أخرى، وأن كل شيء سيبدأ من جديد. في المقابل، يمكن القول بأن قادة حماس - وكذلك مختلف الوسطاء - لم يتوقعوا مثل هذا السيناريو، الآن موعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة هو شهر أكتوبر، وحينها فقط ربما تحدث نقلة نوعية باتجاه الاتفاق.

من ناحية حماس فهناك فرصة أخرى الآن لتذكر العالم كله بضائقة سكان قطاع غزة؛ نهاية هذا الشهر في الـ 25-26 من يونيو يُفترض أن يُعقد في العاصمة البحرينية المنامة مؤتمرًا اقتصاديًا دوليًا بادرت بهِ الولايات المتحدة، ويُتوقع أن يتم فيه الكشف عن الفصل الاقتصادي من "صفقة القرن". لا أحد في الجانب الفلسطيني يتوقع خيرًا من هذا المؤتمر (السلطة الفلسطينية تقاطعه، وحماس أيضًا بطبيعة الحال)، ولكن عندما يدور الحديث عن الأمور المالية والبنى التحتية والاستثمارات فإنها فرصة من جهة حماس للتذكير بأن غزة تعاني وبحاجة إلى معاملة كأفضلية.

لدينا هنا بالطبع مفارقة كبرى؛ فمن ناحية يرى قادة الحركة أن الخطة التي يجهزها النظام الأمريكي تشكل خطرًا، ومن الناحية الأخرى ممنوعٌ من جهة حماس أن ينتهي مؤتمر البحرين دون أن ينظر المشاركون فيه إلى الضائقة التي تعيشها غزة، وأكثر من ذلك المخاطر الكامنة التي تحيق بالشرق الأوسط برمته إذا لم تحل مشكلة الحصار المفروض على غزة؛ هذه المفارقة ليست مفاجئة، فحماس منذ قيامها تتصرف بهذه الطريقة، فهي من جهة تلوح براية الجهاد كخيار أوحد ووحيد وتذكر بأنها على الإطلاق لن تعترف بحق إسرائيل بالوجود، ومن جهة أخرى ربما غير واضحة المعالم تتماشى مع الواقع لتتوصل إلى تفاهمات مع إسرائيل.

وهكذا الأمر في الوقت الحالي بالنسبة لمؤتمر البحرين؛ حماس لا تعترف بهِ، لكنها تنتظر بشغف أخبارًا اقتصادية جيدة، ولهذا السبب فإنها بحاجة إلى أن تحدِث ضجة وأن تسخن كالعادة الحدود مع إسرائيل. "بات معلوم مسبقًا وجميع المؤشرات على الأرض تؤكد أنه في نهاية الشهر الحالي الوشيكة لن يسود الهدوء على الحدود مع غزة" قال لي المصدر الامني الإسرائيلي. مسؤول في اللجنة المنظمة للتظاهرات على الحدود قال يوم الثلاثاء (4 يونيو) لمراسل "هآرتس" جاكي خوري أن المتظاهرين سيعودون إلى نشاطات الإرباك الليلي بالقرب من الجدار وسيعودون إلى إطلاق البالونات الحارقة (الأمر الذي يحدث الآن بالفعل).

من ناحية إسرائيل - ورغم البالونات الحارقة - فإنها تبذل الآن جهودًا حثيثة لتساعد القطاع من خلال توسيع مساحة الصيد وإدخال البضائع المختلفة؛ بل وحتى إصدار تصاريح بأعداد كبيرة لرجال الأعمال للخروج من القطاع إلى إسرائيل من أجل زيادة حجم التجارة مع الشركات الإسرائيلية، لكن زيادة حجم التجارة أو إدخال مختلف أنواع المواد الخام والمنتجات خطوات تكاد تكون بلا جدوى، إذ ليس هناك قوة شراء في القطاع، وليس هناك مشاريع جديدة للتشغيل، والجميع ينتظرون الأموال القطرية كما يُنتظر الهواء للتنفس.

مصدر سياسي من حماس قال لي بأنه ومن دون تقدم سريع وكبير لتحسين الأوضاع فليس هناك سبب يجعل حماس تتمسك بوقف إطلاق النار، نافيًا أن يكون مؤتمر البحرين هو ما يدفع قيادة الحركة لاستعراض العضلات، وأشار إلى أن التنظيم مستعد للقيام بواجبه في تفاهمات وقف إطلاق النار والكف عن "العنف" تجاه إسرائيل إذا قامت إسرائيل بواجبها والتزمت بتعهداتها. لكن وحسب قوله، دون توسيع مساحة الصيد إلى 15 ميل فلن تقتنع حماس بأن إسرائيل معنية حقًا بحل الوضع الصعب في القطاع، كما وزعم بأن المظاهرات الحالية على الجدار تجري بشكل عفوي من قبل سكان القطاع "الذين يشعرون بالضغوطات الإسرائيلية والضائقة وفقدان الأمل بتحسين أوضاعهم".

في كل مرة تهدد فيها حماس بتظاهرات الجدار وتجديد إطلاق الصواريخ تفسر إسرائيل ذلك بمناسبات من هنا وهناك؛ اليورو فيجن والانتخابات و"يوم الاستقلال" والمؤتمر في البحرين؛ ولكن ليست هذه هي الأسباب الحقيقية للتهديدات، وإنما هي مجرد استغلال للفرص.

الوضع في القطاع هو وضع متفجر ويتطلب حلًا شاملًا، المناسبات والأحداث المختلفة ما هي في المجمل إلا أضواء تحذيرية صغيرة تنضم إلى تحذير كبير. غزة في وضعها الحالي هي التهديد الأكبر على أمن إسرائيل، والمواجهة العسكرية الأخرى ما هي إلا مسألة وقت فقط.