شريط الأخبار

حرب غزة لم توفر لإسرائيل انتصاراً عسكرياً حاسماً وأسقطتها عالمياً في الامتحان الأخلاقي

12:11 - 26 آب / يناير 2009

حلمي موسى

خلافاً لحرب لبنان التي نشأ بسببها سجال عنيف في إسرائيل حول المنتصر والمهزوم فإن السجال في إسرائيل دار هذه المرة حول أن الحرب انتهت أم لا. وهناك من ذهب أبعد من ذلك ليرى ما إذا كانت الحرب فعلاً قد حققت أهدافها أم لم تحقق. على أن قلة قليلة من الإسرائيليين حاولت مخالفة القناعة الدارجة بالانتصار أو بالحرب ورأت أنه لم يكن هناك انتصار بل ولم تكن هناك حرب.

بين من خرج على القناعة السائدة في إسرائيل بشأن تحقيق الانتصار كان الكاتب الشجاع في »هآرتس« جدعون ليفي والذي حمل بشدة على الحرب وأهدافها، ولاحظ أنها لم تحقق لإسرائيل شيئاً سوى زرع المزيد من الكراهية. كما أن الخبير في الشؤون الاستراتيجية رؤوفين بدهتسور كتب في »هآرتس« أيضاً أن »الخطر الأكبر يكمن في تصديق الجيش الإسرائيلي أنه قد انتصر في هذه الحرب، بينما لم تحدث حرب بالمرة. أصوات الرضى والثناء من نتائج الحرب، التي تتردد وتتعالى من القيادة العليا في الجيش الاسرائيلي، قد تقود الجيش الى استنتاجات خاطئة«. وهو يرى أن ما جرى في غزة ليس حرباً، لأنها لم تشهد أي قتال حقيقي وكل ما تم هو إفراط في استخدام القوة.

ورغم ذلك فإن هذه الحرب أثارت وبسرعة تساؤلات أشدّ وجودية من أي حرب أخرى، لأنها أظهرت للإسرائيليين عموماً حدود القوة لديهم. صحيح أن نشوة الانتصار من ناحية ولذة الانتقام من ناحية أخرى ظهرت جلية في مواقف الجمهور والقادة السياسيين والعسكريين إلا أن السؤال ظل يحوم: إلى متى؟ ومن البديهي أن بعض محاولات الإجابة على هذا السؤال تركزت أساساً في كل ما يتعلق بالتجيير السياسي للأفعال العسكرية. ولا يختلف اثنان حول حجم الدمار الذي أوقعته الحرب بغزة وأهلها، ولكن ذلك لا يعفي الإسرائيلي من التفكير باليوم التالي.

فاستطلاعات الرأي، خصوصاً ذلك الذي نشر في »معاريف« يشهد على أن أكثر من ثلثي الإسرائيليين على قناعة مؤكدة أو شبه مؤكدة بأن جولة أخرى من هذه الحرب مع حماس ستقع خلال العام أو العامين المقبلين. كما أن القادة العسكريين الإسرائيليين يؤكدون أنه بقدر ما تتعلم إسرائيل من أخطائها فإن الآخرين يتعلمون من أخطائهم مما يعني أن الجولة المقبلة قد تكون أقسى.

وربما لهذا السبب يكثر مفكرون إسرائيليون من الحديث عن ضرورات الخروج من الدائرة المغلقة للصراع والبحث عن سبل للحل. وهكذا فإن الروائي اليساري دافيد غروسمان يكتب في »هآرتس« أنه »مثل الثعلبين في القصة التوراتية لشمشون، المرتبطين الواحد بالآخر في ذيليهما من خلال شعلة متلظية، هكذا نحن والفلسطينيون نجر بعضنا بعضاً ـ رغم فوارق القوى وحتى عندما نجتهد جداً كي ننقطع الواحد عن الآخر ـ وفي ظل ذلك نشعل الآخر المعقود بنا، نظيرنا، مصيبتنا، ونشعل أنفسنا أيضاً. وعليه، ففي ظل موجة الحماسة الوطنية التي جرفت البلاد الآن، لا ضير في أن نتذكر بان الحملة الاخيرة في غزة هي في نهاية المطاف مجرد محطة واحدة أخرى على طريق كلها نار وعنف وكراهية، مرة تنتصر فيها ومرة تخسر، ولكن الطريق نفسها ـ تؤدي في نهاية المطاف إلى الضياع«.

ويطالب غروسمان بالحديث مع حماس »لأن ما جرى في الأسابيع الأخيرة في قطاع غزة يطرح أمامنا، في إسرائيل، مرآة تعكس لنا وجهنا، لو كنا نظرنا إليه للحظة واحدة من الخارج أو إذا كنا نراه في شعب آخر، لكنا خفنا. كنا سنفهم بان النصر ليس نصراً حقيقياً، وان الحرب في غزة لم تجلب لنا الشفاء في المكان الذي نحتاج فيه بشدة الى الدواء، بل فقط كشفت بقوة أعظم خطأ التوجيه المأساوي والمتواصل عندنا، وعمق الفخ الذي نعلق فيه«.

وهذا هو الرأي أيضاً عند الحاخام المستوطن مناحيم فرومان الذي كتب أيضاً في »هآرتس« أنه »من الناحية النظرية يمكن القول إن هناك سبيلين للانتصار في الحرب: إما إخضاع العدو حتى النهاية، وإما دفعه الى تغيير موقفه ـ حتى يتوقف عن اعتبار نفسه عدوا لك. هل توجد امامنا الآن إمكانية لتصفية حماس جسدياً؟ ومن الناحية الاخرى هل هناك احتمالية لتغيير موقف حماس المعادي؟«. ويطالب فرومان باختبار أسلوب محاولة تغيير حماس، بل ومساعدة هذه الحركة على ذلك.

كثيرة هي الحروب التي خاضتها إسرائيل وأغلبها كان أوسع نطاقاً من حرب غزة. ولكن الفارق بين تلك الحروب وهذه أن حرب غزة انطلقت من واقع امتلاك إسرائيل لكل أنواع الأسلحة وافتقار الفلسطيني لأبسطها ومع ذلك لم تتمكن إسرائيل من حسمها أو تجييرها سياسياً. وهنا تكمن المعضلة التي سمحت لإسرائيل بالذهاب إلى أقصى مدى في استخدام القوة ومن دون قيود. فالنتيجة كانت مردودة على إسرائيل: لا نتائج من جهة وسقوط في الاختبار الأخلاقي. وقد بدت هذه النتيجة بأسرع ما كانت تتخيلها قيادة إسرائيل عندما اضطرت للتحسب من الملاحقات القضائية باقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

انشر عبر