شريط الأخبار

إسرائيل وليس العرب مسؤولة عن إعادة بناء غزة ..خالد الحروب

09:25 - 26 حزيران / يناير 2009

الحياة     - 25/01/09//

 

قدمت ألمانيا طلبا بتعويضات قدرها 130 مليون دولار إلى لجنة الأمم المتحدة التي تشكلت لتعويض عشرات الدول وألوف المنظمات ومئات ألوف الأفراد بعد غزو العراق للكويت سنة 1990. تضمن الطلب قائمة بالخسائر التي تعرضت لها هيئات ألمانية سواء جهات حكومية أو شركات خاصة. وحصلت ألمانيا من تلك اللجنة على 5 ملايين دولار. بعيد الغزو وحرب العراق الأولى فرض مجلس الأمن على العراق تخصيص 30 في المئة (خُفضت إلى 25 في المئة لاحقاً) من عائداته النفطية لتعويض الأطراف المتضررة والتي تقدمت بطلبات تعويض. إسرائيل طالبت بتعويضات تجاوزت قيمتها بليون دولار جراء سقوط 39 صاروخ سكود عراقي على المدن الإسرائيلية. تلك الصواريخ قتلت إسرائيلياً واحداً وجرحت بضع عشرات معظم جراحهم خفيفة. الخسائر المادية كانت طفيفة والطلب الإسرائيلي كان مبالغاً فيه بشكل غير مسبوق, واللجنة الأممية أعطت إسرائيل في نهاية الأمر 74 مليون دولار كتعويضات. من ضمن تلك التعويضات كان هناك ربع مليون منحت لأحد عشر إسرائيلياً تقدموا بطلبات تعويض فردية.

لنعد إلى ألمانيا بعض الشيء, والحديث عنها في هذا السياق ليس إلا على سبيل المثال إذ كانت هناك عشرات الدول التي تسابقت على نهب النفط العراقي في مهرجان السطو الدولي الذي ما زال قائماً حتى هذه اللحظة. ألمانيا التي دمرت ثلاثة أرباع القارة الأوروبية في الحرب العالمية الثانية رفضت الاستمرار في تعويض بولندا, الدولة المجاورة التي احتلتها وحطمتها أثناء سنوات الاحتلال, وتوقفت عن الدفع بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب. لكن رغم ذلك التوقف إلا أن الألمان كانوا قد أجبروا, ولأن ألمانيا النازية كانت هي الدولة المعتدية على الدول المجاورة, على تعويض جزء إن لم يكن معظم الخسائر والدمار الذي ألحقته بالآخرين. اليابان بعد الحرب الثانية أيضاً اخضعت لسلسلة كادت لا تنتهي من التعويضات لقائمة طويلة من المتضررين.

على عكس جل حالات الاعتداء في العالم وخضوع المعتدي لتبعات اعتدائه, تتبختر إسرائيل دوماً فوق الأعراف والقوانين الدولية وتهزأ بها, ويتواطأ معها الغرب في سياسة لم تعد تستدعي سوى الغثيان (وطبعاً المزيد من التطرف!). خسائر اللبنانيين جراء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان على مدار 22 سنة جاوزت الـ15 بليون دولار, والدمار الذي ألحقته بلبنان في حرب صيف 2006 له تقديرات متفاوتة أقلها 4 بلايين دولار. إسرائيل أعفيت من دفع دولار واحد من تلك الخسائر. والآن دمرت إسرائيل قطاع غزة وتحوم تقديرات كلفة إعادة البناء حول بليونين من الدولارات. وهي تُعفى الآن من تحمل أية مسؤولية مالية وقانونية عن ذلك الدمار.

يطرح هذا الإعفاء المخجل واللاقانوني واللاإنساني أكثر من وجه, خصوصاً في اللحظة الراهنة والخاصة بمسألة إعمار قطاع غزة, حيث تضيع المسؤولية, وتُعفى إسرائيل بسهولة بالغة من تحمل تبعة جرائم الحرب التي قامت بها.

اولاً: إسرائيل هي الطرف الذي يجب أن يقدم التعويضات ويتحمل كلفة الإعمار. فهي الدولة المعتدية والتي أطلقت الحرب. واعتمادها على مفهوم الدفاع عن النفس كتسويغ للحرب, هو اعتماد ساقط من ناحية القانون الدولي وكما أفتى بذلك عدد كبير من القانونيين الدوليين. وحتى لو فرضنا انطباق مفهوم الدفاع عن النفس في هذه الحالة, فإن ما ألحقته من دمار وتدمير وقتل يتجاوز الحاجة إلى ذلك «الدفاع» بمراحل كبيرة. هذه معركة قانونية يجب ان تُخاض والظفر فيها ليس صعباً. إسرائيل دمرت البنية المدنية لقطاع غزة, وأبادت مدنيين لأهداف سياسية, ولم تحصر عملياتها بالأهداف العسكرية. وعليها بالتالي أن تتحمل كل تلك الكلفة, وأن يكون بند تحميلها تلك الكلفة عنصراً من عناصر أي اتفاق إقليمي سواء على التهدئة أو سواها.

ثانياً: لا مناص من الإقرار بأن هناك كسلاً عربياً وفلسطينياً مريعاً في مجال استثمار ما هو متوفر من آليات دولية قانونية لمحاصرة إسرائيل سياسياً وقانونياً. كل الاعتداءات الإسرائيلية, حتى قبل هذه الحرب الدموية, تجلب إسرائيل لمحاكمات دولية وتضعها عارية كدولة عنصرية. في المقابل قامت وتقوم جهات إسرائيلية متعددة برفع قضايا قضائية ضد هيئات فلسطينية وعربية وإسلامية مستثمرة سعار مناخ «الحرب على الإرهاب» لأن هذه الهيئات ساهمت بشكل أو بآخر, بحسب الإدعاء الإسرائيلي, في «الإرهاب على الإسرائيليين». حتى هذه اللحظة هناك قضايا ضد منظمات خيرية عربية وإسلامية في الولايات المتحدة وأوروبا, وكثير منها تم إغلاقه نتيجة لتلك القضايا. وهناك قضايا رفعت وما زالت في المحاكم ضد هيئات عربية خليجية وغير خليجية خيرية ومالية وتطوعية, الهدف من ورائها إبتزاز ملايين الدولارات إن لم نقل بلايينها. هناك قضايا أخرى رفعت ضد شركات تأمين دولية رفضت تعويض إسرائيليين متضررين في الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبار أن هذه أراض محتلة وتضرر الطرف المحتل فيها لا تشمله بوالص التأمين العالمية.

ثالثاً: بعيدا عن المطالبات القضائية التي تنشط فيها أطراف إسرائيلية بشكل مدهش, هناك الابتزاز والمطالبات السياسية والدعم المالي من الغرب, الذي تتقدم به عند كل منعطف صراعي. من حرب العراق الأولى, وقبل تلك الحرب بطبيعة الحال, وإسرائيل تنعم بهذه المنحة الأميركية, او تلك المساعدة الأوروبية لإعانتها على مواجهة الحروب في صراعها مع العرب والفلسطينيين. مع كل صاروخ عديم الأثر سقط على مدينة إسرائيلية, ومع كل عملية انتحارية هنا أو هناك, كانت قنوات الدعم المالي تتسع سواء مباشرة أو عن طريق مساعدات عسكرية وفنية وسواها.

رابعاً: آن الآوان لأن تتحرك الدول العربية والسلطة الفلسطينية لتوقف هذه المهزلة الدائمة وهي تعويض وبناء ما تدمره إسرائيل, وإعفاؤها من مسؤوليتها القانونية والدولية. ومن المُستغرب فعلاً ملاحظة أن ما يسيطر على النقاشات الراهنة الآن, عربيا وفلسطينيا ودولياً, هو من يدفع كم وعن طريق أي قناة. وليس هناك حديث ولو هامشي عن ضرورة تحميل إسرائيل تبعات الجريمة التي قامت بها. إسرائيل هي التي دمرت ألوف البيوت ومسحتها عن الأرض, وقضت على عائلات بأكملها, واستخدمت أسلحة محرماً استخدامها دولياً ضد ألوف المدنيين وقتلت منهم من قتلت وتركت ألوفاً آخرين يعيشون إعاقات إلى أواخر حياتهم.

خامساً: لا أحد يُطالب الدول العربية أن تخوض حرباً ليست في مقدورها ضد إسرائيل. لكن هناك مواقف سياسية وديبلوماسية وقانونية تتسم بالصلابة والقوة والمقبولية عالميا وإقليميا بالإمكان, ويجب, تبنيها, ومنها موقف ومطلب تحميل إسرائيل مسؤولية وكلفة الدمار الذي اوقعته بغزة.

سادساً: على الحكومات العربية أن تتوقف عن لعب دور «الجمعيات الخيرية» فهي تمثل دولاً ذات إرادات ومصالح وديبلوماسيات ووسائل سياسة وضغط, ولن نقول جيوش, ودورها اكبر بكثير مما تستطيع ان تقوم به جمعيات الإغاثة غير الحكومية. الدور الإنساني والإغاثي الذي تقدمه كل دولة عربية هو دور محمود ومطلوب بكل تأكيد. لكن أن يتحول هذا الدور إلى الدور المركزي والجوهري والوحيد فإن في ذلك اختلالاً حقيقياً في معنى التسيس المحلي والإقليمي والدولي، خاصة إذا كان هذا الدور هو الوحيد الذي يبرز في سلسلة متعاقبة من الاعتداءات والحروب التي تقوم بها إسرائيل.

سابعاً: لنفرض أن كل ما ورد أعلاه لم يتحقق وبقي أعلى من مستوى قدرة الدول العربية على تطبيقه, وظلت إسرائيل تتمتع بدور الطرف «البريء», أو على الأقل الذي لم تكن له علاقة بالتدمير الذي حدث, فإن هناك إجراءات أخرى يمكن تنفيذها وتقع في مجال «القدرة العربية» المنخفضة المنسوب. منها أن لا تمر قنوات الدعم المالي والتمويل والإعمار المُفترض عبر إسرائيل حتى لا يصبح الاقتصاد الإسرائيلي هو المستفيد الأول من حركة الإعمار. بمعنى آخر يجب أن لا تكون الشركات والمصانع الإسرائيلية للاسمنت والحديد والمواد الأولية وغيرها هي المستفيدة. وهذا يتطلب الإصرار على فتح معبر رفح من ناحية للاعتماد على الموردين المصريين, ويتطلب تنظيم آليات للاستيراد من الأردن ومرور المواد عبر معبر ايريز من ناحية ثانية. إن أقل وأضعف الإيمان في هذا السياق هو حرمان الاقتصاد الإسرائيلي من الاستفادة من الدعم العربي المقرر لبناء غزة. سيكون من المعيب فعلاً ان تزدهر شركات إسرائيلية هنا وهناك نتيجة الدم البريء الذي سفحه الجيش الإسرائيلي في مدن ومخيمات قطاع غزة. هذه مسؤولية الدول العربية المانحة, ومسؤولية الجامعة العربية, ومسؤولية السلطة الفلسطينية مجتمعين.

 

 

* اكاديمي وباحث اردني فلسطيني - جامعة كامبردج

انشر عبر