ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

بقلم: الدكتور خالد معالي

تقييم الجولة الاخيرة من العدوان الإسرائيلي على غزة، يستدعي فهم السياق التاريخي لما يحصل على الواقع، فتاريخيا اينما وجد احتلال وجدت مقاومة له، وكانت المقاومة تدفع ثمنا غاليا جدا لقاء محاولة نزع حريتها من حلوق أعدائها، وتنجح بعد طول عناء.

ما حصل هو ان الاحتلال وبسبب شعوره بالقوة والدعم الاميركي الكبير وحال العرب المخجل الحالي من فتن واقتتال داخلي ومحاولة وأد الربيع العربي بالثورة المضادة، اعتقد ان لا حاجة للالتزام بالتفاهمات التي جرت قبل انتخاب نتنياهو مجددا، ومن هنا حصلت الجولة التي أثرت وضربت في مجالات سياسية عديدة .

اولى خسارة الاحتلال السياسية، هي تآكل سياسة الردع الى غير رجعة، فهدم المنازل واغتيال عناصر المقاومة لم يثن المقاومة عن المواصلة في اطلاق الصواريخ بكثافة، كما ان هدم عمارات سكنية هو مؤشر على إفلاس الاحتلال، وقتل اطفال رضع دليل فشل وحقد واجرام، لا مثيل له في العصر الحالي.

توقيت المقاومة كان جيدا، حيث أجواء الاحتلال كانت ضاغطه، وهي أجواء الاحتفال بما يسمى بـ "عيد الاستقلال" ؛ وأجواء تحسين صورة الاحتلال من خلال تنظيم المهرجان الموسيقي العالمي "اليوروفيجين" في تل أبيب الأسبوع القادم، سيما وأن الوفود المشاركة فيه شرعت بالوصول، ومعها آلاف السياح الأجانب، فما هو التصور والانطباع الذي سينقله السواح او المطربون، او حتى قرابة 600 مليون من المتوقع ان يشاهدوا "اليوروفيجين"؟

مقارنة بالجولات والحروب السابقة فان المقاومة تقدمت كثيرا هذه المرة عن سابقاتها، فاطلاق الصواريخ كان بكثافة عالية جدا غير مسبوقة وباعتراف الاحتلال، وبالتالي هزت أمن الاحتلال ، عدا عن ان قتل اسرائيل للمدنيين والاطفال الرضع هز صورة الاحتلال لدى الغرب.

الضعيف المهزوز يلجأ دوما في الحروب والجولات الى استهداف المدنيين العزل للضغط على الجبهة الداخلية لمن هو في الجبهة الاخرى المضادة، وهو ما جرى مع الاحتلال الذي راح يقصف مدنيين وعمارات سكنية.

كل دقيقة عمل في دولة الاحتلال تختلف عنها في غزة، فغزة غارقة ولا تخشى البلل، بينما الاحتلال قائم على التصنيع وتحسين صورته في الخارج مدعيا بأنه واحة من الامن والامان والازدهار، وفي هذه الجولة فقد الاحتلال ذلكن، وتكبد خسائر جسيمة في مجالات اخرى مثل عدد القتلى والجرحى والذي في كل حرب وجولة يخفي العدد الحقيق للقتلى، وهو لن يعلن عنه اصلا من باب الحرب النفسية التي هي أساس كل نصر.

الجولة الاخيرة احرجت دول العرب المنبطحة للاحتلال، فغزة قالت للعرب والمحيط: انظروا ما اضعف دولة الاحتلال، مجرد صواريخ محلية الصنع في غزة، تهز الاحتلال وتجعله ينام في الملاجئ، ويسارع لطلب تهدئة والالتزام بالتفاهمات السابقة، فهو ليس بالقوة التي يزعمها ويعربد فيها على العرب والمسلمين.

تأمل معي تصرحيات يوفال شتاينيتس، وهو عضو الكابينت المصغر، ووزير الاستخبارات السابق لدى الاحتلال، والتي يقول فيها بان الاحتلال سيبقى يعاني من غزة لـ٣٠عاما قادمة، وان غزة لن تغرق في البحر كما حلم رابين.

في الوقت الذي فيه غزة محاصرة ومخنوقة من شدة الحصار، فإنها تتحدى الاحتلال الذي يخشاه ملوك وحكام العرب، وتطلق مئات الصواريخ على هذا الاحتلال، ولا تنجح تقنية الاحتلال التي يزعم انها متقدمة في اعتراضها. ومن هنا نقول: ان من جد وجد، ومن لم يجد، ولم يشمر عن ذراعيه ويقرأ سنن التاريخ جيدا، فانه يبقى مهزوما، ويبقى صاروخ واحد ينطلق من غزة، في "الحياة مقاومة"، أفضل من مليون جولة تفاوض في "الحياة مفاوضات".