شريط الأخبار

التظاهرات التركية لأجل غزة لفتت أنظار العرب والغرب

07:06 - 24 حزيران / يناير 2009

التظاهرات التركية لأجل غزة لفتت أنظار العرب والغرب "القصـة الداخليـة" لدور تـركيا المشـرقـي المسـتعاد

 

 

 

 

 

 

 

رشا الاطرش

ربما تكون التظاهرات التي شهدتها تركيا خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، هي الأكبر لأجل قضية خارجية منذ زمن. المشاهد الجماهيرية المتلفزة خلبت الألباب العربية لأكثر من سبب، وتعددت الملاحظات المتداولة في الشارع العربي، من نوع: »انظروا ماذا يفعل الأتراك، اسمعوا خطاب (رئيس الوزراء رجب طيب) أردوغان، أليس أفضل من مواقف العديد من الأنظمة العربية؟ وهؤلاء ليسوا عرباً، ويفترض أن علاقتهم جيدة بإسرائيل، يا للخجل!« أو.. »لا بدّ أن تركيا تخطط لدور جديد أوسع في المنطقة، وفي الصراع العربي - الإسرائيلي، على صعيد لعبة الوساطة«، أو حتى.. »تركيا تسعى لتكون عاصمة السنّة في المنطقة، في مواجهة المرجعية الإيرانية الشيعية، لعلها ستسرق في القريب العاجل واجهة الدورين المصري والسعودي«...

هكذا، يبدو أكثر من مغرٍ الحديث إلى السيدتين التركيتين اللتين زارتا لبنان مؤخراً: الصحافية في جريدة »ميلليت« الليبرالية، إيجيه تيميلكوران. وأستاذة العلوم السياسية في جامعة اسطنبول، نوراي ميرت، والتي تكتب أيضاً مقالات دورية في صحيفتي »راديكال« و»حرييت« الميالتين إلى اليسار الليبرالي. تفتح مقابلتهما الباب على »القصة الداخلية التركية«، والحماسة اللافتة لإدانة العدوان الإسرائيلي على غزة، الأمر الذي لم يظهر خلال عدوان تموز على لبنان مثلاً...

تؤثر د. نواري ميرت أن تبدأ من الأول: »ثمة مستويات مختلفة للنظرة التركية إلى قضايا الشرق الأوسط. فمنذ أفول الامبراطورية العثمانية، لم يعد الأتراك يهتمون كثيراً. أداروا وجوههم وطموحهم والهوية باتجاه أوروبا. أولاً لأن الامبراطورية انتهت. وثانياً لأن الحرب الباردة، ومن قبلها الحرب العالمية الثانية، وضعت العرب والأتراك في معسكرين متضادين. بعد الثورة العلمانية التركية، سقط سحر تركيا عن العرب من جهة، كما شعر الأتراك أن العرب »طعنوهم في الظهر«، وسلموا المشرق إلى قوى الانتداب الغربي من جهة ثانية. وسارعت تركيا آنذاك إلى الانضمام إلى حلف شمالي الأطلسي، في حين انحاز العرب إلى المعسكر السوفياتي وإلى صعود القومية العربية والناصرية..«.

برأي ميرت، زاد تسلّم حزب »العدالة والتنمية« للسلطة من اهتمام بالشرق الأوسط، ليس فقط بسبب خلفية الحزب الإسلامية، »لكن أيضاً على أثر تغير الظروف التي جعلت من الدولة التركية نموذجاً للحكم الإسلامي المعتدل وتناغمه مع الحكم الديموقراطي، أعني في عيون الغرب. وهذا ما دفع بالولايات المتحدة إلى دعم هذا النموذج حتى الآن. هكذا، قد يتسنى لتركيا أن تكون لاعباً أساسياً وجدياً في المنطقة، خصوصاً في سياق وساطة للسلام، لكن ليس بالرومانسية التي نظر من خلالها الجمهور العرب إلى الأتراك. علماً أني أفهم هذه النظرة، خصوصاً حين تبدو بعض الأنظمة متواطئة على القضية. لكن تركيا لا تستطيع أخذ دور مصر أو السعودية مثلاً لأنها ببساطة ليست عربية بالمعنى السياسي«. وفي الوقت نفسه تخشى ميرت أن »تأخذ الدولة التركية نفسها على محمل الجد، أكثر من اللازم، بهذا المعنى، وإلا فستكون لاعباً من الدرجة الثانية إذا انحسر الدعم الغربي لها«.

ولماذا قد ينحسر؟ تجيب ميرت: »أنا شخصياً شعرت ببعض القلق عندما ظهر، برأي الغرب، إن تركيا بالغت في خطابها الرسمي والشعبي. فذلك قد تكون له ارتدادات على البلد، في ملف الاتحاد الأوروبي، والمشكلة الكردية، الخ«. هناك أمر آخر، تقول ميرت: »يرى العرب حزب »العدالة والتنمية« كسلطة إسلامية. جزء كبير من شرعيته في عيونهم مستمد من هذا المنطلق. لكن ترسيخ هذا التوصيف قد يحرج الحزب الحاكم في الداخل، حيث يقدم نفسه على أنه »ديموقراطي محافظ«، وليس النسخة التركية من »الإخوان المسلمين«. وبالعودة إلى غزة، فإن غالبية التظاهرات قام بها إسلاميون، مع بعض المجموعات الأقلية من مناهضي العولمة، واليسار الليبرالي، والعلمانيين، والحركات المناهضة للحرب. وقد أعطيت التظاهرات ضوءاً أخضر من السلطة، في حين أن الأخيرة حازمة في العادة، ولم تُنسَ بعد الطريقة التي قُمعت بها التظاهرات العمالية في أيار ,,.٢٠٠٧ لو لم تكن فلسطين هي الموضوع، بما فيها من بعدٍ عاطفي وإنساني وأخلاقي، للاقى الأمر انتقادات أكبر بكثير داخلياً«.

أما إيجيه تيميلكوران، فتعود إلى ما تسميه »الروابط العاطفية بين اليسار التركي والثورة الفلسطينية منذ الستينيات. ومقاومة حركة حماس الآن تجذب الناس من قلوبهم، وألقى أردوغان خطاباً ساخطاً ضد إسرائيل. فالحرب على غزة قاربت حدود الإبادة الجماعية«. وإذ تفرّق تيميلكوران بين خطاب المتظاهرين الإسلاميين الذي انتُقد على أنه معاد لليهود، أي للسامية، وبين اليساريين الذين قدموا أنفسهم كجزء من حركة التضامن العالمية. اليسار قال إنه ضد إسرائيل وحربها الآن على غزة، في حين بدا خطاب الإسلاميين معادياً لليهود. وتصف الاعتصام أمام ملعب كرة السلة، حيث كان سيلعب فريق إسرائيلي، بـ»المخيف«، إذا انطلقت هتافات من نوع »فليخرج القتلة الإسرائيليون من فلسطين.. الله أكبر«!

لكن المباراة ألغيت في النهاية. واللافت أن صحيفة »هآرتس« نقلت الخبر، متضمناً في خلفيته وصف تركيا بأنها: »دولة مسلمة بغالبية مواطنيها، إنما يغلب عليها الطابع العلماني وتربطها علاقات جيدة بإسرائيل«.

توافق تيميلكوران زميلتها ميرت على أن التوقعات العربية من تركيا كانت مبالغة بعض الشيء، بمعنى دورها في المنطقة وتدخلها بفاعلية أكبر في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أو الفلسطيني ـ الإسرائيلي: »من المفارقات أن (وزير الدفاع الإسرائيلي) إيهود باراك قام بزيارة إلى تركيا قبل أيام من بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، وتساءل بعض النواب ما إذا كان أردوغان على علم مسبق بها، خصوصاً أن الأخير كان يتباهى بالعلاقات الخارجية لحكومته. لكن تبين فعلاً أن باراك لم يخبره بشيء. ولعل ذلك من الأسباب التي زادت حنقه على المسؤولين الإسرائيليين، فأعلت من نبرة خطابه حول ما يحصل في غزة«. تتابع تيميلكوران: »أنا شخصياً سأفرح إن قامت الحكومة التركية بدور أكبر. لكنها في النهاية دولة عضو في حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، وإذا حاولت أن تبدو شرق أوسطية فهذا يضع عضويتها في »الناتو« على المحك. ومن جهة أخرى، إذا لعبت الدولة التركية دور الوسيط من أجل عملية السلام، ففي المقابل لا يبدو أن أطراف الصراع يريدون السلام... لعل صورة بعض الأنظمة العربية، في عيون أهل الشارع العربي، رفعت من توقعاتهم، وبدا خطاب أردوغان أكثر إثلاجاً لصدورهم. لكن ليس واضحاً بعد إن كان ذلك سيدوم كاستراتيجية بعيدة المدى، أو إن كان سينعكس فعلياً على مسار السياسة الخارجية التركية.. فمثلاً لم يأت أحد على سيرة تعليق اتفاقيات التعاون العسكري بين تركيا وإسرائيل. ولما اقترح بعض أعضاء البرلمان هذه الفكرة، سرعان ما أسكت نواب »العدالة والتنمية« هذا الطرح«.

وفي سياق آخر، تملك ميرت نظرة خاصة بشأن تركيا كـ»مرجعية سنية« في المنطقة: »الأرجح أن هذه صورة يسبغها عليها جيرانها. فلا هي أصيلة في تركيا ولا هي نقطة قوتها. والخلفية الإسلامية للحزب الحاكم راهناً لا تضع الدولة حكماً في المقلب أو المعسكر المناهض لإسرائيل. وبرأيي، إذا فكرت الحكومة بدخول هذه اللعبة، فعليها أن تتحرك بذكاء وحذر شديدين وإلا خسرت خصوصيتها«.

أما عن تفسير غياب مثل هذه التحركات في الشارع التركي، خلال حرب تموز، فتشرح ميرت أن »لبنان ليس مثل فلسطين ـ القضية المؤثرة في النفوس. بل لم يهتم الرأي العام التركي كثيراً بالعدوان على لبنان لأنه، ببساطة، لا يعرف عنه الكثير. حتى أن الكثيرين كانوا يظنون أن (رئيس الحكومة فؤاد) السنيورة يمثل كل اللبنانيين. وأن الأخير، وحزب الله، يدافعان عن البلد جنباً إلى جنب. ولعل هذه اللامبالاة تنبع أيضاً من الاستماتة للحفاظ على الوجه الأوروبي للمواطن التركي، كأنه لو اقترب من القضايا العربية المحيطة به، سيخسر »هويته الأوروبية«. وبالتالي، شعرت الحكومة آنذاك بحرية التصرف طبقاً لتحالفاتها المعروفة، فدعمت موقف الولايات المتحدة وحلفائها في لبنان«. بصراحة، تقول ميرت، »أعتقد أن الجهل بالآخر موجود عند الطرفين، عند العرب كما عند الأتراك. إذ لا يرى العرب في تركيا سوى سلطتها التي بيد إسلاميين، ولو كانوا معتدلين. في حين أننا عندما انتقلنا من الحكم الأحادي إلى نظام الأحزاب المتعددة، بعد الحرب العالمية الثانية، فاز »الحزب الديموقراطي« (وهو محافظ ونقدي على مشروع الجمهورية العلمانية)، وهو الذي سارع إلى ضم تركيا إلى »الناتو«، وإلى خلق روابط قوية مع الولايات المتحدة وإسرائيل«.

ومع تيميلكوران أيضاً يبلغ الحديث عنوان أسلمة القضية الفلسطينية، وما إذا كان هذا من أسباب تعاطف الإسلاميين الأتراك معها الآن: »الأتراك يرون أن الفلسطينيين ليسوا كلهم »حماس«. وفي الوقت نفسه ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أوروبيون، وهذا ما نتربى عليه، بدءاً من النظام التربوي والتعليمي، وصولاً إلى الحياة العامة ووعي المواطن العادي. نحن نتعلم أن نكون أوروبيين. ولعل الأتراك لا يريدون الدخول في فوضى قضايا المنطقة.. هل تصدقين أني أشتري كتباً عن الشرق الأوسط المعاصر من بيروت لأنها غير متوفرة بسهولة عندنا؟«.

تضيف تيميلكوران أن »التركي اليساري العلماني قد لا يستطيع تقبّل فكرة أن الكوفية الفلسطينية استبدلت بالعمامة الإسلامية. لكن الجميع تظاهر وتعاطف، وبالنسبة إليهم يكفي أن الفلسطينيين يُقتلون على أيدي الإسرائيليين، غير أنه يظل صحيحاً أيضاً أن غالبية الأتراك تتماهى مع المعطى الأخلاقي في فلسطين من باب الدين«.

وبمناسبة الكلام عن الدين، لا بد من السؤال عن إحدى أكبر التظاهرات المؤيدة لغزة في تركيا، والتي دعا إليها »حزب السعادة« (ورئيسه المحظور من العمل السياسي منذ أن اتهم قبل سنوات بالتآمر على الثورة العلمانية). فهل هذا إيذان بعودة هذا الحزب، الأكثر تشدداً إسلامياً من »العدالة والتنمية«، إلى الساحة السياسية؟

تقول تيميلكوران: إن »حزب السعادة« يدعم القضية الفلسطينية »من جهة الأخوة الإسلامية، وغزة أعادت إحياء خطابه، الأمر الذي يعتقد البعض أنه ساهم في إعلاء نبرة خطاب أردوغان، لأن »العدالة والتنمية« ينظر إلى »السعادة« كمنافس سياسي محتمل في الداخل.. إذا ما أعطي الفرصة. والحال أن لخطاب أردوغان، الذي ألهب مشاعر العرب، سياقا سياسيا تركيا داخليا أيضاً«.

تستبعد ميرت عودة »السعادة« الذي »انشق، و»العدالة والتنمية«، عن حزب إسلامي أمّ في التسعينيات. صحيح أنها كانت من أكبر التظاهرات، لكن معظم من شاركوا فيها هم الذين صوّتوا لـ»العدالة والتنمية«.

وتختم، في هذا الإطار، بكلمة عن »خوف العلمانيين« على مكانهم في تركيا اليوم: »أنا نقدية على بعض النواحي الصارمة في القوانين، وفي الدستور الذي تمخض عن الثورة العلمانية. فأنا من المدافعين مثلاً عن حرية ارتداء الحجاب، ودوافعي ليست دينية، بل من باب الحرية الشخصية. يقلق العلمانيون على موقعهم في البلد بسبب تسلّم الإسلاميين للسلطة، نعم. يحاول هؤلاء الإسلاميون طمأنتهم من وقت إلى آخر، وأن يحدثوا بالمقابل تغييرات بطيئة وتدريجية، نعم. لكني دائماً أذكّر بأننا لو لم نقم بثورة صارمة إلى هذا الحد، لما أفرز المجتمع التركي حركة إسلامية معتدلة كتلك التي على رأس السلطة اليوم«.

انشر عبر