شريط الأخبار

معضلة حماس مع الشرعية الدولية .. داود كتاب

09:01 - 23 حزيران / يناير 2009

كتب: داود كتاب*

من الطبيعي والمنطقي أن تعتبر حركة حماس قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1860 مجحفاً بحقها.  فمن الغريب أن يتوقع العالم أن أحداً من مقاتلي حماس وباقي المقاومين سيلتزم بقرار لوقف إطلاق النار لم يشملهم في نصوصه.

إلا أن المعضلة التي تواجه حماس في هذا الخصوص بالذات هو موقفها نفسه منذ سنوات من الشرعية الدولية وخاصة بعيد الانتخابات التشريعية في شباط 2006.  فمن الصعب أن يتعامل المجتمع الدولي مع جهة ترفض اللعب بالملعب الدولي دبلوماسياً وسياسياً.

إن ضريبة العمل السياسي والدبلوماسي قد تكون صعبة على أية حركة مقاومة، بما في ذلك حركة المقاومة الإسلامية، ولكنها ضرورية وضرورية جداً فيما إذا رغب أي طرف الاستفادة من الفوائد المرتبطة بالانضمام الى المجتمع الدولي.

وفي غياب الاستعداد بدفع تلك الضريبة الاجبارية تعتمد بعض حركات المقاومة على بناء تحالفات مع جهات أو حكومات قد تستطيع، في وضع معين، أن تلعب دور الوكيل والمدافع عن حقوق تلك الحركة.  ففي حرب إسرائيل على حزب الله في صيف 2006 لوحظت حنكة حزب الله من خلال توكيل رئيس مجلس النواب اللبناني، ذي الانتماء الشيعي، للعب دور المدافع والمحامي.  ورغم أن دور "نبيه بري" أحياناً لم يكن اكثر من ساعي البريد، إلا أن وجود طرف ذي مصداقية للطرفين ساعد حزب الله في التعامل مع المجتمع الدولي من دون دفع تلك الضريبة.

ولكن حماس حرقت جسورها قبيل رفض تمديد التهدئة مع كل من يمكن أن يلعب ذلك الدور.  فالطرف الأقرب والأكثر منطقية في لعب ذلك الدور – الرئيس الفلسطيني محمود عباس- لم يتم إعطاؤه أية صلاحية في  تمثيل الحركة.  ومصر، الدولة العربية الأكبر والأقرب جغرافياً لمقاتلي حماس في غزة، أيضاً تم استثناؤها بعد أن تم رفض دورها في الساعة الأخيرة قبل إجراء لقاء المصالحة الوطنية الفلسطينية في تشرين الثاني الماضي.  وبذلك جرت المفاوضات والعمل الدبلوماسي في أروقة مجلس الأمن الدولي ليس فقط بغياب حماس بل أيضاً بغياب أية جهة عربية أو إسلامية  تحظى بثقة كاملة للمقاتلين المقاومين في غزة.  ورغم أن الموقف الرسمي الفلسطيني والعربي كان متركزا على وقف العدوان، إلا أن الموضوع السياسي كان مليئا بالتفاصيل التي لم تكن حماس أو باقي فصائل المقاومة (باستثناء كتائب شهداء الأقصى المقربين من فتح) تشارك فيها.

أما على المستوى الدولي فقد نجحت اسرائيل في الاستفادة من الوقت الضائع لإدارة مؤيد اسرائيل الأميركي الأول عالمياً جورج بوش. فلماذا ، مثلا, لم يتم التفكير من قبل المقاومة بفكرة تمديد ولو لفترة قصيرة التهدئة ولغاية انتهاء تقبّع بوش على سدة الرئاسة الأمريكية.

ومما يزيد الأمر تعقيداً هو موضوع اقتراف إسرائيل جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني ونجاتها من العقاب الدولي.  وهنا أيضاً لم تستطع حماس الاستفادة من اللعبة الدولية.  فعند اتهام الإسرائيليين باقتراف جرائم حرب فـإنهم يردون على المتهِم بالقول إنهم يحاولون تجنب المدنيين.  ويقول الإسرائيليون إنهم يسقطون  المناشير التحذيرية  ويستخدمون صواريخ ذكية وفي حال ثبوت إصابة المدنيين يعبرون عن الأسف.  في حين أن الصواريخ المطلقة من غزة الى اسرائيل فهي في طبيعتها وهدفها موجهة للمدنيين الأمر الذي لا ينكره المقاتلون من حماس ولا يفكرون في الاعتذار بل يفرحون عند ورود أية إصابة للمدنيين الإسرائيليين.

وبالطبع فإن عدم قدرة حماس للرد على تلك التهم تضيّع حقيقة عدم وجود فوائد من المناشير في منطقة مغلقة ومكدسة بالمواطنين، والاهم أن اعتذار إسرائيل أيضاً لا يعيد الحياة للمدنيين الذين استشهدوا او أصيبوا؛ ومن المعروف أن استخدام إسرائيل المفرط للقوة والنتائج على الارض تثبت عدم الاكتراث من نتائج الهجمات الاسرائيلية. ولكن تبرير إسرائيل ودموعها الكاذبة تعطي إسرائيل الفرصة للادعاء للعالم أن هدفهم الرئيسي عسكري في حين أن هدف الطرف الحمساوي مدني بغض النظر عن الحقيقة المغايرة على الارض.

ولمعرفة اوسع لمعضلة حماس قد يكون من الضرورة الرجوع إلى عدة سنوات مضت والنظر إلى ما جرى فور الانتخابات الفلسطينية عام 2006.  فقد فازت قائمة التغيير والإصلاح بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، وقد كلف آنذاك الرئيس محمود عباس رئيس القائمة إسماعيل هنية بتشكيل حكومة موضحاً ضرورة تعامل الحكومة الجديدة بإيجابية بالاتفاقات الموقعة من الحكومات الفلسطينية التي سبقتها.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة "كوفي أنان قد أوضح آنذاك ما هو المطلوب من الحكومة الفلسطينية الجديدة دولياً قائلا: "إذا حولت حماس نفسها من حركة مسلحة إلى حزب سياسي يحترم قواعد اللعبة... أعتقد أنه سيتمكن المجتمع الدولي من التعامل معها".  إلا أن هذا الطلب ووجه بالرفض حيث تمسك هنية بالموقف العبثي لحركة حماس في رفض أي اتفاق لحكومة سبقتها لا يتناسب مع المصالح الوطنية.

والعبثية في ذلك الموقف تكمن في أنه يضع المجتمع الدولي في موقف صعب.  فمن المستحيل ان يقبل المجتمع التعامل مع طرف يرفض الاعتراف باتفاقات ذات طابع دولي.  وكما هو معروف مثلاً فإنه حتى في حالات الانقلابات العسكرية تكون أول قرارات أي رئيس انقلاب الإعلان رسمياً عن قبول كافة الاتفاقات المبرمة مع الحكومة التي تم الانقلاب عليها.  وبالطبع فإن ما يجري غالباً هو أن رؤساء الانقلاب يعملون على عدم التحمس في التعامل مع الاتفاقات التي لا يرتاحون لها وعلى تغيير الاتفاقات التي يستطيعون تغييرها.

يضع الوضع الحالي حركة حماس في موقع لا تحسد عليه.  فمن ناحية، ترغب وتطالب حماس بحق المجتمع الدولي التدخل لوقف العدوان على غزة وفي نفس الوقت ترفض حماس مبدئياً الاعتراف بالمعاهدات التي وقعتها السلطة الفلسطينية. فالمطلوب لحقن الدماء أن تنزل حركة حماس عن الشجرة غير المنطقية التي صعدت عليها وتقبل بقانونية الشرعية الدولية وتلتزم بها بما في ذلك قوانين الحرب.  وعندئذ سيكون من الممكن المطالبة وبقوة من المجتمع الدولي توفير الحماية المطلوبة والتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية، كما سيكون من المنطقي في ذات الوقت لنواب قائمة التغيير والاصلاح سحب الثقة بحكومة فياض وإعطاء الثقة لحكومة هنية، وعلى المجتمع الدولي آنذاك احترام إرادة الشعب الفلسطيني وحتى الدورة الجديدة من الانتخابات.

 

*صحافي فلسطيني، مدير عام راديو البلد (عمان) وموقع عمان نت وبن ميديا للإعلام التربوي (رام الله).

انشر عبر