شريط الأخبار

مستقبل الصراع بين المحور الإسلامي والمحور الإسرائيلي ..د. محمد الأحمري

09:22 - 22 حزيران / يناير 2009

ـ العصر 21/1/2009

منذ الساعات الأولى للحرب على غزة انكشف محورا الحرب، وتميز طرفان صريحان، "محور إسرائيلي" و"محور إسلامي"، فالمقاومة من حماس والجهاد والجبهة الشعبية ومن معهم من الفلسطينيين المقاومين، ومن يدعمهم كسوريا وقطر وتركيا وإيران والشعوب العربية والمسلمة مع المقاومة، يشكلون ما نسميه بـ (المحور الإسلامي)، مع وجود تنوع داخل هذا المحور من متقدم، ومؤيد، وبين من هو في المحور على وهن. والطرف الآخر الذي نسميه بـ (المحور الإسرائيلي) مكون من إسرائيل وأمريكا (بوش وإدارته) وبعض الحكومات العربية كالحكومة المصرية وسلطة تصريف الأعمال في رام الله، ومن استطاع مبارك أن يمد عليه عباءة كامب ديفيد، أو يروِّعه ويصدّر إليه حربه أو حقده على الإسلاميين، فهذه المجموعة في خندق واحد "المحور الإسرائيلي"، بعض هؤلاء كان صريح العداء للمقاومة ولما هو إسلامي، وبعضهم معتذر للإرهاب الصهيوني، وبعضهم يشتهي الولاء للصهاينة ويستحي من سكان بلاده، وبعضهم تابع لا قيمة دعائية لموقفه أعلنه أو أسره.

لقد تبين من هذه الأزمة البون الشاسع بين الحكومات والشعوب، حتى أن من يكره المقاومة ونهجها من الحكام اضطر أن يتظاهر بأنه يؤيدها، اتساقا مع الناس، أو على الأقل يلومها على تفاصيل هنا أو هناك، ولكن شدة التضحيات

والصمود العجيب أحرج المعتذرين والمصالحين، وأزعج "المحور الإسرائيلي"، فقد صمدت المقاومة اثنين وعشرين يوما، ونعلم أن الجيوش العربية وحكوماتها انهزمت في ستة أيام فقط في عام 67م، تاركة للصهاينة أضعاف ما غصبوه، ثم جاء جزء من الفلسطينيين في أول حرب خاصة بلا عون وبلا جيش وقاوم وتماسك برغم الأهوال! ولهذا فسوف يحمل عليه "المحور الإسرائيلي" ويحاربه منذ الآن حربا سياسية مستمرة لا هوادة فيها أو يسقطه، وهذا ما لا نتحدث عنه الآن.

لماذا نسميه "المحور الإسلامي" مقابل المحور الإسرائيلي؟

لأن الإسلاميين الفلسطينيين هم غالب المقاومة الآن، ولأنهم يقدمون الروح والشعارات الإسلامية، وتجلّى هذا في اللغة والمواقف، وبسبب هذه الهوية، وجدت تركيا نفسها ركنا أساسيا في "المحور الإسلامي"، بسبب بوادر استقلال تركي عن الهيمنة الأمريكية، وتأييد شعبي للحكومة، ونجاح اقتصادي وسياسي، ولأنها تشارك المقاومة الهوية الإسلامية نفسها، بعقيدتها وتعاطفت وأيدت المقاومة ولأول مرة بهذه القوة والصرامة والوضوح، (مما قد يكون له عواقبه لهم وعليهم) وتوالت المواقف التركية السياسية الموالية للفلسطينيين، وأعلنت وتعالت المظاهرات وحتى النواح والبكاء في الشوارع التركية، والتجييش والتبرع، ونعلم أن أردوغان لم يحضر مؤتمر شرم الشيخ، وحضر الرئيس عبد الله غول الذي يشكل حضوره رمزا لا قيمة تنفيذية له، ولأن هدف الاجتماع كان فرض الحصار على مستقبل غزة فترفع أن يشارك فيه، أو لأنه وقف موقفا صريحا ضد غدر اليهود به، ولأن المؤتمر محاولة لإنتاج انتصار إسرائيلي سياسي على المقاومة وإنهائها، من خلال فرض شروطهم كمنتصرين لموقف صهيوني ومسيحي غربي استعماري ومعاد للإسلام أينما كان، ومعاد لتركيا الإسلامية (فهي إلى الآن يمنع دخولها للاتحاد الأوربي لأسباب دينية) والمؤتمر عقد فجأة ربما دون تدبير مصري ولا علم.

والركن الثاني في المحور الإسلامي إيران، فالمؤتمر أيضا تجمع معادٍ لإيران من باب أولى، ويتهمها بتهريب السلاح، وهي تهمة تبدو صحيحة، نعلم أن إيران لا تنسجم مع المصالح التركية، ولكن الموقف الإسلامي والمصلحي يجمعهما هنا، وإن تفرقا بعده، ويدعوهما لشغل الفراغ السياسي في العالم العربي وفي القضايا الإسلامية التي لم يعد ينافسهما أحد فيها، فقد تخلت البلدان الأخرى عن المسألة الإسلامية. ومع أن المقاومة حاولت أن تبتعد عن إيران بسبب الموقف الغربي والعربي منها، وللإبقاء على شعبية خطابها، بعد أن استطاعت تصرفاتها السيئة في العراق ودعاية أمريكا وإسرائيل أن تروع العرب والسنة منها، وبسبب الأمل لدى الفلسطينيين أن يعطف بعض العرب من ذوي المال والإمكانات على المقاومة وإلا فإن لإيران جهد يعرفه العرب والإسرائيليون منه تدريب كوادر من حماس والجهاد، ومنه تهريب صواريخ جراد، ومنه خمسة وعشرون مليون يورو تدفعها إيران في غزة شهريا (نشر الخازن في الحياة عن هذا في بداية الحرب).

أما العرب المناصرون للمقاومة، فهم مناصرون لمقاومة إسلامية ووطنية، ولكل قناعته ورؤيته، وهم قلة مقارنة بالأتراك والإيرانيين عددا وقوة، فغلّبنا وصف "المحور الإسلامي" لا العربي، علما أن مع هذا التيار القواعد الإسلامية الواسعة في العالم كله، العربي وغيره، التي لها حضورها وأهميتها ويساندهم كثير من أحرار العالم، ومن ذوي التوجه القومي واليساري، وممن حاربوا الصهاينة من قبل، وسيفعلون من بعد، ولأسباب منها الاحتلال وبسبب الموقف المتصاعد عالميا لمواجهة الإرهاب المسيحي الغربي، كاحتلال وإبادة العراقيين والأفغان وغيرهم.

وهذا ما أنتج صوتا عاليا عالميا معاديا للتصرفات الغربية المسيحية الصهيونية في المنطقة؛ وساعد على تراجع إسرائيل دون أن تحقق رغبتها في إبادة المقاومة كما كانت ترجو، هذه في المجمل مكونات "المحور الإسلامي".

يقابل ذلك: "المحور الإسرائيلي"، وهو من نتاج كامب ديفيد وأوسلو، وقد تبين أن المصالحة مع الصهاينة ليست مصالحة بل امتلاك للحكومة والقرار، ومحاولة لتذليل الشعب حاضرا ومستقبلا لمصالحهم، ولم ينجحوا دائما، والمحور الإسرائيلي هو نتاج أيضا للحكومات الخائفة من شعوبها أو ناقصة الشرعية، تلك التي تلتمس شرعيتها من الحكومة الأمريكية، وكانت إدارة بوش، حاسمة في تعاملها مع هذه الأطراف العربية الهزيلة؛ في ربط مصيرها بمستوى قربها من الصهاينة، فكما وصف الرئيس الإرتيري أسياسي أفورقي حاله عندما قال إن الأمريكان أبلغوه أن: "الطريق للكونجرس لا بد أن يمر عبر تل أبيب" أي لتكن علاقاتك ممتازة مع الصهاينة تكن لك علاقة بنا، (وقد أشرت لقصته هذه في مقال خاص)، وهكذا خضع الخائفون العرب للقانون نفسه.

وقد تشكل هذا "المحور الإسرائيلي" بمن فيه من العرب بمؤهلات منها المعاهدات معلنة أو خفية، ومن أهم ما أهّل الحكومات العربية لأن تدخل تحت ظل أتباع كامب ديفيد أن السياسة ميتة في هذا الملحق أو الهامش من العرب، فقد حاربتها الحكومات العربية على أرضها، فآوت لبلد فيه حيوية ووضوح لمصالحه، لأنه ليس للثروة المالية ولا السكانية ولا الدينية ولا الفكرية أي أثر وقيمة دولية إن لم تنسجم الثروة مع موقف سياسي، فالسياسة في هذا الفضاء العربي الهائل طوردت، فأصبح هامشا عربيا عديم الوزن سياسيا، يمن عليه خصومه بتوجيهه، وما بقي من سياسة فقد أصبحت خفيّة، أو ضربا من الكهانة، أو هي فوق مستوى الحكومة أن تضطلع بها، كيف وقد حرمت الحكومات على الناس المشاركة في فهم أو صياغة مصيرهم، أو نصرة إخوانهم.

ومن عجائب الشعوب المتخلفة الجاهلة أن ينتشر بينها تهمة "التدخل في السياسة"، فكأنها عار فضيع أو مروق شنيع، وهما على الحالين ضرب من هوان لمن صدّق، وجريمة يمنع الناس بها من ممارسة أدنى حقوقهم كبشر، فامتلك أعداؤنا سياستنا كما امتلكوا غيرها؛ فالشعوب مطاردة وخائفة، وحكامها يخافون منها، ولهذا يلجأ ويتجه الحكام لمصدر الشرعية الجديد والقوة السياسية الفاعلة شخصيا وشعبيا في "تل أبيب" يلجأ لهم الحكام العرب مخولين لأنفسهم تقديم ما تريد الصهيونية منهم والذي تبقى بأيديهم قوة جاسوسية داخلية مدمرة للذات، تخدم سادتهم ثم تخدمهم تبعا في تعبّيد الشعوب لليهود، وهذا ما سيكتمل مشهده في المستقبل القريب، حيث للأسف، وهنا لا تجد الشعوب المقهورة إلا الشكوى الخفية، أو الجريئة نادرا، أو تتسلى بعادة النصيحة السرية، أو تلجأ أخيرا لدعاء القنوت إن أبيح لها!

ولعل ما أبرز قوى "المحور الإسرائيلي" هو صعود الإعلام الإسرائيلي ونشر قناعاته، والتأليب لها، وتقديم عدد من ذوي الفجاجة والوقاحة والشتيمة، رموزا لهذا الموقف والتيار، فبسبب الوهن والعجز والخوف الحكومي الشديد من الناس تجردت هذه الحكومات من القوة الذاتية، ولم تستطع حتى صياغة صوت أو موقف فكري أو إعلامي خارج كونها صدى للرؤية الإسرائيلية ولإعلامها الأمريكي فترجمته بالعربي، وأي متابع للإعلام العربي الرسمي يجد أنه قبل سنوات كان ذا مسحة عربية وإسلامية أو وطنية، وانه اليوم يترجم فقط وأحيانا يترجمون له الرؤية الصهيونية بل إن بعضهم يوهم أنها رؤيته، فهم لا يتمتعون حتى بأمانة النقل عن مصادرهم، ولا يميزون بين مصالح ورغبات وأفكار موجهيهم ومصالح الضحايا، أو ثمنها! (قارن عناوين مجلة نيوزويك العربي ـ 20 يناير 2009، كمقال زكريا ص 4، ومقابلة ليفني ص 50 ـ بعناوين ومقالات في صحف عربية صدرت في الفترة ذاتها، وبكلام بعض الوزراء).

إن "المحور الإسرائيلي" من العرب وبعض الفلسطينيين لن يدعم غزة إلا إذا هي خضعت للصهاينة وتم تسليم السلطة لعباس ولمنظمة التحرير لأن السلطة، ملتزمة بمعاهدة سلام مع الصهاينة، وإنهاء المقاومة، وقد تجلى أثر السلطة في حال سكان رام الله، الذين خضعوا هذه السنوات الأخيرة لقبضة بوليسية ومسلحة صهيونيا، واستسلمت الضفة لهذه الشرطة التي تدربت في الأردن لقمع أي خارج على إسرائيل، تطلق عليه النار قبل الصهاينة، وتحرم الترويج لعدائهم وتحارب من لديه أي فكرة تتجه للمقاومة أو مناصرتها، وهدمت كل بنية للمجتمع المدني أو المنظمات العسكرية أو الحزبية ممن يمكن أن يساهم في المقاومة بما في ذلك مطاردة الإسلاميين وشرفاء فتح.

وعلى الطرف الآخر، يستعد دحلان في القاهرة ومعه خمس مائة عنصر من أعداء المقاومة ومن أنصار "المحور الإسرائيلي" للانقلاب على الحكومة المنتخبة في غزة، وللاستيلاء عليها بدعم إسرائيلي وبأجهزة واتفاقيات مبارك.

والآن تحاول الحكومات العربية من قبل ومن بعد أن تعيد سلطة عباس ودحلان إلى غزة على أشلاء المقاومة ومع الوافدين المال والدعم العربي والإسرائيلي، وينتظرهم في غزة جوعى في العراء، وجرحى ومقهورون وسيتاجر المحور الإسرائيلي بالجراح، ويعدهم بأن الاستقرار والثروة والبناء والأمن سنجلبه لكم إن أنتم خضعتم لعباس ولأمثاله وكنتم مثلنا، ويهيج لهذا إعلام التطبيع الذي يأخذ توجيهه من تل أبيب، فهي حرب غير متكافئة، عندما يراهن المحور الإسرائيلي على تنفير سكان غزة من فكرة المقاومة وحكومتها، ويبشرون اليهود بان سيقدمون لها غزة على طبق ثروة وسياسة تتظاهر أنها عربية، أو من خلال أمل في وحدة قادمة يسود فيها "المحور الإسرائيلي"، بقيادة القادمين المستثمرين للمذبحة من القاهرة ومن رام الله.

لا يمكن مقارنة ثروة ونفوذ "المحور الإسلامي" بثروة ونفوذ "المحور الإسرائيلي" اليوم، ولا يمكن اختزال الموقف إلى أن: "الصلاة وراء علي أتمّ، والمائدة عند معاوية أدسم"، فليس موقفا عارضا، بل بداية لتحد ومنعطف جديد بعيد المدى، تحد قد يستغرق عقودا أو أكثر، وهي محنة للأشخاص والأفكار فوق أنها ظهرت محنة للحكومات، ومنبع نزاع سيكون في المستقبل أكبر مما يخطر على البال، فقد كان قبل قرن موقفا إسلاميا زمن الخلافة، ضد يهود أوروبيين ومستعمرين، ثم أصبح عربيا، ثم تقلص ليكون فلسطينيا، ثم موقفا لقسم من الفلسطينيين بعد قرن، ولكنه اليوم يتجه اتجاها أعظم، وأبعد مما كان، ولن يختزله مراقب جاد إلى عرب معتذرين وعرب ممانعين، لقد أصبح وقودا أو مبعثا لحرب إسلامية مسيحية، فمؤتمر شرم الشيخ لا تخطئه عين بصيرة، فقد أعلن بلا وعي عن جبهة دينية مسيحية، أو استعمارية، أو صهيونية يهودية، تستخدم الناتو والإرهاب ذرائع لصدام الأديان.

وسوف يكون في المستقبل تجديدا لحرب استعمارية مع الأحرار أهل الأرض، في زمن عاد فيه المسلمون للميدان مكرهين ومستفزين، وإن تكن عند قوم اليوم عواطف أو شعارات، فسيكون لها حقيقة غدا، وستصبح المقاومة موقفا شعبيا، وربما ضد حكومات قد تركع لشعوبها وللحق مهما تخيلت أنها غيبته أو أبعدته، وستغير حكومات وشعوب مواقعها بين المحورين، ولن تكون القومية عقيدة المستقبل، بل الدين، وقد كانت إيران وتركيا من أعمدة "المحور الإسرائيلي" مقابل "المحور العربي"، ثم تغيرت الأمور، لمحاور دينية، وستهتز مواقف أكثر، لصالح أي المحورين الجديدين، ولأن الصلف الصهيوني والنزعة المسيحية الاستعمارية المتعالية أقوى وقود، فلا تسمح حتى لعقلائهم بدور فيما نرى، وربما التقطوا الإشارات سريعا من وضوح المحورين، وجرأة محورهم العربي، ولكن قد بعُد من كان قريبا، وسيتوحد ضدهم آخرون كانوا يتخيلونهم في الركاب.


انشر عبر