شريط الأخبار

د. أنور أبو طه: قدرات المقاومة تصنع بخبرات مجاهديها ولن تتأثر رغم الحصار والتخويف‏

11:32 - 22 تموز / يناير 2009

فلسطين اليوم - غزة

نشأت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، وقد ساهمت عدة معطيات قطرية وإقليمية في صياغة طروحات الجهاد التأسيسية والتي تصدرتها الرؤية الثورية للحركة، ودعوتها لضرورة أن تعود الحركة الإسلامية إلى وصل ما انقطع من مسيرتها الجهادية في الساحة الفلسطينية.. انخرطت الجهاد في فعاليات الانتفاضة ونشاطات الفعل المقاوم، ورفضت الانخراط في العملية السياسية؛ إذ ظلت الجهاد تنظر إلى السلطة باعتبارها أداة تم استحداثها حتى تخدم في المآل النهائي الأهداف الإسرائيلية؛ وفي مقدمتها تحصيل الأمن الذي تعجز الآلة العسكرية الصهيونية عن توفيره وتدفع لقاءه كلفة باهظة على كافة الصّعد.

حاولت الجهاد دوماً أن تقف على مسافة متساوية من القوى الفلسطينية، وألا تبدي انحيازا لطرف على آخر، إلا أن العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة وما خلفه من تداعيات يشير إلى إرهاصات تحول نوعي في رسم علاقات الحركة داخل الساحة الفلسطينية؛ فقد أعلن الأمين العام للحركة د.رمضان عبد الله شلّح اعتراف الجهاد الإسلامي بحكومة حماس في غزة حكومة شرعية منتخبة، ووصفها بالحكومة النظيفة المقاومة؛ مما يشير إلى أن العلاقة بين الحركتين تنحو باتجاه صوغ علاقة شراكة إستراتيجية.

حول رؤى حركات الجهاد الإسلامي وتفاصيل مشروعها، وشبكة علاقاتها، والأفق المستقبلي الذي تستشرفه جاء هذا الحوار مع د.أنور أبو طه عضو القيادة السياسية لحركة الجهاد الإسلامي بفلسطين.

 

الجهاد وقوة المقاومة

* كيف ترى واقع ومستقبل المقاومة بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؟ وما تقديراتكم لقوة المقاومة بعد وقف العدوان؟ وهل نال العدوان منها بالفعل؟

ـ لقد ظهرت حقيقة المقاومة في ظل الحرب كما لم تظهر في أي وقت مضى؛ فالمحن تظهر حقيقة الأشياء، لقد ظهرت المقاومة أكثر قوة، وصلابة، ومظلومية، وأن المقاومين كانوا يعدّون عدّتهم لمواجهة الاحتلال ولم يكونوا يقبلون التهدئة عن ضعف، وقد تفاجأ العدو بقوة المقاومة، سواء من جهة ما تملك من سلاح، أو ما تملك من مهارة وأساليب وتكتيكات قتالية، وقد وقع المحتل في فشل استخباراتي كبير، كل ذلك في وسط الحصار المفروض على قطاع غزة، وهذا لا يدفعنا إلى تضخيم المقاومة باعتبارها جيشا نظاميا، بل برغم تلك الإمكانيات تبقى مقاومة مظلومة، تحتاج الدعم والمؤازرة من كل مسلم وعربي وحر.

وبالرغم من جسامة التضحيات التي قدمتها المقاومة (ولا نقول الخسائر) فإن بنيتها وقدراتها القتالية بقيت فاعلة حتى صباح اليوم الثالث والعشرين الذي أعلن الاحتلال فيه وقف عدوانه؛ إذ قامت بإطلاق الصواريخ على المغتصبات الصهيونية.

يبقى أن أشير إلى أن الجزء الكبير من قدرات المقاومة هي قدرات شعبية محلية تصنع بخبرات المجاهدين وجهدهم، وهي خبرات تتطور باستمرار، ولذلك لن يفت في عضدها وإرادتها حصار أو تخويف.

 

*ما مدى التنسيق بينكم وبين حركة حماس، سواء على المستوى الميداني أو المواقف السياسية؟ أحيانا نلحظ تضاربا في المواقف والتصريحات الإعلامية، فهل يعكس ذلك خلافات بين حماس والجهاد؟ وهل يمكن أن يؤدى التباين في وجهات النظر بينكم وبين حماس إلى افتراق على مستوى القرارات؟.

ـ التنسيق بيننا وبين الإخوة في حماس تنسيق جيد جدا، قوامه ميدانيا التصدي للعدوان الإسرائيلي الغادر على غزة بكل السبل، وسياسيا منع الاستفراد بأي طرف من أطراف المقاومة؛ للحيلولة دون تحقيق الهدف الصهيوني في إملاء شروطه، وتحقيق أهدافه من العدوان، وهذا التنسيق الميداني والسياسي لا يعني بالضرورة التطابق في كل التفاصيل، كما لا يستدعي أي افتراق في المواقف السياسية التي تحمي المقاومة وثوابت شعبنا وحقوقه، وخاصة أننا نخوض هذه المعركة التي تستهدف رءوسنا جميعا وفوق ذلك حاضرنا ومستقبلنا.

 

الشراكة بين حماس والجهاد

*عاب البعض أحيانا على حركة الجهاد الإسلامي ابتعادها في المواقف السياسية عن حركة حماس التي ترتبط بها بقرابة أيديولوجية، في حين كانت الحركة تبدو أكثر قربا من بعض القوى السياسية التي تتبنى طرحا أيديولوجيا مغايراً.. فما تفسيركم لهذا، ولماذا بشكل عام لا يساهم ما بين الإسلاميين من قرابة معرفية في تدشين علاقة وطيدة وشراكة إستراتيجية بينهم؟

ـ أولاً أود أن أشير إلى عدم صوابية الحكم الوارد في السؤال من أن علاقتنا ببعض القوى السياسية أقرب من العلاقة بالشقيقة حماس؛ لأننا على المستويين السياسي والأيديولوجي الأقرب إلى حماس، فكلا الحركتين تنبعثان من مشكاة الإسلام الواحد؛ عقيدة وشريعة ونظام حياة، ومن حاضنة الحركة الإسلامية ذات المنهج الوسطي الشاهد، ومن المنطلق الوطني المشترك في واجب الجهاد والمقاومة لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، وسياسياً لا يخفى وحدة الموقف من مسيرة «السلام»، وعدم الاعتراف بالكيان الغاصب وقضايا سياسية عديدة، ووفق هذه الأسس هناك شراكة إستراتيجية بين الحركتين على أكثر من صعيد.

ولكن هذه الشراكة الإستراتيجية لا توجب وحدة الاجتهاد داخل الفكر الإسلامي، كما لا تفرض انتفاء أي خلاف أو تباين في الرأي في قضايا فكرية ومنهجية، وسياسيا: لا تعني بالضرورة التطابق التام في جميع المواقف السياسية الخاصة بسبل إدارة الصراع، أو السياسات المتخذة تجاه سلطة أوسلو ومؤسساتها، أو تكتيكات العمل الجهادي، وقضايا ليس المقام اليوم مقام الخوض فيها في ظل هذا العدوان المتصاعد الذي يستهدف المقاومة في مشروعيتها ووجودها، وقد حافظنا دائما في الجهاد الإسلامي أن لا يبرز أي خلاف في الميدان بما قد يؤثر على قوة المجموع المقاوم، وبالرغم من اجتهادنا المخالف في بعض القضايا السياسية (كدخول المجلس التشريعي) فإننا انحزنا دائما لصف المقاومة وبرنامجها، ولم نلتفت لأي مصلحة حزبية أو تنظيمية خاصة.

 

*ثمة من يرى أن طبيعة طرح حركة الجهاد للفكرة الإسلامية في إدارة الصراع تفقد القضية الفلسطينية ممكنات التفهم الكافية على صعيد الرأي العام العالمي.. فما ردكم؟

ـ مرجعيتنا في تحديد مواقفنا ورؤانا للصراع تنطلق من المرجعية الإسلامية، وهي مرجعية فوق كونها ربانية المصدر فإنها إنسانية التوجه، غايتها الله، وهدفها صلاح الإنسانية في الدنيا والفلاح في الآخرة، والصراع الذي نخوضه في فلسطين صراع ضد الظلم والشر والغطرسة الصهيونية، ضد قيم الباطل والفساد في فلسطين التي يجسدها الكيان الإسرائيلي الغاصب، وعليه فنحن حركة تحرّر ومقاومة ضد احتلال غير مشروع بكل المقاييس ووفق كل الأعراف والقوانين الإنسانية، وإن كان هناك من طرف لا يتفهم هذا التوجّه وهذه المقاومة فسببه ليس أفكارنا المحقة، بل انحياز هذه الأطراف لقوى الظلم والعدوان والبغي، وتحالف المصالح القائم بينها وبين دولة العلو والإفساد في وطننا المغتصب.

 

حضور المقاومة

*برأيكم هل ستؤثر نتائج الحرب على حضور الإسلاميين في الساحة الفلسطينية على الصعيد الإستراتيجي والمدى المتوسط والطويل أم أن العكس هو المتوقع؟

ـ الإجابة على هذا السؤال تقع في صلب ما أكده وأفرزه العدوان على غزة، وما لقيه من صمود للمقاومة، وإخلاصها لرسالتها الربانية في الدفاع المبارك عن فلسطين والقدس من حقائق ودلالات منها:

أنه أحيا دور الجماهير في تغيير السياسات الظالمة، سواء في بلدانها أو خارجها، ومنحت الشعوب فرصة التعبير عن مواقفها، وأكدت جاهزية جماهير الأمة في الدفاع عن قضاياها المصيرية، كما أعاد القضية الفلسطينية إلى الوعي العربي الإسلامي باعتبارها قضية العرب والمسلمين المركزية، وفي المقابل عززت من وضعية إسرائيل باعتبارها العدو المركزي للأمة والذي يمنع سبل النهوض والتحرر في المنطقة بتحالفه مع أنظمة غير شرعية، ومنح المقاومة وقواها المكانة الكبيرة، سواء على خارطة الشعور الإسلامي أو معادلة القوة في السياسات الإقليمية والدولية.. كل ذلك يرسم أفقا جديدا لمرحلة جديدة عمادها حضور الأمة وقواها المقاومة في صناعة تاريخها الخاص ومستقبلها المنشود في الحرية والاستقلال دون تبعية أو استلاب.

 

الجهاد وفصائل المقاومة

*إذا انتقلنا إلى العلاقة بين حركة الجهاد وبين بقية الفصائل الفلسطينية المقاومة، ما مستوى التنسيق بين الجهاد وباقي فصائل المقاومة الأخرى؟ وهل يتم التنسيق مع جميع الفصائل أم مع الفصائل ذات التوجه الإسلامي فقط؟

ـ التنسيق له مستويان: المستوى السياسي والمستوى الميداني، وهناك محددات تحكم التنسيق في كلا المستويين، وهي: الإسلام، والمقاومة، وفلسطين، ولا شك أن العلاقة مع حركات العمل الإسلامي أوثق عرى من أي حركة أخرى لا تتبنى الإسلام منهجا للتحرير، وأما تبني خيار الجهاد والمقاومة فهو محدد أساسي في إيجاد برامج العمل المشتركة الميدانية في التصدي للاحتلال، وفي تبادل الخبرات، وفي العمل العسكري المشترك، وكذلك تتحدد درجة البعد والقرب والتنسيق من عدمه في ضوء المواقف السياسية المتمثلة في التمسك بالثوابت والحقوق الفلسطينية.

وفي كل الأحوال نحن حريصون على التنسيق والعمل المشترك مع كل القوى الفلسطينية خدمة للصالح الوطني العام بغض النظر عن درجة التنسيق المتاحة مع هذا الفصيل أو ذاك؛ لأن من واجبنا أن نقاوم وهم الافتراق بين الوطني والديني، أو الإسلامي والقومي، الذي عملت عليه قوى الاستعمار والتغريب في المنطقة خدمة لمخططاتها في زرع الشقاق، والحيلولة دون وحدة الأمة وقواها المقاومة، ولأن التنسيق العملي والمباشر هو السبيل إلى تقريب وجهات النظر، والسبيل إلى مقاومة عدو لا يفرق بين عربي وعربي، أو مسلم ومسلم، أو فلسطيني وآخر.

 

* كانت حركة الجهاد الاستثناء الوحيد من فصائل المقاومة الفلسطينية التي لم تنخرط في العملية السياسية.. الآن وبعد فشل الحلول السياسية وشن حرب إبادة إسرائيلية ضد القطاع.. هل يؤكد ذلك صحة موقف الجهاد الإسلامي لبرنامج ومشروع المقاومة؟

ـ حركة الجهاد طرف أساسي في العمل السياسي الفلسطيني، والنظام السياسي الفلسطيني، أما إن قصدتم بالعملية السياسية الانخراط في مؤسسات أوسلو ودخول المجلس التشريعي فنعم لقد كان لحركة الجهاد اجتهادها الخاص ورفضت دخول المؤسسة التشريعية أو التنفيذية لسلطة الحكم الإداري المحدود، وهو نفس الموقف الذي اتخذته حركة حماس في البداية، وموقفنا كان قائما على أبعاد عديدة أساسها أن السلطة صممت من قبل الاحتلال لأهداف محددة أهمها حماية الأمن الإسرائيلي وليس لتحصيل الحقوق الفلسطينية أو الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وأن النظام الإقليمي العربي والدولي الأوروأمريكي لن يسمح ـ في ظل موازين القوى الراهنة ـ لقوى المقاومة تحت أي ذريعة ديمقراطية أو خلافها بالسيطرة على مؤسسات السلطة، وأن حركات المقاومة ستحارب بكل قوة وعن قوس واحدة من تيار أوسلو وإسرائيل وظهيرهما، وستغرق في صراعات جانبية ستلحق الضرر البالغ بالمقاومة، واعتبارات أخرى عديدة، وهو اجتهاد نحسب أنه صائب، ولم نبتغ من ورائه إلا المصلحة الإستراتيجية لقضيتنا الوطنية، والحفاظ على نهج المقاومة وقواه.

 

السلطة والفصائل وحماس

*في ظل الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية بين السلطة بقيادة أبو مازن وحماس باعتبارها حركة إسلامية، ما هو الحل للخروج من هذه الأزمة الراهنة؛ وذلك في سبيل توحيد الصف ومواجهة العدو الإسرائيلي؟

 

ـ الحل في الاجتماع الفلسطيني على ميثاق موحد يؤكد جميع الحقوق والثوابت الفلسطينية، والعودة عن الميثاق الوطني الذي تم تعديله لصالح الاعتراف بإسرائيل، والتوافق على برنامج عمل سياسي قوامه إدارة الشأن الفلسطيني الداخلي في فلسطين وخارجها؛ حيث يوجد فلسطينيون دون الارتباط أو الارتهان للاحتلال، بمعنى فك الارتباط الذي كرسته سلطة أوسلو بين الأمن الإسرائيلي والأمن الفلسطيني بحيث أصبح أمننا تابعا لأمن الاحتلال، وبرنامج يحمي المقاومة ويعزز قدراتها.

على أن يتم بناء مؤسسة الإجماع الوطني الفلسطيني، سواء تم تأسيسها من جديد أو إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس الميثاق والبرنامج الجديدين، ووفق قواعد تمثيلية حقيقية بعيدا عن المحاصصة الحزبية لتتمثل فيها جميع الحركات والهيئات والمؤسسات الفلسطينية داخل وخارج فلسطين.

وما من سبيل إلى ذلك الحل إلا بالحوار الفلسطيني الداخلي والمسئول الذي يضع هدف تحرير فلسطين واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني على رأس أولوياته، والاحتكام في كل الأحوال عند كل عقبة أو خلاف إلى الثوابت الوطنية التي تم التوافق عليها وإلى الشعب الفلسطيني.

 

*بعد أن توقف العدوان الإسرائيلي، وتم فتح المجال للطرق والحلول السياسية، والدخول في مفاوضات مرة أخرى.. ماذا سيكون موقف الجهاد، هل ستغيرون إستراتيجيتكم، أم ستظل حركة الجهاد على مواقفها السابقة؟

ـ عزز العدوان الصهيوني على قطاع غزة قناعتنا أن زوال هذا الكيان بات قريبا، ورسم لنا أفقا عريضا من الأمل بزوال دولة العدو والإفساد الإسرائيلي، بل وأظهر الاحتلال على صورته الحقيقية عاريا من أي تجميل ككيان عنصري دموي لا يعرف أي معنى للقيم، وعلى مرأى ومشهد من العالم دولا وشعوبا، وأضعف ـ ولا شك ـ أنصاره وحلفاءه ودعاة وهم السلام معه، بل دشّن مرحلة جديدة من المقاومة لا مرحلة لمشاريع السلام الموهوم، وكرس مشروعية المقاومة ومظلوميتها على مستوى العالمين العربي والإسلامي، بل والعالم أجمع، وباتت المقاومة ـ التي كانت تحاصر في الأمس القريب ـ مدعومة من كل الشعوب بل وبعض الأنظمة التي لم يترك لها العدوان الصهيوني سبيلاً للسلام مع طبيعته العدوانية العنصرية الإجرامية.

 

التهدئة موقف تكتيكي

تنسيق ميداني بين سرايا القدس وغيرها من الفصائل

*فيما يتعلق بتجربة التهدئة.. كيف تنظرون إلى قضية التهدئة مع إسرائيل خاصة أنها تطرح الآن؟ هل يمكن أن تقبل الجهاد بتهدئة مرة أخرى على غرار التهدئة السابقة؟

ـ ننظر إلى مسألة التهدئة المرحلية (المحددة زمنيا) مع الاحتلال كموقف تكتيكي تقتضيه المصلحة الفلسطينية في بعض الظروف لمنع العدوان، والتخفيف من حصار شعبنا ومقاومتنا، وبما يسمح باستعادة قوانا وتنظيم صفوفنا، فالصراع مع الاحتلال يمر بجولات عديدة، وتتراكم فيه نضالاتنا مرحلة بعد أخرى وصولا إلى التحرير الكامل، ومعلوم أن شعبنا يخوض منذ قرن من الزمن صراعا ضد الاحتلال، وما يزال.

وموقفنا واضح؛ إذ لا نقدم تهدئة مجانية، ولا تهدئة دائمة تؤمن أمن الاحتلال وتصادر حق المقاومة المشروع، أو حق الأجيال القادمة في تحرير وطنها، أو تفرض عليها الاستسلام للغصب الصهيوني لفلسطين.

ومن هذا المنطلق كانت لنا بعض التحفظات على المبادرة المصرية التي قدمت إثر العدوان على غزة؛ إذ اعتبرنا بعض بنودها غير كاف، وبعضها يحتاج إلى تفصيل زمني وآليات للتنفيذ، وضمانات كي لا تبقى المبادرة في التفسير أو التطبيق بيد الاحتلال، ورفضنا وجود قوات دولية تأتي لقطاع غزة لتحمي الاحتلال وتسهر على أمنه، بدلاً من حماية المحتلة أرضه والمعرض للعدوان، كما رفضنا التهدئة طويلة الأمد التي تمتد لـ15 سنة، والتي حاول الاحتلال من خلالها فرض شروطه على المقاومة تحت إطلاق النار، محاولا تحقيق إنجاز سياسي بعدما فشل في تحقيق أي إنجاز عسكري أو أمني طوال عدوانه الجبان.

 

الجهاد وعلاقتها مع إيران

*يتردد أن حركة الجهاد مرتبطة بإيران أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة، وأنها تتلقى الدعم المالي من خلالها، مما يجعل إيران توجه بوصلة الحركة أنى شاءت، ألا يضر ذلك بالحركة ويشوه صورتها كحركة مقاومة؛ خاصة في ظل الموقف الرافض للنفوذ الإيراني من قبل جميع الدول العربية؟ وما رأيكم بمن يتهم حركة الجهاد بأن لديها ميولاً شيعية؟

ـ السؤال يبني نتيجة على مقدمة خاطئة؛ فحركة الجهاد الإسلامي هي حركة تحرّر إسلامية فلسطينية مستقلة، هدفها تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، وليس لها أجندة خارج هذا الهدف المركزي، وهي إذ تطلب الدعم والتأييد للقضية التي تعتبرها مركزية لعموم العرب والمسلمين ببرهان القرآن والتاريخ والواقع، إنما تطلب الدعم لقضية لها في كل عنق مسلم واجب وعهد، فالجهاد لأجل تحريرها واجب على كل مسلم مادامت الكفاية غير متحققة في أهل فلسطين ومن جاورها، وعليه فالسياق الطبيعي أن تنهض كل الأنظمة والشعوب والحركات والأحزاب والمنظمات للعمل لتحرير فلسطين، وأن تكون أجندة الجميع في خدمة هذه القضية المقدسة والمباركة وليس العكس، أي لا تكون حركات المقاومة الفلسطينية في خدمة أجندة غير الهدف المركزي لها، وهذا هو حدود وعي حركة الجهاد في علاقتها بكل الدول والشعوب والأفراد والهيئات.

ثم إن وضع حركات المقاومة الفلسطينية في إطار التنازع والنفوذ بين خطين وتيارين في العالم العربي هو مخطط صهيوني يريد أن يخرج القضية الفلسطينية والمقاومة فيها عن كونها قضية حق تاريخي مسلوب ومصادر من دولة احتلال، إلى قضية صراع نفوذ لهذا الطرف أو ذاك؛ لتصبح مشكلة المقاومة لدى بعض القوى الإقليمية والدولية محصورة في أنها امتداد لنفوذ إيراني أو سوري، وليس مقاومة مشروعة لمحتل، ويصبح القيام بواجب دعمها الشرعي والإنساني ليس إلا تهريبا للسلاح، ومواجهتها مواجهة للنفوذ الإيراني أو السوري، وليس خدمة للاحتلال ودفاعا عن أمنه ومصالحه، وهو الموقف الذي قام به تيار أوسلو السلطوي عندما يتهم حماس بأنه فصيل إيراني، أو عندما يهتف في بعض المسيرات "شيعة.. شيعة" في مسعى لحصار حماس وحركات المقاومة.

والغريب أن يتناسى البعض الأرض التي يقف عليها هذا التيار من مروجي الأكاذيب، وهي أرض الأعداء، وينفذ أجندة أمريكية وإسرائيلية لفرض حل يفرّط بالحقوق الفلسطينية، ويرسم الطريق لمشروع شرق أوسطي نواته إسرائيل، والمضحك أنه تيار ينعت «بالاعتدال»، و«الوطنية»، في حين تتهم حركتا حماس والجهاد بالعمل لأجندة خارجية، يفاخر بتلقيه الدعم المالي من واشنطن والدول المانحة، في حين يرى الدعم المالي من بعض الدول والشعوب المسلمة للمقاومة تدخلا في الشأن الفلسطيني وعملا لأجندة خارجية.

إن حركة الجهاد الإسلامي هي حركة إسلامية تنتمي إلى جماعة أهل السنة والجماعة، ولا تقبل أن تصنف على محاور تحرفها عن هدفها، ولا ترى تلك الدعاوى إلا للنيل من مقاومتها وفرض حصار عليها خدمة للاحتلال ومن وراءه، ونقول وبكل شجاعة إن وقوف إيران اليوم وسوريا وقطر والسودان وغيرها من الدول التي اجتمعت في الدوحة وأدانت العدوان على غزة، وأكدت حق المقاومة المشروع في مقاومة الاحتلال والتصدي لقواته، وافتتحت صندوقاً مالياً لدعم المقاومة وصمود أهلنا في غزة هو مثار فخر للمقاومة، وعنوان على ما حققته من حضور عربي وإسلامي، وحركات المقاومة اليوم تطلب من الجميع أن ينهض بواجبه في دعم المقاومة بكل سبل الدعم وصوره؛ لأنها مقاومة تمثل الجميع في الدفاع عن الإسلام وفلسطين وأمن كل عواصم الأمة، ومستقبلها في التحرّر والاستقلال والتنمية.

انشر عبر