شريط الأخبار

ليلة "المقّوسي".. "دمٌ" و"نار".. و"شهيدةٌ" تنقِذُ "حيّاً"!

08:23 - 22 تشرين أول / يناير 2009

فلسطين اليوم - وكالات

مع إعلان ليلة الخامس عشر من يناير الجاري "انقضائها".. قرَرَتْ الكهرباء زيارة المنطقة التي أقيمُ فيها بعد انقطاعٍ دام أكثر من أسبوع.. كانت الفرصة مواتية و"الجميع نيام" لمتابعة نشرةٍ إخباريةٍ مفصّلة تضعني في صورة آخر أخبار "التوغل"... أو عفواً "التغوّل" الإسرائيلي في قطاع غزة.. ولم أكن أعلم حينها أنني قاب قوسين أو أدنى من متابعة "تراجيديا" جديدة على مسرح "الموت" هنا.. "تراجيديا" انقلبت فيها أعراف "التصوير التلفزيوني" فصار المنتج المنفّذ لمَشَاهِد "الدمِ" يأخذ.. و"البطل" الذي ينزف دماً.. هو من "يُعطي".. بل يُعطي "بسخاء"!..

 

كانت نوافذ "أبراج المقوسي" شمال قطاع غزة تنفث ناراً.. و"الهدف".. رجال الدفاع المدني الذين هبّوا لإخلاء المكان بعد تنسيقٍ تم بين الصليب الأحمر وجيش الاحتلال نتيجةَ نداءات استغاثة أطلقها أهالي الأبراج بغية إنقاذهم..

 

المشهد مرّ كما غيره "من مشاهد الهمجية الإسرائيلية".. لكنه بقي لصيق ذاكرتي بكل الوجوه التي حاكت تفاصيله بخيوطٍ من "دمٍ.. ونار"!!

 

مرّ يومان.. وحان الوقت لجولةٍ "تطوعية" "بغية المساعدة لا أكثر" في مجمع دار الشفاء بغزة المدينة.. وكانت الصدفة التي جمعتني به.. إنه حقاً هو.. منقذٌ من الدفاع المدني رأيته يزحف "مدمىً" في المشهد أعلاه.. لقد ظننته "شهيداً" لا محالة.. فالدم الذي كان يغطي رأسه وظهره وساقيه.. كان كفيلاً حتى يصل بي إلى هذا الظن..

 

اقتربت من سريره في إحدى غرف قسم العظام.. وقررت الحديث وإياه.. وكانت المفاجأة..

 

من أنقذ حياته كانت "شهيدةً" لفظت أنفاسها الأخيرة قبل وصول الطاقم إلى المكان، كان يحملها على ظهره أملاً في نقلها إلى المشفى ليتم وضعها في ثلاجة الشهداء.. فتلقت عنه قذيفةً إسرائيلية مباشرة أصابت الشقة فدمرتها.. وما الدم الذي رأيتُه يغطي جسده –على التلفاز- إلا دم "الشهيدة" التي أبت إلا أن تقدم له شكراً "خاااصاً" أحالها إلى أشلاء وأنقذه من موتٍ كان محققاً.. التفاصيل تتبع:

 

تحركٌ "مضمون"

 

حسام الخولي (29 عاماً) الذي تسبب الحادث ببتر ساقه اليمنى "أعلى الركبة" ابتلع آخر قطرات "اللبن" في كوبٍ ناولته إياه أخته، روى بصوتٍ متحشرجٍ ما جرى.. ففي السادسة والنصف تقريباً من تلك الليلة تلقى جهاز الدفاع المدني على رقمه المجاني (102) اتصالاً من عائلة تقطن أبراج المقوسي (القريبة من حي الشيخ رضوان)، ناشدت فيه الطواقم بالتوجه إلى هناك لإطفاء الحرائق التي اندلعت في أكثر من طابق.. وإخلاء الجرحى والشهداء الذين "وعلى حد وصف المتصلين" كانت أشلاؤهم تملأ المكان..

 

الدفاع المدني تمنّع بداية الأمر "فالمنطقة خطيرة، ومحاولاتهم كلها للاقتراب من المكان باءت بفشلٍ ذريع نتيجة استهدافهم أكثر من مرة في المنطقة ذاتها من قبل الطائرات المقاتلة الإسرائيلية"..

 

كان الحل وقتها انتظار الصليب الأحمر الدولي حتى يُتمّ تنسيقه مع الجيش كي يسمح بدخول الطاقم وإنقاذ من تبقى هناك.. وحانت لحظة الفرج.. فالصليب أعطاهم الضوء الأخضر "بعد أن أنهى إجراءات التنسيق"..  وانطلقوا..

 

أنين الشهادة

 

يسرد الخولي تفاصيل ماحدث ويقول :"تم تزويد الطاقم بفريق إسعاف، وآخر للإطفاء، وثالث يشمل مجموعةً من المنقذين، وكنت أنا بينهم، وبالفعل عندما وصلنا، تيقنّا أن المناشدات  التي انطلقت من هناك، والقصص التي أخبرونا بها عن الضحايا لم يكن مبالغاً فيها البتة"، متابعاً :"بدأنا نطرق أبواب الشقق الواحد تلو الآخر ونطالب السكان بالإخلاء بضمانٍ التنسيق.. وبالفعل بدأ السكان يتدافعون على السلالم.. آباءٌ وأمهاتٌ وأطفالٌ بدا عليهم الذعر.. وتابعنا نحن عملنا في إخلاء المصابين وإطفاء الحرائق"..

 

في الطابق رقم (11) سمع الخولي صوتاً خافتاً يئن.. كان "كهلاً" يحاول فتح الباب "زاحفاً" "متأوّهاً" وقد تخضب وجهه باللون الأحمر.. ما لبث أن رأى حسام حتى بدأ يصرخ "أنقذنا يا ولدي.. لي أولاد في الشقة لا تزال فيهم الروح.. أرجوك يا ولدي"..

 

الخولي واثنان من زملائه دخلوا شقة "الكهل" التي أصابتها ثلاث قذائف فأردت من فيها بين شهيدٍ وجريح.. أجروا بعض الإسعافات الأولية لمن بقي حياً.. وبدأوا بإخلاء من استشهد..

 

وكانت امرأةٌ مسنة (وهي زوجة الكهل) ترقد مسندةً رأسها إلى الجدار.. اقترب منها الخولي داعياً الله أن تكون على قيد الحياة.. جس نبضها فوجدها استشهدت جراء إصابتها بشظايا القذائف التي أصابت الشقة قبل وصول الطواقم، وبينما كانت الحمّالة آنذاك مشغولةً بحملِ شهيدٍ آخر.. قرر الخولي حمل المسنة فوق ظهره إسراعاً في تنفيذ المهمة، وخوفاً من مجهولٍ "لم يعلم أنه كان يقترب"..

 

مدين بحياته لـ "شهيدة"!

 

يكمل الخولي وقد أغمض عينيه وهز رأسه (يميناً وشمالاً) بشكلٍ سريع "وكأنه يحاول إبعاد ذلك المشهد الأليم عن ذاكرته"، :"لففت ساعديها حول رقبتي، بينما انسدل جسدها ليغطي ظهري كاملاً.. وما هي إلا خطوات قليلة حتى فوجئنا بقذيفةٍ تطلق على البيت ذاته الذي كنا فيه"..

 

الخولي (الذي انضم إلى صفوف الدفاع المدني قبل عامٍ فقط) حال بينه وبين رؤية ما حدث حوله "دمٌ.. ودخانُ أسود.. ودموع"!!.. ترك الشهيدة ومضى زاحفاً يجر وراءه أشلاءً حسبها أشلاءه.. ووصل إلى الباب حيث المصعد فوجد ثلاثةً من زملائه بالإضافة إلى اثنين من الصحفيين والرجل الكهل (رب الأسرة) قد استشهدوا جميعاً..

 

يقول :"صرت أصرخ بشكلٍ هستيري.. فانطلق رجال الدفاع المدني "المتبقون" إلينا حيث كنا مسجيين في مدخل الطابق ذاته.. وعندما رأوا الدم غطاني بشكلٍ كامل، بالإضافة إلى أشلاء داخلية علقت بثيابي.. ظنوني مفارقٌ لا محالة"، واصفاً تلك اللحظة "بالمرعبة"، حيث طالبوه بنطق الشهادة ولم يكونوا قد علموا بعد أن الدم الذي غطاه وتلك الأشلاء تتبع في الأصل لجسد السيدة المسنة "الشهيدة" التي تلقت عن ظهره ورأسه ضربة القذيفة "التي قطعت جثتها إلى أشلاء.." وأنقذت بذلك حياته، يضيف الخولي :"أنا مدينٌ لها بحياتي.. وأدعو لها بالرحمة والمغفرة في كل لحظة.. كما لو كانت أمي"..

 

داست الخطوط "الحُمر"

 

رغم "التنسيق الذي أبرمه الصليب الأحمر "وهو جهة دولية" مع الجيش من أجل إخلاء أبراج المقوسي..  إلا أن الأخير خرقه.. علام يدل ذلك برأيك؟.. أجابني الخولي وقد ابتسم :"(إسرائيل) نقضت اتفاقيات كبرى تم توقيعها أمام أنظار العالم بأسره.. وبحضور جهات أكبر بكثير من الصليب الأحمر، ولم يحرك العالم ساكناً.. فهل نستغرب إن خرقت تنسيقاً لم يدرِ عنه أحد بينها وبين الصليب؟"، مؤكداً "من خلال مشاهداته كعاملٍ في فريق إنقاذ" أن "إسرائيل" لم تعد تضع لعدوانها على الفلسطينيين خطوطاً حمراً.. "لأنها ركنت إلى تأييد دولي.. وصمتٍ قيادي عربي.. وحشد شعبي داخلي إسرائيلي يطالب بالقضاء على الوجود الفلسطيني والمقاومة داخل فلسطين من أقصاها إلى أقصاها وخصوصاً في قطاع غزة".

 

الخولي الذي أدت إصابته إلى إعاقة بساقه اليمنى "نتيجة بترها" يتمنى لو يُسمح  له بالعودة إلى عمله :"أعرف أن ذلك مستحيل.. لكنني أنظر إلى الأمر من  جانبٍ آخر.. لقد أنقذتني –شهيدة- وأنا حي.. أتمنى لو استطعت المتابعة في خدمة أبناء شعبي حتى النَفَس الأخير"..أدت

 

 

 

شكرُه على كل ما قدمه خلال هذا العدوان "كمنقذ" لم يكن كافياً.. تمنيتُ لو أنني أستطيع أن أقدم له شيئاً.. مضيتُ بتؤدة فإذا به يناديني.. "يا أختي.." أجبته :"نعم".. انبثقَت من عينه دمعةً خفيّة وسألني بالحشرجة ذاتها التي بدأ بها حديثه... "هل هناك حقاً في هذه الدنيا ما يسمى بحقوق إنسان؟؟"..

 

لم أستطع أمام سؤاله إلا الابتسام "حدّ البكاء".. ماذا عسايَ أجيبه وقد رأيتُ ما سألني عنه "مداساً" لدبابات الاحتلال.. في الوقت ذاته الذي وقَفَتْ فيه قياداتٌ وأنظمةٌ عربية مواقف "متخاذلة" خانت بها الأمانة التي حمّلهم إيّاها الربُّ.. والشعبْ..

 

 

 

انشر عبر