شريط الأخبار

هل يحمل أوباما أجندة تلامس »سايكس ـ بيكو« جديدة؟ ..احمد مغربي

09:23 - 21 تشرين أول / يناير 2009

ما هي محصلة المعادلة الجيو ـ استراتيجية التالية: شرخ النسيج الوطني في الساحة الفلسطينية بين غزة ورام الله (تعزّزه عناصر أساسية مثل الجغرافيا)، مضروباً بانقسام عربي قوي في ظل خواء النظام السياسي عربياً وفراغه وانعدام قدرته على الفعل ما يجعله شبيهاً بـ»رجل العالم المريض« على غرار ما كانته الامبراطورية الاسلامية قبل أن يضربها زلزال الحرب العالمية الأولى و»سايكس ـ بيكو« (يترافق ذلك مع تعمّق فشل الدولة على امتداد المساحة العربية)، مضروباً بتجاذب شديد على المصالح الأساسية (وكذلك تبادلات أيضاً) بين ثلاثة مراكز قوى إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا، مضروباً بالصراع الضخم لإعادة صياغة معادلات القوة بين القوى الكبرى في مرحلة الركود الاقتصادي العالمي وانتهاء مرحلة الأحادية القطبية الأميركية مع استمرار الولايات المتحدة قطباً أساسياً يخوض تجربة تاريخية قوية في صوغ توازنات وصراعات حول المصالح الرئيسية عالمياً مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي؟

تطلق هذه المعادلة طاقاتها المرعبة في حال فشل إسرائيل في تحقيق نصر حاسم (بالأحرى اقتلاع »حماس«) في عدوانها على غزة، وانطلاق خطاب ظافر وعالي النبرة من تلك الحركة (شيء يشبه ما حدث لبنانياً بعد عدوان تموز ،٢٠٠٦ لكن النسيج الوطني اللبناني الذي ناء بها بقي متماسكاً بفعل عناصر متنوعة منها التواصل الجغرافي والديموغرافي واليومي بين مكوّناته). ويجدر تذكرّ أن »حماس« حازت السلطة شرعياً عقب انتخابات ديموقراطية اعطتها تمثيلاً واسعاً، إضافة الى المعاني الواسعة التي تستطيع هي وحلفاؤها إضفاؤها على صمودها في غزة، ويرافق ذلك استمرار سلطة رام الله في حال انعدام الوزن (بكل المعاني) التي تعبر عن فشل تاريخي للمشروع السياسي الذي قادته »فتح« (بصورة أساسية) في الساحة الفلسطينية خلال العقود الماضية. وتترافق هذه المعادلة أيضاً مع صعود خطابات المجتمعات الأهلية المتنوعة عربياً (ربما على الطريقة التي يشهدها العراق راهناً، أو ربما أكثر قسوة، بما تحمله من صراعات مذهبية وإثنية وطائفية وربما قبائلية) وتصادماتها المنفلتة والمحكومة بحال التخلف ثقافياً وسياسياً (وحضارياً؟) التي تهيمن على المكوّنات البشرية للدول العربية.

ثمة معادلة جيو ـ استراتيجية أشد رداءة وتدميراً. تنطلق طاقات تلك المعادلة الكوارثية الأخرى إذا نجح العدوان الإسرائيلي على غزة في أن يكون نسخة القرن ٢١ عن اجتياح لبنان ،١٩٨٢ فتقتلع حركة »حماس« من غزة. في تلك الحال، تبقى معظم عناصر المعادلة الأولى قائمة، لكنها تتأثر بقوة بالهيمنة الإسرائيلية إقليمياً على العرب، وتحكمّها بالمسار السياسي للمنطقة وللقضية الفلسطينية (بأبعادها كافة) للمرة الأولى في تاريخها.

إذا كان ذلك كذلك، فإن العدوان على غزة زلزال هائل، بغض النظر عن خواتمه، تليه »تسونامي« أشد هولاً وقسوة. في المعادلتين السابقتين، من المستطاع قراءة »مضروباً بـ« على شكل متراكب مع، متداخل مع، متفاعل مع، متجاذب مع وما يشبهها من التعابير.

والأرجح أن النظام العربي (بدوله ونُظُمه) ليس مؤهلا لتلقي قواه. في تاريخه المعروف، لم يستطع النظام العربي أن يبرهن على قدرته على حفظ المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، ولنترك التجربة الناصرية مع قناة السويس كنموذج على ما يشبه الاستثناء.

كيف يؤثر ذلك العجز التكويني على التجاذبات الهائلة بين القوى الدولية في مرحلة إعادة صياغة النظام العالمي وأسقف الردع الاستراتيجي فيه، خصوصاً أن المنطقة العربية شبه محتكرة أميركياً وتضم احدى أهم المصالح الإستراتيجية الأميركية، إن لم تكن الأهم خارج الحدود القارية للولايات المتحدة (النفط)، وتتصل جيو ـ استراتيجياً مع غاز بحر قزوين ودول آسيا الوسطى؟ لنأخذ مثالاً صغيراً، ولنترك غزة الى همومها. لنراقب مسألة القرصنة في القرن الافريقي، الذي يدخل في صلب حركة الملاحة في قناة السويس، وكذلك في ما يتصل باستمرار تدفق النفط عالمياً. عادت البحرية الصينية الى عدن بعد غياب ستة قرون. لم يقرأ العرب عجزهم في تلك العودة. عادت الهند الى المياه التي تُسمى، للمفارقة، بحر العرب والتي تصل بين شبه جزيرة العرب في ساحلها الشرقي والهند. ولم يقرأ العرب عجزهم في تلك العودة. حضر الاتحاد الأوروبي وروسيا إضافة الى الحضور الأميركي »البديهي«. ولم يقرأ العرب عجزهم في كل ذلك الحضور، علماً أن القرن الافريقي عربي بامتياز! لقد شرعت التجاذبات الدولية، التي تجري ضمن نظام عالمي مستقر لكنه يتعرض الى تغيير ضخم في سقف ردعه الاستراتيجي، في التمدّد عربياً. أمثلة؟ سجلت فرنسا سبقاً تاريخياً في إنشاء قواعد بحرية في الخليج، وكذلك تمددت فرنسا في مجال الطاقة الاستراتيجية عبر الخيار النووي إذ عقدت مجموعة كبيرة من الاتفاقيات عن مفاعلات نووية مع عدد من الدول العربية. وفي دول الشمال الافريقي، يتقاطع الخيار النووي وإملاءاته مع خيار »النظام الأوروـ متوسطي« الذي اعتبره الرئيس ساركوزي من أهم منجزاته. وفي ٢٢ يوماً من العدوان على غزة، لم تنبس دولة عربية بهمسة عن ذلك النظام!

لقد أدى تصادم الصفائح التكتونية في الجيو ـ استراتيجيا (عربياً وعالمياً) الى انهيار الامبراطورية الاسلامية وظهور الدول العربية تحت رعاية اتفاقيات مثل »سايكس بيكو«. وحينها، وُصفت تلك الامبراطورية بأنها الرجل المريض، الذي تجاذبت الدول الغربية الكبرى إرثه الهائل. ويبدو الحال عربياً في ضوء معارك غزة وكأنه يستعد لتصادم صفائح تكتونية أشد قسوة، خصوصاً في ظل إعادة تنظيم علاقات القوة وسرياناتها وتوازناتها بين مراكز القوى عالمياً. الأرجح أن انهياراً كبيراً بات وشيكاً في العالم العربي. الأرجح أن ثمة تغيرات أساسية توشك أن تجتاح بناه الأساسية. من يستطيع التخمين، مثلاً، أين ستكون »سايكس بيكو« الجديدة في المنطقة؟ هل يأتي التغيير على هيئة إعادة صوغ خرائط السياسة والجغرافيا، أم أنه قد يتخذ شكلاً آخر؟ ماذا لو أضفنا للمعادلتين السابقتين عنصراً مثل أن تصر إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على جعل العلمانية عنصراً رئيسياً في تصرفاتها الاستراتيجية في المنطقة العربية، بحسب ما ألمحت وزيرة الخارجية المقبلة هيلاري كيلنتون في حديثها إلى الكونغرس أثناء عملية اعتمادها في منصبها؟

شروخ متراكبة في خواء عربي

في لحظة أخيرة من عمر إدارة غارقة في مستنقع التصرف على أساس الإيديولوجيا (وهي ايديولوجيا يمينية شديدة التطرف ما يلامس حدود التفكير الغيبي الذي يجد في تأويله للديني ملاذاً وأداة) وكذلك في التماهي مع المشروع الصهيوني عربياً وفلسطينياً، قررت إدارة أيهود أولمرت وتسيبي ليفني وأيهود باراك تسجيل »انتصار« كبير من خلال ما يمكن تسميته بـ»لعبة الربح أو الربح«. لنلاحظ أن المعادلتين السابقتين كلتيهما تحملان الكثير من المكاسب الاستراتيجية لإسرائيل. لا يتضمن ذلك أي إقلال من شأن الملحمة الهائلة من الصمود والقتال اللامتكافئ في غزة. في المقابل، فإن صموداً أشد قوة وأكثر إيلاماً للعدو الاسرائيلي وأشد قدرة في النيل من الهيبة المعنوية وقدرة الردع المباشر للجيش الاسرائيلي في لبنان، لم ينج النسيج الوطني من التشرخ. الأرجح أن ما يشكو منه النسيج الوطني اللبناني له جذور أعمق، وخصوصاً النظام الطائفي المستولي على تفاعلاته وآلياته وسلطته وما إلى ذلك.

في المقابل، ليس السابع من أيار ببعيد من الذاكرة، بل لا زالت تفاعلاته وآثاره حاضرة يومياً، وكذلك فالأرجح أن طرفي الانقسام الوطني (عنوانهما ٨ و١٤ آذار) مسؤولان عن أزمته الراهنة، بما في ذلك علاقة الانقسام الوطني بالتفاعلات الاستراتيجية لعدوان تموز ٢٠٠٦ وما رافقه من صمود.

تبدو الحال أشد ضراوة في الساحة الفلسطينية. يكاد الانقسام الوطني فيها أن يستعيد الصورة الاسطورية والغيبية لانقسام المملكة اليهودية الغابرة بين يهودا والسامرة. (نفتح قوساً للقول إن ذلك يشير الى أن الانقسام المجتمعي أشد ثباتاً ورسوخاً من نظيره الديني والغيبي). وخلال العدوان على غزة، لم يكن الشرخ في الساحة الفلسطينية بحاجة لمن يؤشر عليه.

وصل الانقسام العربي الى حد معادلة مضحكة لثلاث قمم في خمسة أيام! في زمن خلا، كان الانقسام العربي يجد في الساحة الفلسطينية مكانه المفضل. لكن النظام العربي لم يكن على هذه الدرجة من الضعف والوهن والخواء وانعدام القدرة على التأثير فعلياً في المعادلات الاستراتيجية في المنطقة. الأمثلة لا تنتهي. هل تكفي الاشارة للشلل العربي في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية التي أفقدتهم ٢,٥ تريليون دولار، بحسب ما صدر من الكويت أخيراً. يبدو الحديث عن القدرة العربية في مجال النفط اضحوكة، والموقف »القوي« في منظمة »أوبك« بخفض إنتاج النفط لم يصل إلا إلى نصف الانخفاض المتوقع أصلاً بسبب الركود الاقتصادي! كيف ستتفاعل آليات الانقسام العربي مع خواء ذلك النظام مع الضعف المذهل لأداء »الدولة« فيه؟ ربما تشكل الاجابة عن هذا السؤال مدخلاً لحساب المعادلات الاستراتيجية المقبلة في المنطقة.

لعله من المفيد لمن يراهن على باراك حسين أوباما من العرب أن يفكر مرتين ومرات، قبل أن يرمي بأسهم الرهان. شكل وصول أول أفريقي ـ أميركي من أصول مسلمة الى الموقع الأول في السلطة حدثاً تاريخياً أميركياً بامتياز، وبكل المعاني الممكنة. كم دولة عربية بإمكانها أن تحتمل »نموذج أوباما«؟ هل نتخيل مصر برئيس يأتي من عامة الناس (ربما من النوبة مثلاً) ويتبع الديانة الاسلامية، لكن اسم أبيه ميشيل أو حنا أو جورج؟ بالاختصار، ألم يتضاعف فارق السنوات الضوئية التي تفصل النُظُم العربية عن الحد من النظام السياسي العقلاني المستند الى المواطنة والحقوق والعدالة، مع رؤساء من نوع أوباما وساركوزي؟ ربما يبدو السؤال الأخير أقرب الى النكتة منه الى السؤال. في حديثها المشار إليه آنفاً، شددت هيلاري كلينتون على أن أميركا يجب عليها أن تقبل التعامل مع أنظمة لا تشبهها، لكنها ركزت على أهمية القيم الأميركية مثل العلمانية. كم نظاماً علمانياً فعلياً في العالم العربي؟ وكيف يمكن أن تؤثر نظرة إدارة أوباما الى الأداء السياسي والثقافي للنظم العربية مع آليات حماية مصالحه في المنطقة؟ ربما كان التفكير بتلك السياقات أكثر جدوى من الانغماس في النقاش البيزنطي (الذي يبدو وكأنه معد سلفاً) عن الانتصار والهزيمة في معارك غزة الدامية.

([) كاتب فلسطيني

 

انشر عبر