ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

لا شيء يعكس عمق انهيار حزب "العمل"، وتراجع مكانته في إسرائيل، مثل القائمة الانتخابية التي أقرها في الانتخابات التمهيدية، أول من أمس، وأسفرت عن قائمة تفتقد في مواقعها العشرة الأولى، إلى أي جنرال أو قائد عسكري مع سجل قتالي، كما تفتقد لرموز وشخصيات حزبية ذات عمق حقيقي في صفوف الحزب، وذات بصمة في تاريخ الحزب أو السياسة الإسرائيلية، باستثناء ما يسمى بوزير الأمن الأسبق عمير بيرتس، الذي شغل منصب وزير أمن في حكومة إيهود أولمرت خلال العدوان على لبنان في العام 2006، واشتهر بالصورة التي التقطت له وهو يحمل منظاراً عسكرياً دون نزع غطائه.

ولا شيء يدل على حال حزب "العمل" أكثر من تراجع عدد المنتسبين له إلى نحو 60 ألف عضو، وإجراء الانتخابات التمهيدية له في 85 مركز اقتراع، بعد أن كان للحزب عشرات الفروع الفعالة والناشطة. وتشير القائمة، التي انتخبها الحزب، إلى قائمة ضعيفة جماهيرياً، خصوصاً وأن من يقف على رأس الحزب اليوم، أفي غباي، كان حتى قبل عامين وزيراً في حكومة بنيامين نتنياهو، في وزارة هامشية، هي شؤون البيئة، ويفتقر إلى أي رصيد عسكري أو سياسي يمكن له أن يشكل نقطة ارتكاز في المعركة الانتخابية، خصوصاً وأنه يفاخر بأنه نشأ كعضو ناشط في "الليكود" ثم انتقل إلى حزب "كولانو" بقيادة موشيه كاحلون، حيث عين وزيراً لشؤون البيئة إلى أن استقال لينضم لحزب "العمل"، مع إطلاق تصريحات بعد فوزه برئاسة الحزب، ألمحت إلى أن الرجل لا يعتبر نفسه يساراً بالضرورة، ولا هو يحمل الفكر الاشتراكي بأخف صوره، وهو الأمر الذي ميز "العمل" على مدار 70 سنة، منذ إقامة إسرائيل بعد النكبة.

ولعل أبرز ما يشير إلى ضعف قائمة "العمل" للانتخابات الإسرائيلية التي ستجرى في التاسع من إبريل/ نيسان المقبل، هو غياب الجنرالات، الذين بدأوا يتدفقون ويدقون أبواب الأحزاب الأخرى، وأبرزها "الليكود" (على غرار ما فعل سابقاً موشيه يعالون، وأرييل شارون، وأخيراً يوآف غالانت)، وحزب الجنرال بني غانتس (حالياً يتمتع بشراكة مع رئيس الأركان السابق موشيه يعالون)، وصولاً إلى حزب الطبقة الوسطى والمصنف بحزب الوسط "ييش عتيد" بقيادة يئير لبيد، الذي كان زين قائمته في الانتخابات السابقة برئيس "الشاباك" الأسبق يعقوف بيري، ونائب رئيس "الموساد" الأسبق رام بن براك. ويعكس هذا الأمر حال حزب العمل اليوم وفقدانه لنقطة الجذب الأقوى في السياسة الإسرائيلية وهي خطاب الأمن. كما أنه لم يعد يشكل، خلافاً للماضي، العنوان الأول للتأثير وصنع القرار.

وفي ظل غياب الجنرالات، ورجال السياسة المخضرمين، ممن يمكن لهم أن يجذبوا الناخب، فقد وجد حزب "العمل" نفسه في أول عشرة مقاعد مع مرشحين من قادة الاحتجاج الاجتماعي في العام 2013، ستاف شفير وإيتسيك شمولي (محسوب أيضاً على معسكر الشرقيين)، ومرشحين شرقيين هما أفي غباي، وعمير بيرتس، وصحافيتين سابقتين هما ميراف ميخائيلي وشيلي يحيموفيتش، ومحامية مغمورة هي رفيطال سويد التي تشغل هي الأخرى كباقي المرشحين في المقاعد الأولى منصب عضو كنيست، فضلاً عن عومر بارليف، مع موقعين محجوزين لرئيس الحزب ليقرر من يترشح فيهما، هما الموقع الثاني والموقع العاشر.

وفي الوقت الذي يشن فيه نتنياهو حرباً ضروساً ضد غانتس وحزب "ييش عتيد" بقيادة يئير لبيد، يبدو حزب "العمل"، للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل والانتخابات الإسرائيلية ككل، خارج سياق الجدل حيال الأمن الإسرائيلي ومستقبل التسوية وطبيعتها، رغم إعلان زعيم الحزب، أفي غباي، أن الحزب يؤيد حل الدولتين. وبدلاً من أن يخوض حزب "العمل"، الذي قاد حكومات إسرائيل حتى العام 1977، ثم مشاركاً في حكومتي "وحدة وطنية" بين العامين 1984 و1992، ثم شريكاً بدرجة أقل في حكومات لاحقة، في مسألة استعادة الحكم واستبدال نتنياهو، فإن ما يخوض به الحزب اليوم وما يتم التعامل معه في هذا السياق هو مسألة اجتيازه لنسبة الحسم من عدمه، وعدد المقاعد التي سيحصل عليها، وهل سيُقبل به شريكاً في حكومة مقبلة أم سيضطر أخيراً إلى التحالف مع حزب "ميرتس" اليساري والبقاء في الكنيست، ولكن مع دفع ثمن بقائه خارج أي تشكيل حكومي محتمل بعد الانتخابات.

ويمكن القول عملياً إن آخر نجوم "العمل"، الذين حققوا للحزب نوعاً من الإنجاز، كان الرئيس السابق، ورئيس الوكالة اليهودية اليوم، يتسحاق هرتسوغ، الذي قاد الحزب بعد انشقاق إيهود باراك على رأس مجموعة صغيرة من أعضاء الحزب، أطلق عليها اسم حزب "عتسمؤوت" (وتعني استقلال)، لكنه سرعان ما اندثر بعد أن فضل باراك، في الانتخابات النيابية للعام 2013، عدم خوض الانتخابات منفرداً. وقد تمكن هرتسوغ، عبر التحالف مع حركة تسيبي ليفني في انتخابات العام 2015، تحقيق إنجاز كبير لحزب "العمل"، تمثل بحصول القائمة المشتركة مع ليفني، تحت مسمى "المعسكر الصهيوني"، على 24 مقعداً.

لكن ذلك كان بفضل عاملين أساسيين، الأول هو وجود ليفني كقوة يمين رغم دعمها حل الدولتين، والثاني هو كون هرتسوغ يأتي من عائلة هي تاريخياً من صلب حزب "العمل"، فوالده حاييم هرتسوغ كان ضابطاً في الجيش البريطاني خلال الحرب العالية الثانية، ثم انخرط في عصابات "الهاغاناه"، وتدرج في الكنيست في مناصب حساسة، بينها لجنة الخارجية والأمن، ورئيس الكنيست ثم أخيراً رئيساً لإسرائيل، حيث منح العفو العام عن أعضاء التنظيم السري الإرهابي في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، كما منح العفو عن قادة "الشاباك" الذين تورطوا في قتل فدائيين بعد القبض عليهما على قيد الحياة.

وكانت شريكته في تحالف "المعسكر الصهيوني" ليفني تتحدر بدورها من أصول "مقاتلة" ولكن في المعسكر الآخر من الصهيونية، فوالدها إيتان ليفني كان قائداً لقسم العمليات وفي عصابات "الإيتسيل" الإرهابية، ولاحقاً عضوا في الكنيست عن "الليكود".

كما أن ليفني كانت عميلة للموساد، ثم تدرجت عضواً في الكنيست عن حزب "الليكود" وانضمت لحزب "كديما" مع آرييل شارون، وشغلت منصب رئيس الحكومة لوقت قصير، قبل أن تصبح زعيمة للمعارضة مع عودة نتنياهو للحكم في العام 2009، ثم وزيرة خارجية في حكومة نتنياهو.

هذا السجل لهرتسوغ وليفني، سواء في الجانب العسكري (هرتسوغ نفسه كان ضابطاً في شعبة الاستخبارات العسكرية والوحدة 8200)، أم على صعيد العمل السياسي المجرب في المعارضة والحكم، وعلى صعيد رب العائلة المعروف في مخيلة الإسرائيليين، كان له أثر في تحقيق الإنجاز البرلماني، وهو سجل لا يتمتع به اليوم أي من مرشحي حزب "العمل"، باستثناء سجل باهت لعومر بارليف، الذي أنهى خدمته العسكرية برتبة عقيد، ولم تشفع له حقيقة كونه نجل رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق، الجنرال حاييم بارليف، في الانطلاق في عالم السياسة الإسرائيلية لأكثر من منصب عضو في الكنيست.

هذه المعطيات مع غياب "الموقف الأمني" والموقف السياسي الواضح لدى قائمة "العمل" هي التي تفسر أيضا الانزياح الكبير للأصوات نحو حزب "حوسن ليسرائيل" بقيادة الجنرال غانتس، والانزياح لأبناء الطبقة الوسطى لحزب "ييش عتيد"، فيما ظل حزب "العمل" عالقاً مع من يمثلون، في أحسن الأحوال، "شبابا واعدين" يحلمون في إحداث تغيير اجتماعي، لتحسين ظروف الأجيال الشابة، لكنهم لا يمثلون ولا ينظر إليهم كمن يمكن أن يقودوا إسرائيل في المرحلة المقبلة.