شريط الأخبار

الفلسطينيون يتفقدون آثار العدوان .. منازل اختفت معالمها وأبراج سكنية شطرتها القذائف

09:37 - 18 حزيران / يناير 2009

فلسطين اليوم - غزة

ما حدث ليس كابوساً أفاق منه أهالي قطاع غزة في اليوم الرابع والعشرين للحرب المدمرة التي لم تنته بعد، بل هو حقيقة قائمة على الأرض بكل ما خلفه الجيش الإسرائيلي في أرجاء القطاع. فإزاء المشاعر المروِّعة انعقدت الألسن وعجزت الكلمات عن وصف ما جرى.

 

على مدخل منطقة الكرامة، الواقعة شمال غرب مدينة غزة، ما أن تطأ القد الحي السكني حتى يبدأ القل بالخفقان سريعاً، وبوتيرة تتصاعد مع حجم الخراب.

 

يبرج في المكان "برج الأندلس" السكني، المكوّن من ستة عشر طابقاً، والذي شطرته الآلة الحربية الإسرائيلية مناصفة طولاً، وكأنّ منشاراً قسمه نصفين. الفلسطينيون شيباً وشباباً ونساءً ورجالاً من حول المكان، كانت أقدامهم تأخذهم إلى مواقع الدمار والأنقاض وبقايا الأبنية.

 

داخل منطقة "أبراج الكرامة"، كما يسميها الأهالي الذين بدؤوا يتوافدون تترا إلى شقق سكنية اهترأت من رصاص طائرات "الأباتشي" المروحية، يبدو مشهد ما بعد القصف الضاري أبلغ من أي وصف. منهم من راح يلملم أخشاباً تبقت من سرير طفل وليد لجمه الخوف على لقم ثدي أمه، وأشقاء وجيران من حوله يتفقدون أشياءهم الصغيرة، يحاولون إنقاذ حقائبهم المدرسية والكراسات الممزقة.

 

إلى الشمال من منطقة الكرامة، وتحديداً في منطقة التوام، تبدأ الكارثة بالتكشف تباعاً، ليس بدءاً بالطرقات المجرفة، وليس انتهاءً بالمنازل والمتاجر والورش الصناعية المتهالكة.

 

الحاج "أبو يوسف" العجرمي، يمضي بخطى رجل بلغ من العمر عتياً، تسحبه أقدامه قلقاً على اثنين من أبنائه يسكنان التوام، ضُرب منزلهما بقذائف المدفعية المتمركزة شمال القطاع المحاصر.

 

يصف "أبو يوسف" ما يشاهده من خراب إسرائيلي بانعقاد في اللسان، فقد توقف برهة قبل الإجابة، ثم التفت يمنة ويسرة ورمق الأراضي والمنازل المدمرة من حوله بنظرات عميقة، وقال الحاج العجرمي (88 عاماً)، "عايشت نكبة 1948، وحرب 1956، وحرب 1967، جميعها شمّة هواء أمام هذا البلاء". مضى التسعيني متعجباً، أو مستعجباً مما رأت مقلتاه المتعبتان. أكمل طريقه عائداً إلى وسط غزة، تسنده في الطريق الوعرة عكازه التي رافقته عقوداً من الزمن.

 

من يواصل السير قدماً إلى الشمال، يجد الطريق أمامه طويلة ووعرة، بما يكفي ليتأمل كل شيء من حوله بتمعّن. فهذه أشجار الزيتون والحمضيات خرجت جذورها فوق الأرض، بينما تعطلت شبكات الكهرباء وقطعت خطوط المياه كلياً، على طول الطريق المؤدي إلى منطقة السلاطين، على مشارف بلدة بيت لاهيا.

 

وبدأت العائلات التي فرّت من جحيم القوات الإسرائيلية، بالعودة الحذرة إلى أحياء يمكن التعرف عليها بالكاد، لتفقد من نجا بحياته ومن قضى.

 

أمهات ينتحبن بكاءً فوق ركام منازلهن، يوارين الدمع، وأخريات تفتشن الأنقاض ليجمعن المتعلقات العزيزة على قلوبهن، في حقائب بلاستيكية.

 

آلة الحرب ظلّت تحلق فوق الرؤوس، ففي الأجواء تحوم طائرات الاستطلاع المعروفة بالزنانة، على مستويات منخفضة، بينما جابت المقاتلات الحربية، محدثة غارات وهمية، لتفزع السكان.

 

على الجانب الأيمن للطريق، لا يدرك المرء للوهلة الأولى أنّ ثمة بيوتاً كانت تنتصب هنا، فتغيير الواقع الذي تحدثت عنه وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، قبيل الحرب، جُسِّد تماماً على الأرض بمنازل الآمنين، فلم يبقَ من منزل الحاج علي عبد القادر أبو جلهوم (76 عاماً) الأسبستي، حجر على حجر.

 

أبو جلهوم جلس وسط ما كان يسمى سابقاً دكاناً، ومن حوله دجاجاته، يتأمل بعض أكياس البقوليات، ومواد تموينية، وحاجيات أطفال، يقتات منها وزوجته "أم العز"، التي أجبرته على الخروج من المنزل رغم أنفه، خوفاً.

 

ويقول "أبو العز"، "لم أكن أرغب في الخروج من منزلي للبته، ماذا بقي لي في هذه الحياة وبعد هذا العمر لأعيش، لقد أخذت نصيبي منها، كان حريّ بي أن أُدفن قبل أن أشاهد بيتي كومة من خراب هكذا".

 

على الأرض، لم تزل عيون المواطنين غير مستوعبة هول الدمار الذي أحدثته دبابات "ميركافاه" ومقاتلات "إف 16"، وما كان يهبط على المنازل والأراضي من صواريخ وقذائف وقنابل فسفورية. حفر عميقة أحدثها الطائرات في حقول المزارعين، متذرعة باستهداف منصات صورايخ المقاومة وليس المدنيين الذين غادروا ديارهم مع بدء المرحلة الثانية للحرب غير المتكافئة، ولا زالوا ينزحون عن المنطقة، غير معلومة المعالم، كما يصفها سمير العامودي.

 

سمير في العقد الثالث من عمره، فقد وشقيقه منزلهما، ورشة لإعادة تهيئة وإصلاح المركبات، التي أتت عليها جنازير الآليات العسكرية، فلم تُبقِ في المكان شيئاً ولم تذر سوى أكوام من الحديد لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

وأزاحت الجرافات التابعة للسلطات البلدية السيارات وقطع الخرسانة المتساقطة بعيداً عن الشوارع، لكنّ شيئاً لا يمكنه إخفاء نطاق الدمار الذي جلبته الآلة العسكرية الإسرائيلية. وكان رجل يواسي صديقه محمد عطا سلطان، الذي سُوِّي منزله المكون من ثلاث طبقات بالأرض تماماً، قائلا "الحمد لله أنك حيّ، يمكن إعادة بناء المنزل، إن شاء الله".

 

أما الأطفال في المنطقة فكان لهم قصة أخرى، وطرق أخرى في تفقد الخراب الذي خلفته آليات الاحتلال. فقد أخذوا يجمعون صفائح الرصاص الفارغة، وشظايا الصواريخ، والقذائف المدفعية، وفوارغ (خرطوش) الرصاص، متذرعين بأنها معادن نحاسية سيقومون ببيعها لجني بعض المال.

 

صور الخراب والدمار والمآسي التي تركتها الآليات العسكرية، تعجز عن وصفها الكلمات، فما حدث في غزة ليس مجرد حرب يُعتقد أنها انتهت، بل قد تكون بداية لحرب جديدة، سترسم معالمها دماء أطفال قضوا تحت المدافع والصواريخ الإسرائيلية.

انشر عبر