شريط الأخبار

محرقة غزة كشفت الاقنعة وعرت زيف العدو البديل للدولة الصهيونية

02:07 - 18 حزيران / يناير 2009

محمد عبد الحكم دياب

كشفت محرقة غزة أقنعة كثيرة وعرت زيف دعاوى التغطية على العجز والتواطؤ، ووصوله إلى مستوى المشاركة في المجهود العسكري والسياسي والاقتصادي دعما للدولة الصهيونية في تنفيذ جريمتها.. أزيحت أقنعة وكُشفت أعماق العلاقة بين المشروع الصهيوني ونظم حكم عربية. تماهت تماما فيه، بدرجة فاقت أسوأ واكثر التوقعات سوادا. ومن مظاهر التماهي الأخذ بالنهج الصهيوني في صناعة العدو الوهمي إبعادا للأنظار عن العدو الحقيقي، هذا في الوقت الذي تشهد فيه بعض مناطق العالم صحوة، ما زالت تشق طريقها بعيدا عنا، أبرزها صحوة أمريكا اللاتينية، التي بدأت تلفت إليها الأنظار، وجعلت الشارع العربي يتطلع إليها، وجاءت محرقة غزة لتزيد من هذا التطلع، بحثا عن سند يحد من طعنات ذوي القربى والأشقاء.

والنموذج الأبرز الذي يأخذ بنهج صناعة العدو البديل هو النظام في مصر، ويقوم بجهد خارق، لإيقاع الهزيمة بالمقاومة ما أمكن له ذلك. ويعمل بدأب دون اعتبار للغضب العارم في العالم من أقصاه إلى أقصاه. والهدف مكافأة تل أبيب على جريمتها. وهي التي لم يبق أمامها إلا أفران وغرف الغاز النازية لإبادة الفلسطينيين، وعلى الرغم من الوحشية غير المسبوقة يتم التركيز على عدو بديل يحجب مصدر الخطر الحقيقي، المهدد لمصر ذاتها. والعدو البديل تم اختياره من بين أطراف منتسبة إلى دول ومنظمات وأحزاب لها علاقة بشكل أو آخر بالمقاومة، أو من تلك القوى المتحفظة وغير المتجاوبة مع المشروع الصهيوني. وأهمها قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة، وفي القلب منها حركة المقاومة الإسلامية 'حماس'.. ثم سورية وإيران وقطر وحزب الله.

وإذا بدأنا بالمقاومة نجد أن التركيز على 'حماس' شديد للغاية.. فهي المنظمة الأكبر، وحصلت على ثقة الأغلبية في انتخابات حرة ونزيهة شهد لها العالم، ومشكلتها أنها تمثل حالة بالغة التعقيد بالنسبة للحكم المصري، والسبب يعود إلى خروجها من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وقرر ذلك النظام أن يتعامل معها تعامله مع جماعة الاخوان في الداخل، على الرغم من ترددها في مواجهته، وقد احتلت 'حماس' موقعا متقدما في حسابات النظام المصري، وظهرت خبرته الطويلة على مدى أكثر من سبعة وعشرين عاما في قراره بإنزال العقاب الجماعي على كل سكان قطاع غزة، البالغ عددهم المليون ونصف المليون نسمة.. وحصرهم في معتقل كبير، يتجرعون من كأس أكثر مرارة من ذلك الذي تجرعه المصريون على يديه، وطبق عليهم التجويع والحصار والأمراض والملاحقة، وكل سبل الموت البطيء، وهي نفس الأساليب التي أضعفت المصريين وعطلت دورهم، لكنه نسي أن المصريين شعب أعزل، والغزاويين يحملون السلاح ومتمرسون على استخدامه، وشتان في المواجهة بين أعزل ومسلح، وكلما شيطنت السياسة الرسمية المصرية 'حماس' كلما زاد الالتفاف حولها.. واتخذت الشيطنة ذريعة لمشاركة الآلة العسكرية الصهيونية في جريمتها المرتكبة في حق أهل غزة، وشنت أجهزة الإعلام والصحافة الحكومية أكبر حملة تحريض ضد كل ما هو عربي وإسلامي.. وأفرغت ما في جوفها من قيح وفي أحشائها من صديد.. بسباب وبذاءات لم يعهدها أحد من قبل.

والطابور الخامس.. المتغلغل في الحزب والدولة وأجهزة الإعلام والأمن يلتمس العذر، ويعزو ذلك إلى الحرج الذي تسبب فيه أنصار المقاومة ومؤيدوها من المصريين، وظهور النظام بمظهر غير القادر على بسط نفوذه على شعبه، والعاجز عن ضبط مناطق عديدة في بلده.. سيناء ومناطق ساحلية على شاطئ البحرين الأحمر والأبيض، ونجاح سكان بعض هذه المناطق في نقل السلاح إلى المقاومة وإقامة شبكة.. من مدنيين وعسكريين .. تجمعت خيوطها في سيناء، وهذا هو سر العنف الموجه ضدها وسبب التحامل على عدد من القبائل فيها وملاحقتها.. قبيلة طربين ، وتقطن المنطقة المتاخمة لفلسطين المحتلة وقطاع غزة، وقبيلة طياحة في وسط سيناء، وقبيلة عظاظمة في شمالها.. و تمتد إلى النقب في جنوب الدولة الصهيونية ، ولها بطون وأفخاذ في الأردن وسورية، وأهل سيناء متمرسون ولهم باع طويل في معرفة الدروب والمسالك، واستعرت الحملة عليهم بتواتر أخبار عن وصول أسلحة وصواريخ إيرانية بكميات كبيرة إلى غزة عن طريق سيناء، مما اضطر السلطات للتغطية على ذلك الادعاء بأن السلاح دخل بعلمها، وهذا أوقعها في مشكلة الظهور بمظهر غير القادر على مواجهة النشطاء في مجال تهريب السلاح والمؤن إلى المقاومة، وإمكانية اتخاذ ذلك ذريعة لضرب مناطق الحدود وسيناء، وهو ما تعمل له الدولة الصهيونية منذ زمن. وأمام هذا الحرج لم يكن هناك من سبيل إلا صب اللعنة على المقاومة والفلسطينيين والمصريين معا.

والطرف الآخر في منظومة العدو البديل هو سورية.. والعداء لها ليس بسبب سجل سلطاتها الحاكمة مع المعارضة، وتجاوزاتها في مجال الحريات وحقوق الإنسان، ولم يكن بسبب رفض مساعدة النظام المصري لها إذا ما سعت لتحرير الجولان. وهذا العداء له علاقة بغياب الإدراك بأبعاد القاعدة التي بنيت عليها الثوابت السياسية السورية، منذ زيارة السادات للقدس المحتلة، وكان قد تخلى عن شريكه في معركة 1973، الرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي شعر بطعنة نافذة بسعي السادات لوقف إطلاق النار بعيدا عنه، وهنا يثبت التاريخ أن التخلي الرسمي المصري عن سورية سبق التخلي عن فلسطين! ردت سورية باستضافة المنفيين والمعارضين للسادات، واهتدت الإدارة السورية، وهي تبحث عن سبيل لمواجهة الخلل، الذي أحدثه الغياب المصري، إلى قاعدة لسياستها هي: 'إذا كانت الحرب غير ممكنة بدون مصر فإن السلام لن يتحقق بغير سورية'.. فحافظت على علاقتها بالمقاومة، وقوت جسورها مع إيران الخمينية. وها هي في تعاملها مع محرقة غزة توقف المفاوضات غير المباشرة مع الدولة الصهيونية، وتعلن دعمها للمقاومة، وتؤيد كسر الحصار، وتبادر بطلب عقد قمة عربية بمن يحضر.. ولم يحل موقفها المتصادم مع الإخوان المسلمين دون دعم 'حماس' واحتضان قادتها في دمشق.. على النقيض من موقف حسني مبارك الذي ينكل بالجميع، وأضحت السياسة السورية العدو الأول لمصر الرسمية.. وزاد ذلك من نغمة الاستهزاء باستمرار احتلال الجولان، وكأن نظام حسني مبارك من النظم الداعمة للتحرير وتساند من يسعى إليه وتلوم المقصرين فيه!

ونأتي إلى الطرف الإيراني في منظومة العدو البديل، وبداية نجد من الصعب تجاهل الالتباس الحاصل في موقف إيران من العراق، ومن الجزر العربية في الخليج، ومن الأقلية العربية لديها، وهذا الالتباس ممكن علاجه بالتخفيف من وطأة الخطر الذي تستشعره إيران من محيطها العربي، وفتح السبل أمام تفاهم عربي ـ إيراني، واعتماد نهج التفاوض الذي يمارس مع الدولة الصهيونية.. ومن باب أولى أن يكون مع إيران، بعيدا عن لغة العداء والتهديد بشن الحروب. ويوظف الخطاب السياسي والإعلامي المصري هذا الالتباس في تأجيج المشاعر العنصرية والمذهبية، وأساس العقدة من الطرف الإيراني أنه ملأ فراغا خلا بغياب مصر! يقف مع فلسطين ويناصر المقاومة.. وظهرت في الأيام الأخيرة كتابات صهيونية تشير إلى حرب خفية بين الولايات المتحدة والدولة الصهيونية ونظام مبارك ، وبين جهات متهمة بأنها تعمل لحساب إيران، وتمد المقاتلين في غزة بالمؤن والعتاد، وتعترف هذه الكتابات بالصعوبات البالغة بسبب ما وصفته بالمهارة الإيرانية، وطَرْقها لمسارات بحرية وممرات مائية لم تكن مطروقة من قبل . وتمكنها من تجنيد قراصنة محترفين ينقلون السلاح إلى المقاومة، فاستحقت اللعنة من معسكر 'الاعتدال العربي' الذي ينتمي إليه مبارك!

ونصل إلى المحطة القطرية في منظومة العدو البديل، وهذه المحطة خلقت حالة من الهوس بين أركان الحكم في القاهرة وشرم الشيخ، وجهوا إليها حملة ضارية، وكأن قطر تهدد مبارك في عقر داره.. وهذا العداء غير المبرر لم يكن بسبب عدم استجابة قطر مثلا لملاحظات السلطات المصرية في قضايا التعاون الإقليمي، أو حقوق الإنسان، ولم يكن ناتجا عن نقد لدور مزدوج في السياسة القطرية تضررت منه السعودية أو مصر، حيث تبدو السياسة القطرية معبرة عن توجهين مختلفين. فالأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أكثر ميلا لدور عربي وإسلامي وقد يكون هذا ما أشعر السعودية المتحالفة مع النظام المصري بالقلق.. ورئيس الوزراء ووزير الخارجية، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني الأكثر ميلا للغرب، ولا يجد غضاضة في التعامل مع الدولة الصهيونية، وهو ما أشعر حكام مصر بالتوجس.. ومع ذلك تنفرد قطر بحالة تعايش فريدة بين التوجهين، ودورها السياسي والإعلامي والاقتصادي البارز الذي تلعبه.. ارتقى في السنوات العشر الأخيرة، بنشاطها الاقتصادي وتأثير احتضانها لقوى إسلامية وقومية بارزة، ونفوذ قناة الجزيرة الواسع في الرأي العام العربي.. كل هذا ارتقى بها إلى مصاف الدول الإقليمية الكبرى، رغم صغر حجمها.. وزادت بذلك من حرج السياسة الرسمية المصرية، بدورها المكشوف في تقزيم مصر وشل فاعليتها! وازداد التوتر بدعوة قطر لقمة عربية طارئة، فهرول مبارك إلى السعودية قطعا للطريق على القمة الاستثنائية.

وننتهي بحزب الله والمقاومة اللبنانية.. فالحملة على 'سيد' المقاومة فاقت الحد، ووصلت إلى اتهامه بالعمالة. وإذا كان من يتصدى للآلة الصهيونية الجبارة يتهم بالعمالة فمعنى الوطنية لدى من يشنون هذه الحملة هو ان يكون الإنسان صهيونيا! ومن الغريب أن المدافعين عن السياسة الرسمية المصرية يدعون أن مبارك هو الذي أوقف الحرب على لبنان، وأبلغ رد هو التعرف على سبب دعوة سمير جعجع للقاهرة، واسألوا اللبنانيين عنه وسيعرف الرد، ونفس الادعاء تكرر بشأن السلطة الفلسطينية وقالوا ان مبارك هو الذي مكن رجالها من دخول فلسطين.. وتبدو الذاكرة غائبة.. فما جرى كان نتاج اتفاق أوسلو السري.. الذي لم يعلم به إلا نفر قليل.. من الصهاينة ومساعدي ياسر عرفات، وكل من كان على علم بدقائق هذه الفترة يعرف أن الإدارة المصرية كانت آخر من يعلم!

 

' كاتب من مصر يقيم في لندن

انشر عبر