شريط الأخبار

جميلة الهبّاش ..ابتسامة لحياة "بلا أطراف"

04:17 - 17 تموز / يناير 2009

فلسطين اليوم – انسان اون لاين

من مستشفى الشفاء في مدينة غزة، إلى معبر رفح الحدودي كانت الطفلة الغزّية الجريحة "جميلة الهباش" تستلقي في سيارة إسعاف دون أن تعرف الوجهة تماما، وبين الصحو والنوم تستعيد الحكاية التي أوصلتها بلا وعي من سطح منزلها المخصص للعب إلى حياة بلا "أطراف"، وأمنية لاحت استحالتها...

وفي حديث عبر الهاتف من سيارة الإسعاف، قالت جميلة:" صحوت من القصف فوجدت جسدي بلا ساقين، وتذكرت أختي وقد انقسمت قسمين وإلى جانبها أشلاء ابنة عمي، والدماء في كل مكان...".

"ولسة عندي نفس الحلم"

وتروي جميلة، فتاة في الـ14 من عمرها، حادثة القصف الاسرائيلي التي أفقدتها ساقيها وقتلت شقيقتها وابنة عمها، قائلة: ظهر الأحد 4-1-2009، كنت ألعب مع أخوتي وأولاد عمي على سطح منزلنا في حي التفاح، وفجأة سمعنا صوتا قويا وفقدت وعيي..".

وبعد ساعات طويلة، استيقظت جميلة في مستشفى الشفاء دون أن تشعر بالحياة في قدميها، لكنها وعلى عكس الحكايا المحبطة، لم تجزع، وقالت لأول صحافي يقابلها:" فقدت أرجلي في القصف ولكن لازالت أمنيتي أن أصبح صحفية".

الصوت يبدو بعيدا والقصف يتكرر ليقطع الحديث مرارا، لكنها تضيف:": عندما اكتشفت أني فقدت أرجلي.. حزنت لكن هذا قدرنا والمكتوب لازم نشوفه".

ثم أضافت أمنيتها مرات أخرى:" ونفسي اطلع صحافية، ولسة عندي نفس الحلم، حتى لو ما ركبت أطراف صناعية وبقيت على كرسي متحرك"..

 

أجمل المشاوير.. دمروها

وعلى عجل أيضا، تذكرت الفتاة بوجه مدور لم تخفِ صدمة الجسد والنفس فيها جماله، تذكرت مدرستها وزميلاتها حين كانت "تمشي" معهن ليس بعيدا من بيتها، لكنها كانت "أجمل المشاوير"، وتقول: أنا بالصف الثالث الإعدادي، مش عارفة إذا بقدر ارجع على المدرسة أو لا.. وحتى اليوم لا اعرف شيئا عن زميلاتي في الصف، اعتقد أن الكثير استشهدن أو أصبن، لقد هرب الناس والقصف دمر البيوت ...".

"آخر شيء"، تنهي جميلة من تلقاء ذاتها:" أقول للعالم يطّلعوا على حالتنا ويشوفوا كيف انقصفنا لمجرد إننا بنلعب على السطح يعني لا معنا صاروخ ولا سلاح، وكنا نعتقد أن سطح منزلنا مكان آمن ولن نقتل لأننا أطفال..".

لا سلاح ولا صواريخ

وفي حديث السلاح والذرائع، يؤكد والد جميلة " أبو محمد الهباش" إن قتل ابنته شدا (11 عاما) وابنة أخيه إسراء 12 عاما، والتسبب في إعاقة ابنته جميلة وابن شقيقه محمد (16 عاما) الذي بترت ساقه اليسرى، لم يكن عشوائية بل مقصودا.

ويضيف:" أعرف الحي تماما، وكنت قد وصلت لتوي إلى المنزل بعد أن وقفت في الشارع لمدة مع مجموعة من الرجال نتحدث عن الأوضاع، ولم يلحظ أي منا وجود مقاومين أو مسلحين أو إطلاق نار في المنطقة بتاتا".

" كان الأولاد يلعبون على السطح، ينزلون الدرج ويعودون صعودا مع ضحكات ضجت في الطوابق الثلاث.." يستذكر الوالد، "وفجأة" لم ينهِ غداءه بعد حتى ظن أن قصفا طال بيت الجار أبو ناهض، " صرخت وقلت الله أكبر شو عامل أبو ناهض يقصفوا بيته؟؟".

لكن لحظات مضت وكان الصراخ يأتي من الأعلى،" صعدنا جميعا فإذا بجميلة ملقاة بحالة فظيعة بعد أن انفصلت ساقاها تماما وترك القسم الأسفل من جسدها أشلاء متناثرة وما زالت على قيد الوعي قليلا".. يضيف الوالد:" بحث عن باقي الأطفال، وكانت شدا قد انقسمت إلى قسمين وجمعنا أشلاءها عن بعد 18 مترا، فيما كان رأس إسراء قد قسم إلى قسمين وقد تفجر ووجدنا أحد أقدامها على سطح يبعد عنا 200 متر..".

 

 

 

 

لا زال وجهكِ جميلا

وبعد انتهاء اللعب والقصف الذي لم يحدد إن كان من طائرة أو من مدفعية لكنه حمل موتا على أي حال، استيقظت جميلة في المساء، بعد غيبوبةٍ لساعات، لكنها لم تغرق في حزنٍ طويل، وكان الوالد يتحدث إليها بصراحة "مؤلمة" :" فقدتِ رجليكِ .. لكن لا زال وجهكِ جميلا، وسأكون إلى جانبك مدى الحياة" قال لها.

وأضاف: لطالما كانت جميلة "اسم على مسمى" مظهرا وسلوكا، وهي بنت "جدعة جدا" ومن المتفوقات في دراستها" ثم استدرك بصيغة الحسرة:" لكنها لم تكن أذكى من شدا التي كانت عبقرية ونناديها دوما بـ"الدكتورة".

وعندما كان يضج الوالد من حديث جميلة المتواصل وحركتها التي لا تهدأ، "كنت أصيح بها بكفي وجعتي راسي فترد: أنا بتدرب لأكون مذيعة وصحفية ناجحة"..

يصمت قليلا ليضيف:" ربنا يتولاها برحمته.. كانت تحب الرسم وتعبر عن شخصية متفائلة، وحتى بعد أن فقدت رجليها وسافرت في سيارة إسعاف إلى مصر لا تدري إن كانت ستجد علاجا أو لا... ظلت تحلم وترسم الأزهار كما فعلت دوما...".

 

انشر عبر