خبر هل تريد اسرائيل القضاء على « حماس » ؟.. هاني المصري

الساعة 12:11 م|17 يناير 2009

ـ الأيام الفلسطينية 17/1/2009

منذ بداية الحرب العدوانية على غزة، وضعت الحكومة الإسرائيلية اهدافا متواضعة، مثل إضعاف "حماس" والمقاومة، واستعادة قوة الردع الاسرائيلية، وتغيير الواقع الامني وقواعد اللعبة بغزة، بحيث تصل الامور هناك الى وضع لا تستطيع ولا ترغب فيه "حماس" وغيرها من الفصائل الفلسطينية على مقاومة الاحتلال الاسرائيلي بأي شكل من الاشكال، لأنها ستفكر مليون مرة بالثمن الباهظ الذي ستدفعه قبل أن تقدم على ذلك. إن هذه الاهداف هي التي تفسر لماذا لجأت اسرائيل لكل هذه المجازر والدمار؟ ولماذا لم توفر فعلا الشجر والحجر ؟ بما في ذلك المدارس والمساجد والمنازل والمستشفيات والمؤسسات العامة والخاصة، ولم تسلم حتى مستودعات الاغذية التابعة للأونروا.

إن الاهداف المعلنة المتواضعة للغزو، تخفي وراءها أهدافا سرية غير معلنة. فلقد استفادت اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية، الشريكة في هذه الحرب شراكة كاملة، من الحرب اللبنانية الاخيرة، سواء عسكريا أو أعلاميا أو على صعيد وضع الاهداف . فلقد وضعت اسرائيل للحرب ضد لبنان أهدافا كبيرة، وقال إيهود أولمرت ان الهدف منها هو القضاء على حزب الله، وقالت كوندوليزا رايس إن تلك الحرب ستغير وجه الشرق الاوسط.

تأسيسا على هذه الاهداف الكبرى، كانت الهزيمة الاسرائيلية الاميركية مضاعفة، فحزب الله ليس فقط لم يتم القضاء عليه، بل بات بعد هذه الحرب أقوى عسكريا وسياسيا، وتعاظم دوره في الخارطة السياسية اللبنانية. من الاهداف السرية للحرب ضد غزة أنها حلقة من مسلسل متعدد الحلقات ابتدأ منذ سنوات، وتحديدا بعد فشل مؤتمر كامب ديفيد عام 2000 على إثر رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات الموافقة على الحل الاسرائيلي الذي طرحه إيهود باراك رئيس الحكومة الاسرائيلية حينذاك، حيث شنت اسرائيل حربا عدوانية ابتدأت بإعادة احتلال مناطق السلطة الوطنية في الضفة ومحاصرة مقر ياسر عرفات، ودعا الرئيس الاميركي بوش الى تغيير القيادة الفلسطينية وايجاد قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة، تحارب الارهاب (أي المقاومة) ومستعدة للتعايش مع الاحتلال .. في هذا السياق حوصر ياسر عرفات ثم تم اغتياله، وطرح أرئيل شارون خطة فك الارتباط عن قطاع غزة، والتي اعتبرها الكثير من الفلسطينيين والفصائل الفلسطينية عموما وخصوصا حركة حماس، انتصارا للمقاومة وتحريرا لقطاع غزة من الاحتلال، ولم يميزوا الجوانب الاخرى فيها الاكثر خطورة، وهي أن هذه الخطة جزء من مشروع اسرائيلي طويل الامد متعدد المراحل يستهدف قطع الطريق على المبادرات العربية والدولية وتقويض الحركة الوطنية الفلسطينية ودفن المشروع الوطني المتمثل بتحقيق الاستقلال الوطني. لقد شجع اسرائيل على المضي في تطبيق مشروعها أن عملية "السور الواقي" التي شنتها القوات المحتلة في الضفة في نهاية اذار عام 2002 انتهت الى تغيير القيادة الفلسطينية وايجاد قيادة فلسطينية جديدة، ملتزمة بالاقلاع عن المقاومة وسحب سلاحها، وتطبيق الالتزامات الاسرائيلية في خارطة الطريق من جانب واحد، وبدون اشتراط تطبيق الالتزامات الاسرائيلية والفلسطينية بشكل متبادل ومتزامن، كما تنص خارطة الطريق. ومن الاهداف السرية للحرب العدوانية الهمجية على غزة أن تبقى أهدافها مفتوحة، بحيث اذا استطاعت أن تمضي القوات المحتلة الاسرائيلية الى ابعد مدى ممكن، لن تتردد في ذلك. فاذا رفعت المقاومة الفلسطينية الراية البيضاء، وتحديدا حركة حماس التي تقود الحرب الفلسطينية - الاسرائيلية للمرة الاولى منذ بدء الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، توقف اسرئيل الحرب لأنها لا يهمها من يحكم غزة سواء كان اسلاميا أو وطنيا المهم أن يكف عن المقاومة ويشعر في أعماقه أنه منهزم ويوافق على ايجاد ترتيبات أقليمية ودولية تضمن عدم لجوء الفلسطينيين مجددا للمقاومة وعدم قدرتهم على الحصول على الاسلحة. و اذا لم تستسلم المقاومة ولم تهزم، كما هو حاصل حتى الان، واستمرت باطلاق القذائف والصواريخ، وفي المقاومة الباسلة للقوات الغازية، ورفض شروط اسرائيل للتهدئة والحل، فاسرائيل يمكن أن تمضي في الحرب في شروط معينة، حتى لو اقتضى الامر اعادة احتلال قطاع غزة وتقويض حكم حركة حماس، واعادة القطاع الى العصر الحجري.  في هذا السياق تم اغتيال الشهيد نزار الريان رغم أنه كان يمكث في بيته بشكل معلن رافضا مغادرته. كما تم اغتيال الشهيد سعيد صيام القيادي البارز في حركة حماس، وهذه ضربة قويه بدون شك، وستسعى اسرائيل الى اغتيال واعتقال كل ما تستطيع من القيادات والكوادر السياسية والعسكرية للمقاومة. هنالك من يقول إن اسرائيل لن تصل الى هذا الحد، بل هي ستكتفي بتوجيه ضربة قوية تأديبية لـ"حماس" حتى تضمن استمرار الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني، وتحوله الى انفصال دائم بما يعفيها من الاستجابة للمطالبة الدولية باقامة دولة فلسطينية مستقله على حدود 1967، ويفتح الطريق لتطبيق البدائل المفضلة لأسرائيل، وهي: استمرار الوضع الراهن، او العودة للخطوات الاسرائيلية أحادية الجانب، او رمي غزة بحضن مصر، ورمي ما تبقى من الضفة بعد اقتطاع القدس وغيرها من المناطق التي تنوي اسرائيل ضمها، بحضن الاردن، او اقامة "دولة" أو "دولتين" فلسطينيتين واحدة في الضفة واخرى في غزة . ان هذا صحيح اذا خضعت "حماس" والمقاومة لشروط اسرائيل. إن ما يمكن أن يمنع اسرائيل من المضي في حربها الى آخر مدى، هو:

1- خشيتها من وقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوفها، ولا يجب أن نخدع أنفسنا وعلينا أن نعترف بأن خسائر اسرائيل حتى الان قليلة، حتى لو أخذنا الارقام التي أعلنت عنها كتائب القسام عن الخسائر الاسرائيلية. ولذا اذا تصورت اسرائيل أنها لن تخسر كثيرا اذا قامت بالتوغل في المناطق الاهلة بالسكان فلن تتردد ولا لحظة واحدة، فالوضع الفلسطيني والعربي والدولي مناسب تماما لها لاستكمال العدوان.

2- الخشية من ان يتحول احتلال قطاع غزة الى حرب طويلة، واسرائيل خرجت من غزة لكي لا تعود اليها.

3- اسرائيل تقدر أن استمرار العدوان وتوسيعه وتطبيق المرحلة الثالثة يمكن أن يؤدي الى تنديد عالمي اوسع. فالتحركات الشعبية ضد العدوان الاسرائيلي على امتداد العالم، لم يسبق لها مثيل، ويمكن أن تؤدي اذا تواصلت الى ايجاد ارادة دولية تضغط على اسرائيل وتجعلها تفشل في تحقيق أهدافها. لذا يطالب ايهود باراك وتسيبي ليفني وبعض القادة العسكريين بإيقاف الحرب عند الانجازات التي تحققت حتى الان، وحذروا من أن استمرار الحرب يمكن أن يقوّض الانجازات التي تحققت.

4- إن اسرائيل تخشى من حدوث تدهور أقليمي وفتح جبهات جديدة مع لبنان، وربما مع سورية وايران، فالتحذير الذي أطلقه الشيخ حسن نصر الله، من ان كل الاحتمالات مفتوحة ومن غير المسموح هزيمة المقاومة لا يمكن تجاهله، وان اطلاق الصواريخ مرتين من جنوب لبنان على شمال اسرائيل رسالة الى ما يمكن أن يحدث اذا اصرت اسرائيل على تحقيق انتصار حاسم. ان اسرائيل لن تخرج منتصرة انتصارا حاسما لأنها لا تريد أن تجازف، ولن تخرج مهزومة من غزة، لأن هزيمتها للمرة الثانية خلال عامين، ضربة أكثر من أن تحتملها وهي هزيمة اذا حدثت ستعيد النظر في الدور الاسرائيلي في الاستراتيجية الاميركية في المنطقة. فاسرائيل تقوم بدور وظيفي ليس ضد الفلسطينيين فقط وانما ضد شعوب وبلدان المنطقة خصوصا في بلدان الطوق. كما أن أسرائيل اذا ضربت ضربة قاضية للمقاومة ستخلق واقعا شبيها لما يحدث في الضفة لجهة وجود سلطة مطواعة تخلت عن المقاومة، وتنسق أمنيا مع الاحتلال وتعتمد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، رغم أن اسرائيل لا تنتظر نتيجة التفاوض بل تقوم بفرض الحل الاسرائيلي على الارض، لكي تقول للفلسطينيين بعد استكمال مشاريعها التوسعية والاستيطانية والعنصرية والعدوانية : إما أن تقبلوا الحل الاسرائيلي أو لتضربوا رأسكم بالحائط. ولكي تقول للقيادة الفلسطينية عليك أن تتحولي الى سلطة أنطوان لحد أو أنطوان لحد زائد. و اذا احتلت أسرائيل غزة فهي لن تقدمها على طبق من فضة للسلطة الفلسطينية، كما يعتقد بعض السذج والواهمين أصحاب الاحلام المريضة والخطيرة، بل ستقول للسلطة إن اسرائيل ليست جمعية خيرية، واذا اردتم السلطة في غزة عليكم أن تستحقوا ذلك، عليكم أن تقبلوا الشروط والاملاءات الاسرائيلية بدون نقاش وبلا تفاوض. فالحرب على غزة حرب على الفلسطينيين جميعا، وعلى قضيتهم. حرب على القدس، ومن أجل فرض حل يحقق الاهداف والمصالح الاسرائيلية كاملة. ولنتذكر جميعا أن الهدف هو القضاء على المشروع الوطني والاستقلال الفلسطيني، ولا يهم كيف يتم ذلك بالفصل بين الضفة وغزة أو ايجاد دولة هزيلة أو دولتين هزيلتين لا تمتلكان من مقومات الدول سوى الاسم أو رمي غزة الى حضن مصر وما تبقى من الضفة بحضن الاردن. إن اسرائيل تريد القضاء على المقاومة، ولكن المقاومة لا يمكن القضاء عليها، لأن المولد للمقاومة هو الاحتلال. واسرائيل تريد ردع المقاومة، كما تفضل تسيبي ليفني، ولكن وكما قال موشيه ارنس وزير الدفاع الاسرائيلي الاسبق فان الردع لا ينفع في مواجهة فصائل سياسية شعبية، وانما ينفع فقط مع الدول التي لديها ما تخشاه من مؤسسات ومصالح وحكم وقوة. أما فصائل المقاومة فكلما تعرضت للقتل والدمار أكثر حصلت على دعم شعبي وسياسي ومادي اكثر. لذا يوصي ارنس بكسر "حماس" والمقاومة وعدم الاكتفاء بردعها، لأنها بعد الردع ستخرج أقوى، وبالفعل ان من يقاوم الاحتلال يخرج دائما أقوى مهما كانت الخسائر المادية والبشرية، هذه هي الخبرة المستفادة من كل معارك التحرر، ومن تاريخ الصراع بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الاسرائيلي الاستعماري الاجلائي الاستيطاني العنصري !!