شريط الأخبار

تركيا إذ تمزج ثوابت الجغرافيا بمتغيّرات السياسة ..مصطفى اللباد

02:21 - 14 حزيران / يناير 2009

ـ النهار اللبنانية 14/1/2009

أعاد الموقف القوي لحكومة أردوغان حيال مذبحة غزة توزيع أوراق اللعب الإقليمية، بحيث أرجع تركيا مرة أخرى إلى بؤرة المشهد الإقليمي. وتتزامن العودة التركية إلى المنطقة مع ترحيب كبير بها كلاعب إقليمي يراد له أن يوازن لاعبين آخرين ويخصم من رصيد دولة الاحتلال الصهيوني، التي تعربد في المنطقة عسكرياً بغطاء اميركي وعجز شامل من النظام العربي الرسمي. ولا يعني ذلك أن تركيا صارت تعادي دولة الاحتلال الصهيوني جذرياً ومبدئياً، ولكنها تعلم أن ممارسة الحضور الإقليمي في المنطقة يتطلب حداً أدنى من الصمود في مواجهة الصلف الإسرائيلي ومن ورائه القطب العالمي الأوحد، وهو ما فعلته باقتدار خلال الأسبوعين الماضيين. وبعيداً عن الدوافع الإيديولوجية والعاطفية والإنسانية التي ربما ساهمت في أداء أردوغان وحكومته، تستند نظرة متفحصة للأمور إلى أن المصالح التركية العليا المرتكزة على ثوابت الجغرافيا الممتزجة بمتغيرات السياسة هي التي حتمت على حكومتها العودة مرة أخرى إلى ساحات الشرق الأوسط المضطرب عبر بوابة غزة.

الجغرافيا مصيراً

يستطيع أي فرد منا أن يختار ملابسه ونوع طعامه وحتى محل سكنه لو توافرت الإرادة والإمكانات المالية، ولكنه لا يستطيع اختيار أبويه في أية حال. والدول مثلها مثل الأفراد في تفاوت قدراتها المالية والبشرية والعسكرية تستطيع اختيار طرق تنمية اقتصادية وعقد تحالفات سياسية إقليمية ودولية؛ ولكنها تعجز عن شيء واحد هو الانتقال إلى أبوين جديدين أو الانتقال إلى جغرافيا أخرى! لذلك تبقى الجغرافيا فوق إرادة الدول والمجتمعات، ولهذا السبب بالتحديد ظهرت المقولة الشهيرة: "الجغرافيا هي قدر الأمم"، للدلالة على حضور الجغرافيا في حياة الأمم والشعوب وتشكيل مصائرها.

تبدو الجغرافيا التركية مثل شريحة أفقية هبطت من السماء وسط المياه بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. والموقع الجغرافي التركي بالإضافة إلى كل ذلك يمثل الشريحة الشمالية للشرق الأوسط، ويتماس مع الحدود الشمالية لكل من سوريا والعراق، والحدود الشمالية الغربية لإيران، في تمازج استثنائي بين حضور المياه واليابسة في تشكيل الشخصية الجغرافية لتركيا. ولكل ذلك لعب الموقع الجغرافي الدور الأكبر في دخول تركيا إلى الحلف الاطلسي (الناتو)؛ فشكلت جبهته الجنوبية الشرقية، واستطاع الحلف من طريق موقعها الجغرافي الضغط على الاتحاد السوفياتي السابق - ومن بعده روسيا - وموازنة نفوذه في القوقاز. وبالإضافة إلى العوامل الجغرافية العبقرية خص التاريخ تركيا بروابط مع دول جوارها في البلقان والشرق الأوسط والقوقاز، مما يضفى أهمية مضاعفة على مميزاتها الجغرافية ويرقى بها إلى مصاف التأثير الجيوبوليتيكي العميق.

يؤثر الموقع الجغرافي تأثيراً طاغياً على الدوائر الإستراتيجية العليا وعلى صنّاع القرار في تركيا، إذ لبلادهم موقع يمكن وصفه في العلوم الإستراتيجية بأنه Eckmacht وهي كلمة ألمانية الأصل تعني "قوة زاوية"، أي قوة إقليمية ذات موقع إستراتيجي معتبر. تتحكم جغرافية تركيا العبقرية بالممرات البحرية في البوسفور والدردنيل، أي الممرات البحرية الموصلة بين قارتي آسيا وأوروبا، بالإضافة إلى إطلالتها الممتازة على البحر الأسود والامتداد الواسع لشواطئها الجنوبية على البحر المتوسط. ويمكن أيضاً النظر إلى الخريطة التركية كشريحة أفقية، وضعتها الجغرافيا باقتدار، بين القارات الثلاث: أوروبا وآسيا وعلى مشارف أفريقيا إذ لا يفصلها عنها سوى مياه البحر الأبيض المتوسط. وموقع تركيا الجغرافي متعدد إمكانات التأثير والمواهب، فهي تطل باقتدار على منطقة البلقان، كما تضع منطقة القوقاز وبحر قزوين تحت سيطرتها الجغرافية، كما أن جسدها الجغرافي يحبس روسيا عند حدود البحر الأسود ويمنع عنها مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة.

ولأن تركيا لا تستطيع أن تلعب دوراً إقليمياً في كل جهات جوارها الجغرافي، لأنها ببساطة ليست قوة عالمية عظمى؛ يصبح واجباً عليها أن تختار المنطقة الجغرافية التي تعتقد أن توازنات القوى الإقليمية والدولية فيها تسمح بممارسة نفوذها الإقليمي، وهو ما ينطبق على منطقتنا بامتياز.

فرص ضائعة

تغيرت الخرائط السياسية في جوار تركيا القوقازي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينات، حيث لم تستطع تركيا تفعيل دور لها هناك على الرغم من الوشائج التاريخية والعرقية التي تربطها بالقوقاز. ومرد ذلك أن روسيا وقفت حائلاً دون ذلك بالترافق مع ميل غربي واضح الى ضرورة عدم استفزاز روسيا في البلقان. وعاد عقد التسعينات من القرن الماضي ليشهد تغيراً عميقاً ثانياً في الصورة الإستراتيجية لجوار تركيا الأوروبي - البلقاني، حيث لم تستطع تركيا -التي تملك مصالح تاريخية هناك- مساعدة البوسنيين في يوغوسلافيا المتفككة، بسبب الرفض الأوروبي القاطع لدور تركي هناك. وتكرر الأمر ذاته مع تركيا في البلقان مع نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي مع الألبان حلفاء الأتراك التاريخيين في إقليم كوسوفو، وهكذا خرجت تركيا خالية الوفاض من التغييرات العميقة التي حدثت في جوارها البلقاني والقوقازي، بسبب موقعها كشريك صغير في التحالف الغربي وعدم نضوج الشروط الذاتية والموضوعية للعب هذا الدور. ثم عادت رياح التغيير لتعصف بتوازنات الشرق الأوسط مع احتلال العراق عام 2003، وأدى الموقف التركي بعدم المشاركة في العمليات العسكرية، إلى طفور جديد لدور الأكراد في شمال العراق بعد احتلاله. وهكذا يمكن اعتبار أن التغيرات الجغرافية والسياسية في جوار تركيا الجغرافي منذ بداية التسعينات وحتى احتلال العراق كانت سلبية في تأثيراتها على موقع تركيا الإقليمي كما على هامش مناورتها الإستراتيجية. تغلب الانحياز الإيديولوجي لنخب تركيا الحاكمة إلى الغرب منذ نهايات السلطنة العثمانية مروراً بتأسيس الجمهورية وحتى فترة قصيرة مضت، على ثوابت الجغرافيا وبشكل أضر بقدرات تركيا الإستراتيجية الكامنة. ويبلغ هذا التحليل ذروة كفايته التفسيرية عند النظر إلى الواقع الجغرافي لتركيا ومقارنته بسياساتها الإقليمية منذ قيام "الجمهورية التركية" في العام 1923 وحتى أحداث غزة؛ فتركيا الواقعة بنسبة تبلغ 97٫5 في المئة من جغرافيتها في آسيا قد توجهت دوماً بسياساتها نحو أوروبا!

تعي تركيا أن مجالات تأثيرها الجيوبوليتيكي في جوارها الجغرافي قد أصبحت تتحقق في منطقة الشرق الأوسط أكثر من أي منطقة جغرافية أخرى، بمعنى آخر تهيئ أحداث غزة المتغير السياسي لعودة تركية إلى المنطقة، وهي مصلحة وطنية تركية مستندة إلى ثوابت الجغرافيا سواء وقعت أحداث غزة أم لم تقع. ومع تراجع مكانة الولايات المتحدة الأميركية دولياً والفراغ الكبير في المنطقة نتيجة تراجع الدور العربي عموماً والمصري خصوصاً؛ بالتوازي مع الدور المتنامي لتركيا في جوارها السوري والعراقي في السنة الأخيرة، تبدو أنقره اليوم وهي تعيد الاعتبار لمقولة انطلاقية في رسم إستراتيجيتها العليا: الجغرافيا قدراً ومصيراً.

 


انشر عبر