شريط الأخبار

في غزة .. إرباك العقيدة الأمنية الاسرائيلية!! .. هاني حبيب

09:39 - 14 حزيران / يناير 2009

لعل الهجمة غير المسبوقة، بكافة اشكال الاسلحة الليلتين الماضيتين في مدينة غزة، من قبل الجيش الاسرائيلي، لم تهدف الى التقدم الى عمق المدينة، بل كما نعتقد كان لها اهداف تتعلق في زج قوات الاحتياط المتدربة حديثاً في عمق المعركة، تدريب بالنار الحي وفي مواجهة حقيقية، التقدم البطيء تحت وابل كثيف ومركز ومتواصل من مختلف اشكال النيران، لم يكن يهدف الى التقدم الى عمق المدينة المحاصرة عسكرياً من كل اطرافها بقدر ما كان عبارة عن مرحلة تمهيدية لتوسيع العدوان الاسرائيلي من خلال الزج بعدد كثيف من الجنود الذين باتوا اكثر قدرة ومعرفة بما يتوجب عمله، الانسحاب الاسرائيلي بعد كل تقدم، الهجوم في الليل والانسحاب في الفجر، ليس تراجعاً عسكرياً بقدر ما هو تكتيك عسكري يهدف الى توطئة للهجوم الواسع اذا اقتضى الأمر.

العقيدة العسكرية - الامنية الاسرائيلية تعتمد على خطوط استراتيجية وتكتيكية باتت معروفة، مع انه جرى عليها تعديلات عديدة، هذه الخطوط تتوج بنقل اية معركة إلى أرض العدو، لكن القصف الصاروخي في حربي لبنان وغزة، فتح ثغرة في هذه الخطوط التكتيكية، كما ان أهم ما يميز تلك العقيدة الامنية الاسرائيلية "الحرب قصيرة الأمد" الاّ ان ظروف الحروب الحديثة، وتجربة الحرب على لبنان ثم على غزة، ألغت هذه الخطوط تماماً، بحيث باتت القوات الاسرائيلية هي التي تتعمد اطالة الحرب، ليس لسبب الاّ لأن اهداف تلك الحرب لم يعد بالامكان تحققها الاّ من خلال اطالة أمد الحرب، في الحرب على لبنان، عمدت الولايات المتحدة الى وضع عقبات أمام مجلس الأمن كي يتخذ قراراً بوقف القتال، إلى حين تتمكن القوات الاسرائيلية من تحقيق اهدافها المعلنة في تلك الحرب، دمرت كل لبنان من دون ان تحقق تلك الاهداف إلى ان جاء قرار مجلس الأمن اخيراً ليحقق لها أهم الاهداف وليس كلها.

ويتكرر الأمر الآن في الحرب على قطاع غزة، فبعد تدمير البنية التحتية "للمدينة" في قطاع غزة من مبان ومؤسسات ومقرات حكومية واهلية ومساجد وخلافه، وبعد ان تزايدت مع استمرار الحرب، نسبة المدنيين ضحايا هذا العدوان، كل ذلك، لم يكن ليخدم الاهداف الاسرائيلية من وراء قيامها بعدوان وحشي على قطاع غزة. وهي تطيل أمد كل مرحلة من مراحل خطتها العسكرية المتدحرجة، إلى حين تتدحرج المساعي التفاوضية في التوصل إلى توافق اقليمي دولي يمكن من خلاله الحصول على بعض مما هدفت اليه من دون الاستمرار في تلك الحرب المكلفة على كافة الصعد.

التزايد المستمر في عدد الضحايا الفلسطينيين، من مدنيين، شهداء وجرحى ومفقودين، لا يخدم الهدف الاسرائيلي مباشرة، فهذه الاعداد المتزايدة ليست جزءاً من المعادلة السياسية الداخلية، داخل الحكومة الاسرائيلية نفسها، وحالة الاستقطاب في توقيت ما قبل الانتخابات التشريعية للكنيست، بين الحكومة والمعارضة بقيادة الليكود، أرقام الشهداء والجرحى الفلسطينيين لا يعتد بها في المعادلة السياسية الداخلية في اسرائيل. فالمهم وقف اطلاق الصواريخ، ومنع حركة حماس والفصائل الأخرى من التزود مجدداً بالسلاح، وتغيير الوضع الفلسطيني خاصة في قطاع غزة عما كان الامر عليه قبل بدء هذه الحرب، واذا كانت هناك اية اهمية للأعداد والأرقام، فهي تتعلق بعدد القتلى والجرحى الاسرائيليين، سواء جراء الصواريخ او المواجهات، هذه الأعداد هي التي تشكل عصب المعادلة السياسية والشعبية لدى اسرائيل.

وهذا يدفعنا الى الاشارة الى خط آخر من خطوط العقيدة الأمنية الاسرائيلية، ونقصد هنا ما يتعلق بالقتلى والأسرى الاسرائيليين في أية حرب، وتتلخص هذه العقيدة، والثقافة السائدة في المجتمع الاسرائيلي بضرورة الحد الى أقصى ما يمكن من أعداد القتلى والأسرى، وهذا الامر سائد في كل العقائد العسكرية بطبيعة الحال، الاّ ان لدى الاسرائيليين حساسية مبالغاً فيها بهذا الشأن، بحيث يمكن ان يخسر الجيش الاسرائيلي معركته اذا كان الامر ينطوي على عدد اكبر نسبياً من القتلى واحتمالات أسر عدد من الجنود، حسابات الخطط العسكرية الاسرائيلية، تؤخذ بهذا الاعتبار بشكل يحد من قدرة الجيش على خوض معارك طاحنة ومواجهات ساخنة واشتباكات متواصلة، ولهذا يعتمد هذا الجيش على القوة النارية المبالغ فيها، وعمليات التمهيد المتكررة والمتواصلة لضمان الحد من خسارته البشرية، قتلى أو أسرى.

وفي مثل هذه الخطوط من العقيدة الأمنية الاسرائيلية، يجد الجيش الاسرائيلي صعوبة بالغة في تكييف خططه مع جماعات مسلحة، فصائل واجنحة، لا تهاب الموت، تتسم بثقافة ايديولوجية ووطنية، تجعل من الاستشهاد هدفاً نبيلاً والتضحية بالنفس في سبيل هدف وطني نبيل، ثقافة سائدة، تجعل عملية مواجهة كل ذلك أمراً بالغ التعقيد والصعوبة، وما يجري اليوم في قطاع غزة، انما يشير ويؤكد ان "العقائد" العسكرية المتقابلة، تختفي عناصرها الجوهرية عندما يتعلق الامر بمواجهة من نوع يختلف تماماً عن مواجهة جيوش والتحامها في معارك حربية، وما البطء في التقدم العسكري الاسرائيلي الاّ تعبير عن مواجهة تفشل فيها الخطط على خط النار والمواجهة.

وبطبيعة الحال، لا يمكن تجاهل "الحالة الانتظارية" لدى الجيش الاسرائيلي، عسى ان تختمر توافقات سياسية، من شأنها وقف القتال، مع الحصول على أعلى حد من تحقق الاهداف، قبل التورط في معارك ربما تؤثر تأثيراً مباشراً على ميزان القوى العسكري وقوة الردع التي يحاول الجيش الاسرائيلي استعادتها بعد ان فقدها في الحرب على لبنان، وفقدان التخوم والفواصل بين المرحلة البرية - الثانية ومرحلة الالتحام- الثالثة، هي التعبير الحقيقي عن الحالة الانتظارية هذه التي تشير الى ارباك على المستويين السياسي والعسكري في اسرائيل!

 

 

انشر عبر