الورطة السعودية كفيلة بأن تشكل انهيارا شاملا لاستراتيجية نتنياهو- هآرتس 

فلسطين اليوم - غزة
الساعة 12:59 م
23 نوفمبر 2018
ترامب ومحمد بن سلمان

الورطة السعودية كفيلة بأن تشكل انهيارا شاملا لاستراتيجية نتنياهو- هآرتس 

بقلم: حيمي شليف

(المضمون: ترامب لم يتردد في استخدام الكلمة الساحرة "اسرائيل" في تصريحاته غير المعهودة في هذا الاسبوع. وما يخفيه ترامب في جعبته يمكن أن ينفجر في وجه نتنياهو - المصدر).

في وحدة كيدون (الخنجر) للموساد، المسؤولة حسب مصادر اجنبية عن الاغتيالات، بالتأكيد يتابعون بقلق الازمة التي تحيط الآن بولي العهد السعودي محمد بن سلمان في اعقاب قتل الصحافي الخاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول. الى جانب نجاحات كبيرة وكثيرة، التي جزء منها بالتأكيد لم يتم الكشف عنه، فان اعضاء وحدة كيدون مروا بزلات مدوية، من عمليات قتل بالخطأ للنادل احمد بوشيكي في "ليلة البلور" ومرورا بمحاولة قتل خالد مشعل الفاشلة في الاردن وانتهاء بتوثيق الكاميرات لتصفية محمود المبحوح في دبي. كل هذه الاخطاء دفعت اسرائيل ثمنها، ولكن ليس ثمنا عرض للخطر بصورة جدية مكانتها الدولية أو هدد وجود قادتها. من ناحية مهنية، تصفية الخاشقجي تمتاز بالوحشية، ولكن في نفس الوقت بالغباء. لقد تم تنفيذها في منشأة دبلوماسية من النوع الذي يقع بصورة دائمة تحت رقابة الدولة المستضيفة، الامر الذي قلص جدا قدرة السعودية عن التنصل من الحادثة. بدلا من التمسك بحق الصمت فان عباقرة المملكة سكبوا الزيت على النار من خلال النفي المدحوض جدا وغير المعقول الذي اعتبر اعترافا بالتهمة.

الغضب الموجه الآن للسعودية، لا سيما في الولايات المتحدة، يخلق مستوى جديد وخطير بالنسبة لوحدة كيدون وأمثالها في اجهزة الاستخبارات في ارجاء العالم. السعوديون الذين نفذوا عملية التصفية عملوا حقا بسذاجة تثير الاستغراب، لقد خرقوا قواعد البروتوكولات الدبلوماسية الاساسية، وخلافا لاسرائيل هم لم يقتلوا عدو اجنبي، بل مواطن سعودي؛ ولكن كل ذلك سيشكل ادعاءات للعقوبة. اذا تورطت اسرائيل مرة اخرى في عملية تصفية، ناجحة أو فاشلة، يستطيع اعداؤها الاستناد الى السابقة السعودية من اجل المطالبة بعقوبة مشابهة ومناسبة.

بنيامين نتنياهو، لأسفه، راكم تجربة غير قليلة في تقليص اضرار الاغتيالات التي تشوشت: قضية خالد مشعل، التي فرضت عليه اطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، حدثت اثناء ولايته الاولى كرئيس للحكومة؛ ورطة المبحوح، التي كشفت للعالم كما يبدو – طرق العمل لوحدة كيدون – حدثت في بداية ولايته الثانية. نتنياهو يفهم أن إبن سلمان سيضطر الى دفع ثمن ما بسبب التصفية الفاشلة، لكن من هنا وحتى المطالبة بعزله، ولا نريد الحديث عن الضرر الكبير الذي لحق بمكانة بلاده الدولية، فان الطريق ستكون طويلة. هكذا، حتى لو كان التهديد على إبن سلمان لم يكن ليشكل خطرا على الاستراتيجية الشرق اوسطية لبنيامين نتنياهو ولا على ترامب، فانه كانت لنتنياهو مصلحة مهنية، وطنية وحتى شخصية، كي يهب للدفاع عنه ولو من وراء الستار.

ولكن التهديد الاستراتيجي الذي من شأنه أن يثمر عن تداعيات سياسية، هو الذي جعل نتنياهو ينام على الجدار، حيث كل العالم يرى ويسجل. نتنياهو ومبعوثوه وعلى رأسهم السفير رون ديرمر يعملون بلا كلل في الاسابيع الاخيرة بصورة مباشرة وبواسطة مندوبين، من اجل دعم ترامب، وأن يمنعوا حكومته، حسب اقوال ديرمر، من "رمي مياه الحمام مع الأمير". اسرائيل وفرت لترامب درع واق لحمايته من منتقديه الكثيرين، ديمقراطيون وجمهوريون، الذين يطالبون بسياسة متشددة أكثر، بما في ذلك عقاب شخصي لابن سلمان.

يأملون انتهاء القضية

نتنياهو وترامب يأملان بأن التصريح الفريد الذي نشره الرئيس هذا الاسبوع والذي فيه فسر باستقامة فريدة وبلسانه الفظ والصبياني اسباب قراره الامتناع عن رد مناسب على قتل الخاشقجي، سينجح في اغلاق القضية. السعودية تعتبر حليفة استراتيجية حيوية جدا للولايات المتحدة بشكل عام: اذا كان تورط مواطنيها في العمليات في 11 ايلول 2001 لم يعكر العلاقة بين الدولتين، فان قتل صحافي معروف كمؤيد للاخوان المسلمين، بالتأكيد لا يجب أن يخرب العلاقة. وحتى اذا كان الآن لا توجد لترامب مصالح اقتصادية شخصية في السعودية، التي تفاخر بها في السابق، فلا شك أن العلاقات التي اوجدها مع المملكة، بما فيها صفقة السلاح بمبلغ نصف تريليون دولار، التي وقع عليها اثناء زيارته للسعودية في السنة الماضية، هي احد الامثلة القليلة على نجاح سياسته.

"العالم هو مكان خطر جدا!"، اعلن ترامب في مقدمة البيان الذي نشره هذا الاسبوع. في حالة أن أحد اعتقد غير ذلك. كل من له عقل في رأسه يفهم حقا أن قتل الخاشقجي لم يكن بامكانه أن ينفذ بدون مصادقة إبن سلمان، وهذا ايضا ما يقوله تقرير الـ سي.آي.ايه الذي تم تسريبه لوسائل الاعلام. ولكن ترامب لم يقتنع: إما نعم أو لا، قال بصورة قاطعة. "امريكا أولا"، اوضح ترامب، باقتباسه الشعار العام الذي تبناه لوصف سياسته، والذي يواصل اثارة عدم الرضى، بالاساس لدى يهود الولايات المتحدة، بسبب ارتباطه بالحركة الانعزالية اللاسامية التي عملت عشية الحرب العالمية الثانية لمنع انضمام الولايات المتحدة الى الحرب ضد المانيا النازية.

ترامب لم يتردد في استغلال سمعة اسرائيل الجيدة – أو ما بقي منها – من اجل الدفاع عن قراره. أمس أعلن أن "اسرائيل كانت ستكون في ازمات كثيرة لولا السعودية". في بيانه ذكر اسم اسرائيل مرتين: مرة من اجل التأكيد على أهمية السعودية في النضال الامريكي ضد العدوة اللدودة ايران، ومرة اخرى من اجل الاشارة الى أن الولايات المتحدة ستحافظ على علاقات وثيقة مع السعودية من اجل ضمان مصالح "بلادنا واسرائيل وباقي شركاءنا في المنطقة". إن استخدام اسرائيل كقبة حديدية لقراره غير الشعبي ليس صدفة، هذه كلمة ساحرة، التي بمساعدتها يأمل ترامب بتجنيد مؤيديه الافنغلستيين من اجل أن يعملوا على تخفيف انتقاد السناتورات الجمهوريين، وعلى رأسهم لندزي غراهام، الذين لم يوفروا جهدهم في توجيه الانتقادات لابن سلمان وافعاله.

هذا يترك انطباع اقل على الديمقراطيين. ومثلما كتب صاحب العمود جاكسون ديهل، الذي يعتبر بشكل عام مؤيد لاسرائيل "جمهوريون وديمقراطيون كثيرون سيصابون بالاشمئزاز من أن رئيس اسرائيل يحاول أن يعفي ديكتاتور عربي من المسؤولية عن القتل". في العمود الذي نشره في "واشنطن بوست" ذكر ديهل في نفس الوقت ايضا الدفاع الفعال الذي وفره ديرمر ونفتالي بينيت لترامب في اعقاب المذبحة التي نفذها عنصري ابيض في كنيس "شجرة الحياة" في بطسبورغ. تبريرات نتنياهو ومندوبيه ربما تستطيع أن ترضي آذان اسرائيليين ومؤيدين في اليمين الامريكي. ولكن سلوكه في القضية السعودية وفي اعقاب القتل في بطسبورغ سينضم الى لائحة الاتهام الخطيرة والشديدة أصلا ضد رئيس حكومة اسرائيل الذي تأييده للرئيس الامريكي المكروه جدا يتجاوز في نظرهم حدود الضروري والمعقول والمقبول.

السير على جليد رقيق

هكذا ايضا، اسرائيل تسير الآن على جليد رقيق في علاقاتها مع الديمقراطيين، الذين سيطرتهم على مجلس النواب في الانتخابات الاخيرة اعادتهم الى مركز القوة في واشنطن، الذي غابوا عنه في السنتين الاخيرتين منذ انتخاب ترامب. خلافا للانطباع الذي ساد في اليومين الأولين للانتخابات، وعلى الرغم من فشلهم في الحرب على مجلس الشيوخ، فان الانتصار الديمقراطي في الانتخابات كان كبيرا وجارفا اكثر مما تم توقعه في البداية. ليس فقط أنهم فازوا باغلبية ثابتة وحصينة تتمثل بـ 35 مقعد في مجلس النواب، ويمكن أن يصل الى 37 مع انتهاء فرز الاصوات في ولايتين ما زالت مفتوحة، بل ان الفرق الذي فازوا به في الفرز الشامل للاصوات – 8 في المئة، أو 8.6 مليون صوت – هو الاكبر منذ أن هزموا الجمهوريين في العام 1974، في ذروة قضية ووترغيت. انقلاب بارز بشكل خاص في اوساط النساء اللواتي تخلين عن ترامب بجموعهن، وأكثر من ذلك في اوساط الشباب الذين دفعهم الاشمئزاز من ترامب الى المجيء لصناديق الاقتراع من اجل التصويت للديمقراطيين بنسبة غير مسبوقة.

صحيح أن اسرائيل ما زال يمكنها الاعتماد على الحرس القديم في الحزب، رغم أن نانسي بلوسي التي ما زالت تبدو كمرشحة أولى لأخذ قيادة المجلس عندما سينعقد للمرة الاولى في كانون الثاني، لم تغفر بعد لنتنياهو بسبب خطابه المثير للخلافات في الكونغرس ضد الاتفاق النووي مع ايران. ولكن هذه الحصانة غير أبدية، وربما ايضا ليست لفترة قصيرة جدا. بالنسبة للقوى الصاعدة في الحزب فان قاعدة الدعم التقليدية لاسرائيل – الكارثة، الاستقلال وحرب الايام الستة – ليست في نظرها اكثر من تاريخ.

بالنسبة لكثيرين منهم اسرائيل هي دولة محتلة تنزلق بالتدريج ولكن بثبات الى معاقل القومية المتطرفة والعرقية المركزية، المكروهة لديهم والتي تنكل بمصوتيهم اليهود، الذين حوالي 80 في المئة منهم صوتوا في 6 تشرين الثاني لصالح الديمقراطيين. لمعظمهم، يهود وغير يهود على حد سواء، ليس هناك عفو ولا غفران على خطأ الوقوف الشامل لنتنياهو ومساعديه من وراء ترامب.

استعداد نتنياهو للدفاع بجسده عن إبن سلمان ايضا ينحرف عن المقاربة الاسرائيلية التقليدية التي تفضل اخفاء دور اسرائيل في تحريك السياسة الامريكية الخارجية، وبشكل خاص في الاوضاع التي من شأنها أن تتدهور الى مواجهة عسكرية والى ضحايا. اسرائيل ومندوبوها عملوا بشكل كبير من اجل قمع ادعاءات مبالغ فيها، إن لم تكن مدحوضة في هذه الحالة، بأن القدس هي التي دفعت جورج بوش من اجل غزو العراق. اذا تعقد الوضع في السعودية فان اسم اسرائيل واسم نتنياهو سينقشان بحروف مقدسة بيضاء على السقوط.

لحسن حظ نتنياهو فان علاقات اسرائيل مع السعودية ومكانتها العتيدة في الولايات المتحدة لا تثير في الوقت الحالي الرأي العام في اسرائيل. قرار نتنياهو بالامتناع عن رد شديد على اطلاق حماس للصواريخ أثار وبحق غضب شامل في اوساط الجمهور، وقلل من مكانته في اوساط مصوتي اليمين في اسرائيل، لكن الصورة الواسعة والاخطر التي تشير الى خطر انهيار اجهزة شاملة في دولته تثير فقط التفاؤل الآن.

البينات قاطعة: النجاح الدعائي لحماس هز صورة نتنياهو كسيد الأمن، الذي يثير الخوف لدى أعداء اسرائيل. اسقاط الطائرة الروسية في سماء سوريا قلص حرية نشاطات سلاح الجو الاسرائيلي والقى بظله على العلاقات الممتازة التي طورها نتنياهو كما يبدو مع بوتين؛ والازمة التي وجدت اسرائيل نفسها فيها في اعقاب عملية القتل في اسطنبول لم تنته بعد؛ في السيناريو الاسوأ سيحطم الجبهة المناوئة لايران التي بلورها نتنياهو وترامب وتفاخر نتنياهو بتعميق العلاقات مع دول عربية معتدلة رغم الجمود في العملية السلمية مع الفلسطينيين.

لقد خصص لابن سلمان دور اساسي في خفض توقعات الفلسطينيين قبل نشر خطة السلام "النهائية" لترامب. كثيرون يعتقدون أن استعداد ترامب للوقوف الى جانب محمد بن سلمان سيعمق التزام الامير السعودي بدعم الخطة رغم أنه في وضعه غير المستقر سيتردد في الوقوف خلف الخطة الامريكية التي من شأنها أن تثير غضب الفلسطينيين و"الشارع العربي"، بما في ذلك الشارع في مكة والرياض.

نتنياهو بالتأكيد لن يندم اذا ساهم عدم الاستقرار في السعودية في اقناع الادارة بتأجيل نشر خطتها. خلال الازمة الائتلافية الاخيرة اتضح فجأة أن نتنياهو يمكن أن يكون أول المتضررين من صديقه الجيد في البيت الابيض: كل خطة سينشرها الرئيس حتى لو ظهرت للعالم بأنها مؤيدة لاسرائيل تماما، ستتضمن التنازل عن مناطق، حتى في شرقي القدس. وسيتم رفضها تماما من قبل اليمين في اسرائيل. نتنياهو بالتأكيد لا يريد صد ثمرة جهود الرئيس وطاقمه للسلام المؤيد لاسرائيل. ولكن كل شيء عدا "لا" من شأنه أن يبعد المزيد من ناخبيه نحو اليمين الاكثر تطرفا.

يتبين اذا أنه يوجد في جعبة الرئيس، الصديق الاكثر قربا لاسرائيل، كما اعتاد نتنياهو وصف ترامب، يختفي لغم يمكن أن ينفجر في وجه رئيس الحكومة. ومثلما أن نتنياهو تعلم من اسقاط الطائرة الروسية بالخطأ، ومن العملية السرية التي تشوشت في قطاع غزة ومن عملية القتل في اسطنبول، فان احداث غير متوقعة يمكنها في كل لحظة أن تهزه وتهز المنطقة وتخرب صورته كشخص قادر على كل شيء. عندما يحدث ذلك بالذات في سنة انتخابات فان الحكمة المقبولة بشأن فوزه المضمون يمكنها في لحظة أن تنهار مثل مبنى من ورق خاصة مع رؤيته الاستراتيجية.