شريط الأخبار

غزة...و نظرية "الجدار الحديد" ..خالد الحروب

12:59 - 12 تموز / يناير 2009

"على الفلسطينيين أن يفهموا وفي أعمق أعماق وعيهم أنهم شعب مهزوم"، هذا ما كان يقوله موشيه يعالون رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية عام 2002.

 

 

وهو بهذا كان يعيد تكرار مقولات فلاديمير جابوتنسكي، أحد أهم آباء الصهيونية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، الذي ابتدع نظرية "الجدار الحديد" التي أسست للعقيدة العسكرية الصهيونية في العقود التالية. وبحسب هذه النظرية لا يمكن هزيمة الفلسطينيين والعرب إلا من خلال القوة العسكرية الماحقة التي تمثل جدار الحديد في وجه مقاومتهم، فكلما حاولوا مواجهة إسرائيل يدميهم ذلك الجدار. وبعد أن ييأسوا جراء محاولاتهم اليائسة والثمن الذي يدفعونه، وبعد ذلك فقط، فإنهم سيستسلمون. وبالدعم الغربي العسكري والاقتصادي اللامحدود لقيام دولة إسرائيل نجحت تلك النظرية في تحقيق أهداف عدة لها، أهمها إنهاء الصراع العسكري لصالحها مع العرب.

 

بيد أنها لم تنجح في تحطيم إرادة العنصر الأهم في الصراع: الفلسطينيين. وإيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، يعلم ذلك و"يتفهمه". فقد سُجل عنه تصريح شهير في مارس 1998 قال فيه إنه يتفهم رغبة الشبان الفلسطينيين في الانضمام إلى منظمات المقاومة "المتطرفة"، وإنه لو كان ولد فلسطينياً وعاش الظروف الفلسطينية المأساوية لما كان سيختار أن يكون معلماً في مدرسة، بل سينخرط في تلك المنظمات. وباراك هذا نفسه يقود الآن نظرية "الجدار الحديد" ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ويريد أن يدميهم ويؤلمهم حتى يقتنعوا بأنهم شعب مهزوم.

 

هناك حاجة هذه الأيام للتذكير ببعض الأساسيات التي ما تزال تتحكم في عقيدة التفكير الاستراتيجي السياسي والعسكري الإسرائيلي. فعلى رغم أن العرب وبشكل جماعي نحوا جانباً الخيار العسكري، ولم تعد إسرائيل بحاجة إلى جدار حديدي، وعلى رغم أن الفلسطينيين قبلوا بأقل من ربع أرضهم التاريخية يُعاد لهم لإقامة دولة عليه، إلا أن إسرائيل ما تزال تصلب جدارها الحديدي وتنقله من نقطة إلى أخرى باتجاه إبادات جديدة. وهذا هو جوهر الحرب الجديدة على قطاع غزة، والباقي تفاصيل. فما تريده إسرائيل هو تحطيم إرادة الفلسطينيين، وإذلالهم، وإجبارهم على السير في شوارع الاستسلام عرايا. لا تريد استسلاماً فيه قدر من حفظ ماء الوجه، تريد استسلاماً مهيناً. لا تريد "أوسلو" على رغم كل تنازلاته، لأن الفلسطينيين يظهرون فيه مستسلمين بربطات عنق، تريد أبعد من ذلك، استسلاماً عارياً. على رغم تنازلات "مدريد" و"أوسلو" التي مضى عليها ما يقارب العشرين سنة، الجدار الحديد لا زال يحطم كل أمل في قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية قبل أن تكون في قطاع غزة. فحجم الاستيطان وعدد المستوطنين تضاعف ثلاث مرات منذ تاريخ أن وقعت القيادة الفلسطينية على اتفاقات "أوسلو" التي وعدتهم لفظاً بتحقيق دولة لهم. والحال أن الجدار الحديد تمثل عملياً وفعلياً، ولم يبق نظرية أيديولوجية، وصار جداراً على الأرض يمثل جماع العنصرية والأبارتايد في عالم اليوم.

 

في الضفة الغربية حيث لا توجد صواريخ "حماس" ولا تطلق رصاصة على جندي إسرائيلي ويمسك بالسلطة طرف فلسطيني في غاية الاعتدال، يتغطرس الاحتلال كما يريد: إذلال دائم للفلسطينيين، مئات الحواجز، طحن يومي، تحكم حتى في الهواء المُتنقس، وإفشال لكل ما تحاول حكومة فياض أن تقوم به، وهي الحكومة التي تقول إسرائيل إن على الفلسطينيين أن يقيموا نظيراً لها في غزة. ويتفق الفلسطينيون مع إسرائيل على نزع سلاح المقاومين في الضفة الغربية مقابل أن يعيشوا بسلام، فما أن يسلم المقاومون سلاحهم ويوقع المفاوض الفلسطيني على الاتفاق حتى تبيدهم إسرائيل واحداً واحداً، غدراً بالمقاومين وإهانة للقيادة. هذا يحدث في الضفة الغربية حيث لا صواريخ ولا مقاومة. وهذا ما تريده إسرائيل: احتلال نظيف وهادئ، من دون ضجيج أو حتى تشاكٍ. مشكلة قطاع غزة أنه يحتج على الاحتلال، ويصرخ ويحدث ضجيجاً مدوياً يشير للعالم أن هنا احتلالاً بشعاً. حرب إسرائيل تريد أن تقضي حتى على هذا الضجيج وتسكت المتشاكين. عليهم أن يقبلوا واقع الاحتلال، والحصار، والإهانة، والتجويع، بصمت... وهدوء، وينتظروا اللاشيء!

 

هناك حاجة إلى التذكير بهذه الأساسيات لأن أصواتاً عربية كثيرة تحمل الفلسطينيين مسؤولية الحرب، وتأخذ شكل الحياد البارد في وقت تواصل فيه آلة الدمار الإسرائيلية إبادة الفلسطينيين في قطاع غزة. عندما تشرع إسرائيل في أي من حروبها أو اعتداءاتها ليس هناك ترف للحياد. هناك طرف معتدٍ بوحشية وطرف معتدى عليه بوحشية. الموقف الإنساني الحي بوصلته معروفة وهو معاد للوحشية الإسرائيلية وللاحتلال الإسرائيلي ولجدار الحديد الإسرائيلي الذي يُراد أن يفرض على كل فرد فلسطيني. من لا يرى الغضب العالمي الذي يجتاح مدن العالم احتجاجاً على حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة فهو بالتأكيد لا يرى شيئاً. إن كان ساسة الغرب ما زالوا لم يغادروا مربعات العنصرية عندما تتعلق المسألة بقرار يناصر الضحية الفلسطيني أو العربي، فإن ضمير الشارع الغربي يتحرك للظلم ويصرخ في وجه المعتدي.

 

يريد الجدار الحديد أن يمحق ويذيب الفلسطينيين، وهم يقاومون ذلك. كل الرطانة الإسرائيلية حول توجيه الحرب ضد "حماس" فقط، وأن إسرائيل مستعدة لهذا الحل أو ذاك بما يريح الفلسطينيين هي رطانة فارغة ولا تساوي شيئاً. الدليل الأهم في ذلك هو، مرة أخرى، ما تقوم به في الضفة الغربية!

 

إن لم يكن منطق الوقوف ضد المعتدي، أو منطق التضامن الإنساني كافياً للتأمل من قبل المحايدين، فعليهم أن يدركوا أن منطق السياسة والمصلحة الخاص بكل طرف محايد يشير إلى تراكم الخسارات. معسكر "المحايدين" سيخسر سياسياً، وينتهي إلى الوقوف على أرضية بالغة الهشاشة. لا أحد مُطالب بأن يحمل السلاح ويخترق الحصار على قطاع غزة، فهذه يوتوبيا أصبحت من الماضي. لكن هناك مساحة واسعة من التسيس والمواقف الصلبة التي تساهم في ردع المعتدي. أو، هل نقول إن هذا أيضاً حلم طوباوي وأن المطلوب هو فعلاً "الحياد"؟

 

*نقلاً عن صحيفة "الإتحاد" الإماراتية

 

انشر عبر