شريط الأخبار

المفكر التونسي المرزوقي: الأمريكيون والإسرائيليون مجرد مجرد أداة في الفعل التاريخي الإسلامي من حيث لا يشعرون

09:14 - 12 تموز / يناير 2009

في كتاب جديد حول المقاومة وعلم العدوّ

 

المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي: الأمريكيون والإسرائيليون مجرد مجرد أداة في الفعل التاريخي الإسلامي من حيث لا يشعرون

فلسطين اليوم – وكالات

يعرض كتاب "المقاومة، محاولات في تحليل إستراتيجيتها للمفكر والفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي، وجهة نظر فيلسوف يعتمد التحليل العقلي والتأويل النقلي مجتمعين في مسألة عملية تقتضي فعلا مباشرا. ويحاول التأسيس النظري لما يسمّيه هو "المقاومة الفعّالة" التي تنقل الأمّة من الفعل إلى ردّ الفعل واستئناف دورها التاريخي الكوني.

 

وفي هذا الكتاب تجتمع أدوات الفكر الفلسفي والديني على نحو قد لا يتوقّعه القارئ حين يطّلع على الفهرس في عناوينه (دروس غزو العراق، إستراتيجية النصر الحتم، خيوط اللعبة الأمريكية في العراق، مقوّمات الحرب النفسية الفاعلة، التدبير الاستراتيجي الفاعل، الخداع الفاعل عند الأمم المبدعة، حروز المقاومة العراقية، أوهام القوة الأمريكية، النصر في الحرب لا ريب فيه، النصر في السلم لا ريب فيه).

 

ويلاحظ المؤلف، الذي هو أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية، أنّه يحاول سدّ ثغرة في ثقافتنا نتجت عن غياب التفكير العميق وغلبة الالتزام المباشر، وذلك عبر منهج قوامه وحدة الفكرين الفلسفي والديني.

 

منطلقات أساسية

 

يصف أبو يعرب المرزوقي اللحظة التاريخية الكونية الحالية بكونها مرحلة "تتميّز بسيطرة الحرب الشاملة التي يكون فيها الجميع عدوّ الجميع والتي يوظف فيها كل فريق أدواء الفرقاء الآخرين ليحقق فيهم شروط الحرب الأهلية في كل مستويات قيامها" ويرى أنّ الحل بالنسبة إلى المسلمين "هو في فهم مقوّمات الجهاد في سبيل الله بمعناه الأسمى كما حددته سورة الأنفال آيتها الستون لتحرير البشرية من التناكر والعودة إلى السلم المساعدة على التعارف أي الاستعداد الرادع (ص 26).

 

ويأتي مفهوم المقاومة عنده موافقا لمفهوم القيام والنهضة إذ هي "علاج استعجالي ناتج عن عدم توازن ميزان القوى بين طرفي النزاع ومن ثم فإنّ الأمة التي تحدد دورها بفعل المقاومة تعترف بأنّها مغلوبة ماديا ولو إلى حين فتنقل المعركة الحضارية إلى بعدها الرمزي. وعلّة فقدان توازن القوى المادي هي عدم العمل بالقواعد التي وضعتها آية الردع (سورة الأنفال، الآية 60) لذلك فالمقاومة ليست فعلا بل هي رد فعل. وردّ الفعل يقتضي بالطبع ألاّ يكون غاية الحل بل هو بدايته" (ص 16).

 

وهنا تطرح الإشكالية المركزية للكتاب : كيف يمكن لنا أن ننمي قدراتنا على الفعل بدل رد الفعل الدائم فننتقل من المقاومة السلبية إلى القيام الإيجابي ؟ يجيب المرزوقي بأنّ ذلك يخضع لإستراتيجية محكومة بخمس صفات:

 

1- غايته إسعافية استعجالية: إسعاف وظائف الأمّة المعطّلة.

 

2- أداته تعويضية: التعويض عن الأعضاء المفقودة.

 

3- مداه قصير: علاج مؤقّت.

 

4- عامل فعاليته رمزي: القوة الروحية للذات والتأثير الرمزي على العدوّ.

 

5- أفق سياسي: التفاهم مع العدوّ وليس القضاء عليه، إذ قد يصبح صديقا بالقياس إلى من هو أعدى منه في مستقبل لقريب.

 

وعلى هذا الأساس كان الفيصل بين المقاومة والإرهاب، فالمقاومة إذا صارت مجرد تعبير عن الغضب والانتقام فإنّها لن تتجاوز التهديم وسرعان ما تتحوّل إلى الإرهاب وتنقلب صفاتها إلى ضدّها.

 

القوة وميزان القوى

 

يرى المرزوقي أنّ اختلال ميزان القوى لا يقتضي بالضرورة السعي إلى التكافؤ فيها ومجاراة العدوّ في قوّته، ويعتبر ذلك من "الملهيات العملية" التي فرضها العدوّ لدخول معركة خاسرة في سباق التسلح لأنّ القوة ليست مفهوما مطلقا. والأطروحة الأنجع وفق هذا التحليل هي : كيف يصبح أضعف الأسلحة أقدر على مغالبة أقواها ؟ "فليس المطلوب مقارنة السلاح فذلك أمر لا يحتاج إلى جهد فكري فهو كان علّة الهزائم العربية، بل المطلوب مقارنة حاصل استعماله بالقياس إلى كلفته المادية والبشرية والسياسية والروحية" (ص74).

 

ويعتقد الكاتب أنّه لا غنى عن فهم الإستراتيجية التي اتبعها المسلمون بقيادة الرسول الكريم، لم ينتظروا حتى يصبحوا بقوّة بيزنطة أو فارس ليحققوا ما حققوه ولو انتظروا تحقيق التوازن الاستراتيجي لما تحققت الإمبراطورية الإسلامية. وعلى هذا النحو "يمكن بكلفة دبابة تسليح ألف جندي بدراجات نارية، ويمكن بكلفة نفاثة تسليح مائة طيار بطائرة تدريب وحتى بطائرة شراعية، فإذا فرضنا العدوّ مضطرا لاستعمال صواريخ عابرة تكلّفه مليارات الدولارات لمحاربة دراجة نارية أو طائرة تدريب فإنّه لن يستطيع منعهما من الوصول إليه مهما احتاط ومهما أحاط نفسه بالجدران.." والهدف من هذه الإستراتيجية هو إلغاء أثر العدّة بأثر العدد دون التنازل عن قيمة الحياة إلاّ من حيث هي عامل ردع للترهيب به دون استعماله لأنّ علم العدوّ بما يستعد له المقاوم هو الذي يردعه وسيحاول التخلّي عن البعض لئلاّ يفقد الكلّ وهو بالتدريج سيتخلى عن الكلّ. وهكذا يخلص الكتاب إلى تفسير علّة هزائم العرب في جميع الحروب التي خاضوها حديثا بما في ذلك حرب أكتوبر 1973 حيث أنّهم خاضوها بمنطق العدوّ وبفكره، جيش ضد جيش مع محاولة حصر الفاعلية في أدوات الفعل المادية دون القدرة على شروط إنتاجها واستعمالها.

فرضية المستقبل: النصر الأكيد

 

لا يتردد المرزوقي في القول إنّ هزيمة أمريكا باتت حتما فسواء عنده نجحت سياسة أمريكا وإسرائيل فتحقق الاستعمار المباشر أو فشلت لن يكون الأمر في الحالتين إلاّ لصالح النهضة العربية قالبا وقاعدة للصحوة الإسلامية. فبرأيه أعاد الوضع العالمي الراهن البشرية كلّها وليس المسلمين فحسب إلى حال جعل دور المسلمين يصبح أساس الآفاق المقبلة من التاريخ الكوني "بحيث إنّ الأمريكيين والإسرائيليين صاروا من حيث لا يشعرون وبخلاف المظاهر مجرد أداة في الفعل التاريخي الإسلامي تماما كما حصل ذلك في اللحظة التأسيسية من تاريخنا عندما كانت إمبراطورية العصر الغربية الوحيدة بعد تبدد منافستها الشرقية الوحيدة ويهود يثرب مجرد أداتين مادية (بيزنطة) ورمزية (يهود يثرب) في الثورة المحمدية التي خلصت البشرية من تحريف الفكر الديني في السنّة التوراتية المسيحية وتحريف الفكر الدنيوي في السنّة اليونانية اللاتينية وفتحت آفاق التاريخ الكوني للعصر الحديث". (ص250)

 

والنصر مشروط حسب المرزوقي "بتحرر المجتمع من دولة غير شرعية وتتحرر الدولة من نظام غير قانوني ويتحرر النظام من زعامة مستندة إلى القوة المادية بديلا من القوة الروحية"، ومن علامات ذلك اليوم "عودة النظام والمقاومة من المساجد دون سواها لكونها الحيّز الوحيد الذي تتحد فيه الدولة والمجتمع في مفهوم الأمّة التي تسكن قلوب الجميع ولا يقتصر وجودها على الجهاز الذي سرعان ما ينفرط عقده بموت الزعيم". (ص197)

 

دليل المقاومة الإسلامية

 

يعدّ هذا الكتاب دليلا للمقاومة الإسلامية بامتياز يحدد منزلتها في الأمة وفي العالم، ويوفّر لها التأصيل الديني والفلسفي والاستراتيجي بل يتجاوز ذلك في فصول الكتاب ليحدد مسار المعركة العسكرية والحضارية، على نحو يجعل المقاومة شرط نهضة الأمّة واستعادتها مكانتها الكونية ويحطّم كل محاولات عزل المقاومة. وعندما يجعل المرزوقي الإسلام في منزلة المقاوم الكوني فهذا ما يعزز ثقته بالمقاومة ويجعلها منطلق رفع راية الرسالة الخاتمة في العالم وتحقيق أهدافها.

 

ورغم حماس أبي يعرب المرزوقي لحركات المقاومة فإنّه لا يتردد في هذا الكتاب في توجيه النقد الصارم للقاعدة وحزب الله ويصف إستراتيجيتهما بالحمقاء التي تقضي على الوظائف الأساسية للدولة في الوطن العربي.

انشر عبر