شريط الأخبار

مشاهد من المآسي المتوارية على تخوم القطاع ..العطاطرة .. حيث تفوح رائحة الموت وتجري الفظائع بصمت

03:50 - 10 تموز / يناير 2009

كتب : عبد الغني الشامي

من يتجوّل فيها لن يحظى سوى برائحة الموت، أو بقذيفة تعاجله في ثوانٍ معدودة، أو طائرة تلاحق أنفاسه، فالوسائل تتعدّد والمصير واحد.

 

إنها منطقة العطاطرة، حيث تدور المذابحُ بصمت، وتتساقط القيمُ الإنسانية وتتبعثر مواثيق الحقوق جميعاً. فالعطاطرة الواقعة إلى الشمال الغربي من بيت لاهيا، بأقصى شمالي قطاع غزة، قدَرُها أن تكون على التماس المباشر مع عدوان يتواصل بلا هوادة.

 

فالمنطقة القابعة في أقصى شمالي قطاع غزة، ليست محظوظة بالتأكيد بوقوعها على التخوم الملتهبة. فمن الناحيتين الشمالية والشرقية يحدها السياح الإسرائيلي الذي يفصلها عن الأراضي المحتلة سنة 1948، بينما يحاصرها البحر من الناحية الغربية، لتفضي من ناحيتها الجنوبية إلى بلدة بيت لاهيا.

 

في اجتياح أو توغل، كانت العطاطرة ساحة سهلة بالنسبة لأعتى جيوش الشرق الأوسط، فأراضيها الزراعية المفتوحة، لا تسعف المقاومة في التحصّن أو التخندق، ولذا كان متوقعاً لها أن تسقط مع بواكير العدوان البري، وهو ما كان بالفعل في أول أيامه قبل أسبوع، فقد دخلتها القوات الخاصة الإسرائيلية معززة بقصف مكثف لكل المنازل، رغم سهولة المهمة.

 

كانت العطاطرة على موعد مع جولات من الفظائع. فقد طلب جيش الاحتلال من سكانها إخلاء بيوتهم، تحت طائرة التهديد. فسقط منهم الشهداء والجرحى فريسة للقذائف، فلا حصانة لأحد، حتى عمد الجيش إلى دكّ عدد من البيوت على رؤوس قاطنيها، لترسم العطاطرة مأساتها وسط إطلاق نار كثيف.

 

كان خيارات السكان محدودة، فإما البقاء بانتظار القصف الذي يهوي بالبيت على رؤوس قاطنيه، أو اللوذ بمركز إيواء تحت علم الأمم المتحدة، أو أن يحظى الفارون في طريقهم بنصيب من القذائف والنيران والشظايا.

 

المشاهد في جنبات العطاطرة فاقت كلّ وصف؛ ضحايا في كل اتجاه، جرحى سقطوا على قارعة الطريق دون أن تصلهم سيارات الإسعاف، نزفوا الدماء حتى الرمق الأخير، وتبددت استغاثاتهم تحت آلة الحرب التي لا تتقن سوى القتل والفتك بضحاياها.

 

جثث مبعثرة في جنبات العطاطرة، داخل المنازل، وتحت الأنقاض، في الطرقات، وفي الفضاءات المكشوفة. جثث وأشلاء أخذت تتحلّل، لتفضح العدوان الذي تحلّل من أخلاقيات الحرب والتزاماتها، بينما أخذت الحيوانات الضارية تظهر في المنطقة لتنهش فرائسها البشرية المبعثرة.

 

لم تتمكن سيارات الإسعاف، التابعة للصليب الاحمر، من دخول المنطقة في الوقت المناسب. جاءت متأخرة، متأخرة جداً، فالجيش الإسرائيلي كان يتسيّد المشهد ويتصيّد الضحايا من بين الأسر الفلسطينية التي تلوذ برمق الحياة.

 

يشرح معين المصري، مدير العلاقات العامة بمشفى كمال عدوان، جانباً من مأساة العطاطرة، فيقول "تم التنسيق مع الصليب الأحمر من أجل أن تذهب سيارات الإسعاف إلى تلك المنطقة، لانتشال جثامين الشهداء من هناك، وذلك بعدما وصلتنا الكثير من البلاغات بوجود جثامين من الشهداء بدت تتحلّل وأخرى تعرض للنهش من قبل الكلاب الضالة".

 

ويضيف المسؤول الصحي "عندما ذهبت الطواقم الطبية بسيارات الإسعاف، برفقة الصليب الأحمر بعد التنسيق مع سلطات الاحتلال، فوجئت بإطلاق نار كثيف باتجاهها من قبل جيش الاحتلال بينما كانت الطواقم على أطراف تلك المنطقة. لقد تمكّنوا بالكاد من انتشال ثلاث جثث، بينها جثة لطفل لا يتجاوز السنوات الأربع، حيث بدت جثته متفحمة ومقطعة، وقد نهشت الكلاب الجزء السفلي منها". هو مشهد مأساوي يعجز عنه الوصف، ومع ذلك قامت الطواقم الطبية بتصويره على أمل التعرّف عليه من قبل ذويه، فهويته بدت مجهولة، وعصية على التعريف بعد أن آل إلى ما آل إليه.

 

وبتأثر بالغ يقول معين المصري "لم أرَ في حياتي مشهداً كهذا، فصورة الطفل مروِّعة وتقشعر منها الأبدان".

 

ولكنّ ذلك الطفل الضحية ليس سوى غيض من فيض المأساة البشعة التي شهدتها العطاطرة، إذ يؤكد المصري "لو تمكنت الطواقم الطبية من دخول بقية المنطقة؛ ستفاجأ حتماً بمجازر بشعة وحالات صعبة، فالحديث هو عن عدد كبير من الشهداء سقطوا في تلك المنطقة دون أن تتمكن الطواقم الطبية من الوصول إليهم".

 

وللدكتور صابر العطار، روايته التي تكشف عن الأهوال التي عرفتها العطاطرة. فهو شاهد عيان من سكان المنطقة، يشرح فيقول "حينما بدأت الحملة البرية، وطُلب منّا مغادرة المنطقة بعد قصف منازلها بالقذائف والرشاشات الثقيلة؛ هربنا تحت وقع القصف دون أخذ شيء معنا". ويضيف الدكتور العطار "أثناء هروبنا أصيب كثيرون بجراح وسقطوا على الأرض، ومن كان يحاول أن يسعف أياً من الجرحى تُطلق عليه النار مباشرة ويبقى بجانب المصاب"، لينضم إلى قافلة الضحايا.

 

يتحدث صابر العطار عن مشاهد مفزعة، عن ضحايا فارقوا الحياة على الفور، ضحايا من كل الأعمار، حصدتهم آلة الموت الإسرائيلية بلا هوادة. ولا يتردّد العطار بوصف هذه الفظائع الدامية بأنها "حرب إبادة جماعية، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى".

 

انشر عبر