شريط الأخبار

بعد استشهاد 4 صحفيين وإصابة العشرات : من ينقل الأخبار في غزة يتأهب لأن يكون هو الخبر

11:36 - 10 تشرين أول / يناير 2009

فلسطين اليوم-خاص

كما هو شعبهم ، فقد رسم صحفيو غزة ملحمة جديدة في الصمود والثبات لخدمة قضيتهم في ظروف حرب هي "الأعنف" منذ حرب العام 1967، ورغم أنهم يعملون تحت مرمى نيران طيران الاحتلال الغادر، فإنهم مصممون كما قالوا لـ"فلسطين اليوم" على مواصلة المشوار لإيصال معاناة شعبنا في ظل هذا العدوان للعالم، وهنا التقت "فلسطين اليوم"، بعدد من الصحفيين لمعرفة كيف يعملون  تحت الحديد والنار، وما هي مشكلاتهم  وطلباتهم، ربما ليكونوا مستعدين في المرة القادمة لجولة جديدة من هذا الصراع الطويل .

 

المصور مهنا: العناية الإلهية فقط أنقذتنا من الموت المحقق

 

يقول المصور الصحفي محمد مهنا أن خطورة عملنا في غزة تكمن في أكثر من مجال، فلا يوجد أمان إطلاقا، لأن الضربات الحالية قوية وواسعة، ويمكن استهداف منزل معين، فتتضرر أيضا منازل مجاورة، وبحكم عملنا كمصورين نتواجد في الأماكن المستهدفة، فنتعرض لخطر أكبر، ناهيك عن استهداف نفس المكان عدة مرات، وعلى سبيل المثال تم استهداف منزل في مخيم النصيرات في وسط قطاع غزة أربعة مرات متتالية. ويضيف مهنا أن تحركاتنا من شمال القطاع إلى جنوبه محفوفة أيضا بالمخاطر، فيمكن أن يتم قصف مناطق حدودية بعيدة عن السكان، فنضطر للذهاب إلى هناك، وقد تحدث عمليات قصف جديدة فتتقطع بك السبل هناك، وترافقك الهواجس مع اشتداد ضراوة الغارات، ولذلك لا توجد عندنا أدنى ثقة في عمليات جيش الاحتلال، لأنه ومن خلال عملنا المهني نرى أن الكل الفلسطيني مستهدف، وقصة زميلنا فضل شناعة ليست عنا ببعيدة، بالإضافة إلى ذلك يذكر "مهنا" أنه وزملاؤه يمكثون في مكاتبهم أيضا لساعات طويلة قد تصل إلى 24 ساعة متواصلة ولا يستطيعون رؤية ذويهم بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل، وذكر "مهنا" أنهم وفي الليل تحديدا يعيشون قلقا نفسيا رهيبا، لأته يوجد في أعلى البناية التي يعملون بها مكاتب لإحدى وسائل الإعلام التابعة لإحدى الفصائل، وهي تعرضت للتهديد بالقصف، ونحن لا نستطيع حاليا نقل معداتنا من هناك، كما تواجهنا مشكلة نقص الوقود والكهرباء ولذلك في بعض الأوقات لا نستطيع الوصول للنقاط الساخنة، كما أن عدم توفر الانترنت غالبا بسبب أوضاع الحرب الحالية هي مشكلة إضافية. وعن رأيه في المطلوب لتأهيل الصحفي الفلسطيني للتعامل مع هذه الظروف القاسية، قال "مهنا" أن المطلوب هو تأهيل الصحفيين عندنا حول كيفية العمل في النقاط الساخنة، التي ينطوي العمل بها على "خطورة"، ويضيف أنه شخصيا قد حصل على عدة دورات تدريبية بالخارج تتعلق بهذا الموضوع، إلا أن 90% من الصحفيين هنا ليس عندهم أي فكرة عن "وسائل السلامة للصحفيين"، ويروي "مهنا" بعضا من تجربته الشخصية الأليمة أثناء تغطيته لهذا العدوان، ويقول أنه وأثناء تغطيته لقصف المسجد المجاور لمستشفى دار الشفاء، قد وصلت الشظايا إلى داخل قسم الاستقبال بالمستشفى الذي كنا نتواجد به، وقد أصيب جميع الموجودين بشظايا القصف بالإضافة إلى تدمير 50% من هذا القسم، ولذلك فإن هذا يعطينا دليلا إضافيا على عدم وجود أمان حتى داخل المستشفيات، ويضيف أنه أيضا وأثناء تصويره لمنزل تم استهدافه وكنا نضع شارة الصحافة وTV ، فقد عاود طيران الاحتلال قصف نفس المنزل، وفقط العناية الإلهية أنقذتنا من الموت المحقق.

 

الصحفية عكيلة: عندما أعود للبيت يستقبلني أبنائي بالبكاء والصراخ

 

الصحفية "هبة عكيلة" مراسلة قناة الجزيرة الفضائية تقول أن خطورة العمل الصحفي في الظروف الحالية تطال كل المجالات، وتضيف :نحن نتعرض للخطر ونحن على الهواء مباشرة، وأثناء عملنا للتقارير الميدانية، حيث تتعرض نفس الأماكن للقصف المتكرر، كما أن عملنا لوقت متأخر من الليل يعرضنا للخطر، خصوصا ونحن بعيدون عن منازلنا، حيث يتم قصف منازل قريبة منا، وهذا يجعل أسرتي وأطفالي في حالة خوف دائم على، فيتصلون بي للاطمئنان باستمرار، وعندما أعود للبيت يستقبلني أبنائي بالبكاء والصراخ، ولذلك هذا العدوان أثر على كصحفية وكسيدة بشكل كبير جدا، فزملائي الشباب يعتمدون على زوجاتهم لرعاية أبناءهم في غيابهم، أما أنا فأواجه مشكلة، لأن الأم هي مصدر الأمان والرعاية للطفل، ولذلك أنا أعيش في أجواء ضغط نفسي وجسدي رهيب. وحول تجربنها الشخصية في هذه الحرب تقول "عكيلة" أنها وأثناء تغطيتها لقصف مجمع الوزارات الحكومية في مدينة غزة، كان رجال الأمن يمنعون دخول السيارات للمنطقة، فاضطررنا للمشي، وكان الطيران الحربي الإسرائيلي يحوم في تلك المنطقة بكثافة، وكان هناك اعتقاد بأن طيران الاحتلال سيقصف المنطقة مجددا، ورغم المخاطر والضغوط بقيت هناك لمدة 2-3 ساعات حتى أنقل معاناة الناس هناك. وتضيف أنه ورغم كل هذه المعاناة فإنها مصممة هي وزملاءها على مواصلة مشوارهم المهني والوطني لنقل صور الدمار التي يتعرض لها شعبنا للعالم، وترى أن ذلك واجب وطني وأخلاقي. وعن المطلوب لمواجهة هذه الظروف من قبل الصحفيين الميدانيين، رأت "عكيلة" أنه يتوجب على المؤسسات الصحفية تدريب العاملين فيها على مواجهة هذه الضغوط النفسية في ظل الحروب، وتضيف أن ما حصلنا عليه من معلومات في هذا المجال قد تم اكتسابه بالخبرة، أو جاء كمبادرات شخصية أو من خلال الاطلاع على بعض الكتيبات أو من الانترنت، لكن "عكيلة" تجزم أن معظم الصحفيين الفلسطينيين لم يتلقون مثل هذا التدريب.

 

الصحفي الإذاعي النجار: لقد هيأت نفسي لكل الاحتمالات

 

الصحفي مثنى النجار مراسل إذاعة القدس المحلية، يروي تجربته ويقول: أنا كمراسل مهني المطلوب مني أن أصل لمكان القصف مباشرة لأعطي المستمع صورة موضوعية عن حجم الجرائم الإسرائيلية بحق شعبنا، وهذا بالطبع يحتاج إلى وقت وجهد، وأنا أشعر باستمرار أنني تحت الخطر والنار، فالمكان الذي نذهب إليه قد يتم قصفه مباشرة، وأيضا السيارة التي نستقلها قد تتعرض للضرب، وكذلك الشارع الذي أمشي به، ولكنني-والكلام-للنجار تعلمت أن لا أصل للمكان المستهدف مباشرة، خشية معاودة القصف، وأبقى على بعد، ولكن المصورين المرافقين لي يجب أن يكونوا في عين المكان، وهنا تكون الخطورة على حياتهم أكبر. ويضيف أنه عندما يذهب لتغطية أوضاع المصابين في المستشفيات ويرى أحد الجرحى وقد فقد أي عضو من جسده، فإنني أنظر لهذا العضو المماثل من جسمي، حتى أتأكد أنني لا زلت بخير. ويمضي النجار قائلا: لقد هيأت نفسي لكل الاحتمالات، فالاحتلال له ذرائعه التي لا تنتهي وعندما يقتل صحفي أو مواطن، فإنهم سيزعمون أننا في حالة حرب.

 

وينهي النجار أنه يتحمل كل هذه المخاطر من أجل الوطن فقط، ويقسم أنه لا يملك إلا 20" شيكلا" في جيبه فقط.

 

الصحفي والكاتب الإفرنجي: أهم خطر يواجه الصحفي في غزة هو القتل

 

وحسب الصحفي عماد الإفرنجي رئيس منتدى الإعلاميين الفلسطينيين في غزة، فإن أهم خطر يواجه الصحفي في غزة حاليا هو القتل بعد إستشهاد أربعة صحفيين وإصابة العشرات، كما أن هناك القصف المستمر لمقرات وسائل الإعلام في غزة ولذلك فإن معظم الإذاعات المحلية-حسب الإفرنجي-أصبحت تعمل من أماكن سرية، فلم يعد هناك أي خطوط حمر أو محرمات، بالإضافة إلى أن بعض المؤسسات الإعلامية تعرضت للتهديد المباشر وغير المباشر لقصفها. ويضيف الإفرنجي: أننا نعاني من توقف شبكة الاتصال أثناء القصف والإرهاق المتواصل، فنحن نعمل على مدار الساعة لأن العدوان لم يتوقف.

 

ويطالب الإفرنجي، بتدريب الصحفيين في غزة للتعامل مع الأزمات والحروب، فغزة تعتبر حاليا من أخطر الأماكن في العالم، ولذلك نحن بحاجة لملابس خاصة، خوذات واقية، سيارات مدرعة، أجهزة اتصالات خاصة ودورات في الصحة النفسية. ويرى الإفرنجي أنه إذا استمر العدوان فإن القادم أسوأ، خصوصا إذا حدث الاجتياح البري، ولذلك أنا أتوقع استهداف الصحفيين بشكل مباشر، فأكثر ما يؤلم الإسرائيليين هي صورة جرائمهم في الخارج، ومن هنا أدعو الإتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب لمساعدتنا في مواجهة هذا العدوان.

 

الدكتور دياب: ما يواجهه الصحفيين من مخاطر ينعكس سلبا على حياتهم العادية

 

وقد عقب الدكتور تيسير دياب الطبيب النفسي ببرنامج غزة للصحة النفسية وصاحب تجربة في تدريب الصحفيين على كيفية مواجهة الضغوط النفسية أثناء عملهم المهني بالقول أنه وقبل هذا العدوان قد قام بتدريب مجموعة من الصحفيين على مواجهة هذه الضغوط، وأنه لمس تعطشا شديدا لدى الصحفيين في غزة عن معرفة كيفية العمل أثناء الأزمات. ويضيف الدكتور دياب أن ما يواجهه الصحفيين من مخاطر ينعكس سلبا على حياتهم العادية، وقد تصل الأمور إلى الإصابة بأمراض عضوية أخرى، ولذلك ينصح الدكتور دياب الصحفيين الفلسطينيين حاليا بالتكيف مع هذه الحرب، وأن يتوقعوا الخطر في أي لحظة، ولكن في نفس الوقت أن يعتمدوا على الله، وأن يشعروا بأنهم يقومون بتأدية خدمة عظيمة لوطنهم ولأهلهم، كما ينصح الدكتور دياب الصحفيين بعمل تدريب على الاسترخاء من خلال أخذ نفس عميق من الفم لمدة 3 دقائق وأن يكتموا هذا النفس وأن يقوموا بالعد حتى الرقم 3، وأن يخرج هذا النفس بالتدريج عن طريق الأنف، وأن يستمر في ذلك لمدة 5 دقائق, كما دعا الدكتور دياب الصحفيين الفلسطينيين إلى عدم الالتفات للشائعات التي قد تؤثر على عملهم المهني، وعدم نقل الأخبار المسيئة لشعبنا وإلى صموده. كما أبدى الدكتور دياب في نهاية حديثه استعداده الشخصي للمساعدة في أي تدريب مستقبلي لمواجهة المخاطر التي تواجه الصحفيين بعد انتهاء هذه الحرب، فهو يعتقد أننا سنرى مآسي كثيرة في صفوف أبناء شعبنا بمختلف شرائحه وليس بين الصحفيين فقط.       

انشر عبر